المرأة والحقّ في الإجهاض

تداولت مؤخّرا وسائل الإعلام المغربيّة خبر وصول باخرة هولنديّة إلى المياه الإقليميّة وعلى متنها نشطاء إحدى الجمعيّات ومجموعة من الأطبّاء، قصد إجراء عمليّات إجهاض لمجموعة من النّساء الرّاغبات في ذلك من أجل حمايتهنّ من اللّجوء إلى الإجهاض السرّي، الذي يشكّل تهديدا حقيقيّا لصحّتهنّ وحياتهنّ.

وبعد سماعها بالخبر، نظّمت مجموعة من الجمعيّات التّابعة للقوى الأصوليّة وقفة احتجاجيّة بإحدى الموانئ شمال المغرب، تندّد بالباخرة وبالمهمّة التي كانت تنوي تنفيذها، ممّا دفع السّلطات المغربيّة إلى منع الباخرة من الدّخول إلى الميناء وإرغامها على تغيير وجهتها.

وقد حمل المحتجّون لافتات تندّد بالإجهاض باعتباره عنفا ضدّ المرأة ومسّا بحقّ الجنين في الحياة.

والواقع أنّ هذا الحدث يعيد من جديد طرح مسألة الإجهاض إلى النّقاش العام، باعتبار أنّ الأمر يتعلّق بشأن خطير وجدّي، لأنّه يمسّ في جوانب منه شريحة واسعة من النّساء، تجد نفسها تحت وطأة واقع أليم ومعاناة شديدة من جرّاء اكتشافها لحمل غير مرغوب فيه، إثر ممارسات جنسيّة خارج مؤسّسة الزّواج، ممّا يجعل -الحمل المذكور- بالنّسبة إليهن كارثة بكلّ المقاييس، في مجتمع يجرّم المرأة التي تورّطت في علاقة جنسيّة غير مؤطرة بعقد الزّواج، وينظر إليها نظرة كلّها احتقار، ويكون الحمل هو الشّاهد على إتيانها تلك الفضيحة وذلك الإثم الذي ينبغي إخفاء أثره بكلّ السّبل والوسائل.

ومن هنا كان لجوء العديد من النّساء إلى الإجهاض السرّي، قصد الخروج من ورطة الحمل وتجنّب الفضيحة وعقاب الأهل والأقارب، الذي يصل أحيانا إلى القتل من أجل محو العار واسترداد بعض من الكرامة المهدورة. 
والقوى الأصولية بدل أن تنظر إلى مسألة الإجهاض من منظور واقعي يأخذ بعين الاعتبار كلّ العوامل الاجتماعيّة والنفسيّة المحيطة به كظاهرة أصبحت ممارستها متفشيّة بشكل مهول، بدل ذلك لا تملك هذه القوى سوى الوعد والإرشاد والحلول الوهميّة من قبيل العفّة وصون النّفس والبعد عن الفحشاء. ويغيب عن هذه القوى أنّ الإجهاض أصبح متفشيّا، لأنّ العلاقات الجنسيّة خارج مؤسّسة الزّواج أصبحت نمطا من الحياة لدى شرائح واسعة من المجتمع، وهو أمر يؤشّر على معطى سوسيولوجي غدا مترسّخا ومهيمنا بفعل التّأثيرات الثقافيّة والفكريّة، التي مسّت مجتمعا يعيش على إيقاع تفاعلاته مع عصره في عالم أصبح قرية صغيرة بفضل تطوّر وسائل الاتّصال والتّواصل. إنّ القوى الأصوليّة تتحجّج في مناهضتها للإجهاض بكونها تدافع عن الجنين، في حين أنّها تحمل وترسّخ في المجتمع رؤية تحقيريّة للأمّهات العازبات على اعتبار أنّهن زانيات وفاحشات، وموصومات بالإثم والعار. 

وطبيعي أن يحمل أطفال هؤلاء الأمّهات نفس النّظرة التنقيصيّة والتحقيريّة لا لذنب سوى أنّهم أبناء أمّهات عازبات. كيف يدّعي الأصوليون الرّأفة بالجنين وهم يحملون له كلّ هذا الاحتقار ويرسّخون في المجتمع فكرا يجرّده من الكرامة والاعتبار طيلة حياته. أيّ حياة هذه التي يدعون الحفاظ عليها إذا كانوا هم أوّل من سيهين هذا الكائن بأقبح النّعوت والصّفات، وهم الذين ينشؤون بيئة فكريّة وثقافيّة مناهضة له، تعمل على إقصائه وتهميشه وترسيخ إحساسه بالنّقص والدّونية.
والغريب أنّ الأصوليين يهتمون بحياة الجنين وهو لم يكتسب بعد كيانه المنفصل عن أمّه، إذ في طوره ذاك لا زال جزءا منها، خاصّة في الأسابيع الأولى حيث التّعامل معه بالتخلّص منه أو الحفاظ عليه يندرج ضمن الحقّ المطلق للمرأة في جسدها، ومقابل هذا الاهتمام المزعوم بالجنين، فإنّهم لا يلتفتون مطلقا إلى معاناته الحتميّة في المستقبل من جرّاء ما سيلاقيه من ازدراء واحتقار.

مشكل الإجهاض إذن يحيل على واقع معقد لا يمكن تجاوزه بالمنع والتجريم، وهو من القضايا الخلافيّة، التي تتطلّب تجديدا في الرّؤية وإبداعا في المقاربات والحلول التي تأخذ بعين الاعتبار تطوّر أنماط الحياة والتغيّرات المتتالية في السّلوك الجنسي للفرد الذي يعطي الأسبقيّة لتلبية الرّغبة دون التفات إلى القيود الأخلاقيّة والدينيّة المتزمّتة. 
التّجريم والمنع لن يؤديا إلى اختفاء الإجهاض، بل العكس هو الحاصل، والأفظع من ذلك هو استفحال ممارسته سرّيا، وهو ما يفرض الاعتراف بالأمر الواقع، والتّفكير في تعامل آخر معه من منطلق تقنينه وإباحته.

وتبقى الإجراءات والحلول القانونيّة غير كافية، إذ سنجد دوما نساء فشلن في الإجهاض أو قرّرن الاحتفاظ بالجنين، وفي هذه الحالة فإنّهن يصبحن أمّهات عازبات يواجهن مشاكل متعلّقة بالنّظرة التحقيريّة للمجتمع التي تمسهنّ وتمسّ أطفالهنّ، فضلا عن المشاكل الإداريّة والقانونيّة التي يواجهها هؤلاء الأطفال والمرتبطة بالتّسجيل في الحالة المدنيّة.
 إنّ وضع حدّ لمثل هذه المعاناة، يقتضي العمل على الواجهة الثقافيّة والفكريّة لتغيير نظرة المجتمع إلى ممارسة المرأة للجنس خارج مؤسّسة الزّواج، كي تصبح تلك الممارسة أمرا مشروعا وحقّا طبيعيّا من الحقوق الفرديّة، وهو ما سيؤدّي تلقائيّا إلى انخفاض حالة الإجهاض، التي تتمّ درءا للفضيحة وتجنّبا لعقاب الأهل والأقارب.

 كما أنّ أطفال هؤلاء الأمّهات سيحيون حياة طبيعيّة خالية من الإحساس بالنّقص واحتقار الذّات، في ظلّ مجتمع ينظر إلى جميع الأفراد على قدم المساواة بغضّ النّظر عن منشئهم وأصلهم الاجتماعي. إنّ أطفال الأمّهات العازبات في الغرب لا يواجهون مشاكل مماثلة مرتبطة بالمسّ بكرامتهم والحطّ من قيمتهم، لأنّ المجتمع هناك تجاوز نظرة التّحقير إلى المرأة التي تمارس الجنس خارج مؤسّسة الزّواج، بل إنّ هذا المعيار ليس واردا بالمرّة في تقدير مكانة المرأة وقيمتها، والإجهاض هناك لا تتحدّد دوافعه في التستّر على سلوك مشين أو فضيحة ما، فغالبا ما تكون تلك الدّوافع مرتبطة بمدى الاستعداد النّفسي والمادي لتحمّل مسؤوليّة الأمومة أو الأبوّة.
وقد تكون المرأة متزوّجة، ومع ذلك تقوم بالإجهاض إذا وقع الحمل دون إرادة وتخطيط من الزّوجين ورغبتهما المشتركة، وقد يحصل أن تتخلّى الأمّ أو الزّوجين معا عن وليدهما لأسرة أخرى لها الرّغبة والاستعداد لتربيته وتحمّل مسؤوليّته، ولا يشكّل ذلك أدنى عقدة لكلا الطّرفين أو للطّفل في المستقبل، ولذلك أصبح شائعا هناك التّفريق بين الأبوين البيولوجيين والأبويين المحتضنين المربّيين، وهو ما أدّى إلى انتفاء مشكل النّسب البيولوجي الذي يشكّل عندنا عقدة العقد بالنّسبة إلى الأمّ العازبة وابنها في حاضره ومستقبله. فهل عندنا بيئة فكريّة وثقافيّة مماثلة تحتضن أطفال الأمّهات العازبات بكلّ التّقدير والاحترام والرّعاية اللّازمة، ودون تمييز أو إقصاء ؟ يجب العمل أوّلا على توليد هذه البيئة، قبل الدّعوة إلى تجريم الإجهاض وتحريمه، وهي الدّعوة التي تبقى قابلة للنّقاش في كلّ الأحوال، ودون ذلك، أي دون تلك البيئة، لن يكون منعه ومناهضته إلّا وسيلة لجعل الأمّ ووليدها يكابدان ألوانا من القهر والاضطهاد. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق