المرأة والفعل الثقافي (9) أية امرأة؟ أية ثقافة؟

قد تكون مشاركة رجل في ملف الأوان “المرأة والفعل الثقافي” محفوفة بالألغام، وخاصة من جهة اللواتي يحملن مسبقات وحماساً كفيلين بالنظر بتشكك إلى ما يطرحه الرجل، أو النظر إليه كتمثيل حتمي للتاريخ البطريركي. لكن الاعتبار السابق لا يردعني عن “مخاطر” المشاركة في الحوار، منطلقاً من أن تعزيز حضور المرأة هو مصلحة ذكورية أيضاً، ولعلي بهذا أخالف قسماً من الرجال لأسباب معروفة، وربما أخالف قسماً من النساء يستسهل فكرياً رؤية الرجل في “معسكر الأعداء”!

امرأة حرّة؛ أعتقد أن هذا ما ينبغي أن يكون عليه طموح الرجل، ليس على سبيل التحلي بنبل الأخلاق، بل لأن حرية الرجل تقتضي التخفف من إحساسه بالمسؤولية تجاه المرأة بعدّها فرداً قاصراً. امرأة فاعلة ثقافياً؛ هذا طموح آخر، لأنه يضيف غنى إلى حقل يمتاز بتطلبه لكل جديد ومغاير، وحسبنا أن الوجود الثقافي الفاعل للمرأة سيجنبنا التشجيع المجاني لبعض التجارب النسائية التي تأخذ مكانتها من الندرة لا من الإنجاز.

يحيلنا عنوان الملف إلى نوعين من الأسئلة؛ الأول كمّي يتقصّى تناسب حضور المرأة الثقافي مع وجودها الفيزيائي. الثاني، وهو الأهمّ في رأيي، نوعيّ يتقصّى الفعل الثقافي للمرأة في مغايرته، أو في تمثّله القيم البطريركية السائدة. لا شكّ في أن الجانب الكمّي تسهل الإجابة عليه، فحضور المرأة الثقافي ضئيل إذا قورن بحضور الرجل، كما أنه ضئيل جداً بالنسبة إلى نصف المجتمع. المشكلة الأكبر هي أن مشاركة المرأة في الفعل الثقافي لم تصبح من بديهيات الفعل الثقافي، وعطفاً على ذلك بدا حضورها هامشياً، أو كمالياً، في كثير من الأحيان، إذ لم تأخذ المساهمات النسائية نصيباً من الاهتمام يعادل مثيلتها لدى الرجال، ويجب ألا تغيّب الحفاوة البارزة، والمؤقتة غالباً، ببعض التجارب النسائية هذه الحقيقة. ثمة تسامح مضمر أو معلن مع المساهمة النسائية يؤدي دوراً مزدوجاً؛ فمن ناحية يوحي بالتشجيع وإعطاء الفرص، ويعلي أحياناً من شأن إنجازات متواضعة، ومن جهة أخرى يكرّس الانتقاص من تجربة المرأة، ما دامت تأخذ موقعها من نسبها الجنساني لا من فعاليتها الثقافية.

لقد أدّى التشجيع، الذي يضمر الازدراء، إلى تهميش تجارب نسائية لها أهميتها، فقلّما تُذكر أسماء نساء عندما يتم الحديث عن أجيال ثقافية سابقة، إلا إذا كان الحديث يتمحور حول مساهمة المرأة تحديداً. إن أبسط خدعة تمارسها الثقافة هي تحويل أية ظاهرة إلى موضة قابلة للاستهلاك، وقد حدث ذلك بتحويل بعض الكاتبات إلى نجمات سرعان ما تمّ استهلاكهن، في الوقت الذي ينبغي فيه ترسيخ حضور مستدام للكتابة النسائية، سواء من قِبَل الكاتبات أو المعنيين بالشأن الثقافي. ومن المؤسف أن قسماً من الكاتبات “الشابات” يؤدي الدور ذاته، وأعني تحديداً أولئك اللواتي يكتبن ضمن وهم الريادة، ويغفلن دور سابقاتهن، ما يضع إسهام المرأة في طور البداية دائماً. ولكي لا يكون الكلام السابق في الفراغ أسوق أمثلة على بعض هذه الكتابات؛ فمن المستغرب مثلاً أن تكتب إحداهنّ مؤخراً لتثبت أن المرأة تشتهي، وليست مُشتهاة فقط! وأعتقد أنها لو قرأت نوال السعداوي على الأقل لما اعتقدت أنها تضيف جديداً، خاصة عندما لا تقدّم صياغة مختلفة لبديهية يقرّ بها الجميع، فالمشكلة كانت دائماً في حجب هذا الحقّ لا في إنكاره. بعض الكاتبات، اللواتي أتاحت لهن الظروف الإقامة في بلدان غربية، يكتبن مقالات بغرض المقارنة بين وضع المرأة العربية ووضع مثيلتها في بلاد “الإفرنج”، في إعادة لمقارنات النهضويين في بداية القرن العشرين، وكأننا بفضل وسائل الاتصال لا نعرف هذه الفوارق التي تُكتب بعمومية ونمطية فات أوانها. أنوّه في هذا الصدد بما أسمته رجاء بن سلامة “نسوية حانقة”، فهذا النوع من الفعل النسوي، وهو يعلن انقطاعه عمّا قبله وما حوله، أقرب إلى الغضب “المشروع”.

كدلالة على التهميش تحضرني ظاهرة ثقافية هامة ذهبت ريادتها الحصرية إلى المرأة، وأعتقد أنها تستحق بحثاً منفصلاً، هي ظاهرة الصالونات الأدبية في النصف الأول من القرن الفائت، ففيما عدا الجرأة الاجتماعية التي امتازت بها الكاتبات آنذاك ثمة دور ثقافي هام أدّته أولئك الرائدات؛ فالصالون الأدبي كان يمثّل مؤسسة ثقافية في وقت لم تتبلور فيه المؤسسات الثقافية العامة، كما كان وسيلة اتصال وتواصل في زمن يتميز بقلة هذه الوسائل. ولعل الأهم من ذلك هو الدور، الخفي أو البارز، الذي لعبته أولئك النساء في تحفيز أقرانهنّ من الكتّاب وخلق بيئة من التنافس الثقافي، هذا طبعاً إذا لم نأخذ في الحسبان النتاج الثقافي لصاحبات الصالونات المذكورة. وإني لأتساءل: لماذا اختُزلت هذه الظاهرة إلى قصص الغرام بين كاتبة مّا وأحد روّاد صالونها؟ ألم يحدث هذا منذ القديم مع من قد تكون صاحبة أول صالون وهي الشاعرة ولادة بنت المستكفي؟ وماذا لو كانت الصالونات تخصّ كتّاباً ذكوراً؟ أما كانت ستأخذ حيزاً من الاهتمام والدراسة يفوق كثيراً ما أخذته حتى الآن؟

التفاؤل يدفعنا إلى اعتبار الحضور الثقافي المتزايد للمرأة مؤخراً بشارةً، وإيذاناً بفعل نوعيّ مغاير، على ألا يكون هذا الحضور تكريساً لأنماط ثقافية مسبقة، وقد شهدنا فعلاً تجارب نسائية تنضمّ إلى مثيلاتها عند الذكور في إعادة إنتاج السائد. أكتفي في هذا الصدد بالإشارة إلى تجربة الروائية أحلام مستغانمي بسبب من شهرتها، وآخذ مثالاً روايتها “ذاكرة الجسد”، ففي ذاكرة الجسد تنزلق الروائية إلى ترميز المرأة، وتماهي بينها وبين الوطن “الجزائر” في استرجاع لثقافة الشرف، بالإضافة طبعاً إلى الانغماس في الإيديولوجيا والقضايا الكبرى ضمن وجهة النظر السائدة. ومن المعلوم أن ثقافة الشرف، بشكلها المحدث، تجرّد المرأة موحية بتحويلها إلى قيمة “سامية” في الوقت الذي تعزز فيه من الرغبة في امتلاكها. في الواقع ليست تجربة مستغانمي الأولى أو الأخيرة في سياق الكتابة التي تعزز المُثل البطريركية، من حيث النظر إلى المرأة كقيمة دنيا ما لم يتم إلحاقها بقيمة عظمى متفق عليها، وكأن القيمة الإنسانية بمفردها لا تكفي لتجعل من المرأة نموذجاً جمالياً، وقد نلتمس بعض العذر لهذه الكتابات في أن الثقافة العربية حتى الآن لا تقيم وزناً للفرد، فكيف إن كان هذا الفرد امرأة؟

ثمة نقلة متوخاة، من مشاركة المرأة في الفعل الثقافي، تتمثل بزحزحة الهيمنة المطلقة للأنماط الذكورية، ولكي نكون منصفين فهذه المهمة لا تقع على عاتق المرأة بمفردها، إذ ثمة حاجة ملحّة للتخلص من أنماط ثبت فواتها بالمعنى التاريخي، وباتت معيقة للرجل كما للمرأة. ومن المؤسف أن ثقافتنا ما تزال في حالة من الاعتباطية يصعب معها الحديث عن جدل تراكمي مستمر، وليس من باب المصادفة أننا نفتقد الفكر النقدي الكفيل بمسايرة التجارب الثقافية ومساءلتها. ولعل “المفاجأة السارة” هنا تتجلى في المساهمة النقدية الفعّالة للمرأة في حقول نقدية متعددة، مع التنويه بأن هذه المساهمة لا تأخذ مكانتها من نسويتها، بل من قدرتها على اختراق النص السائد وخلخلته؛ أشير على سبيل المثال لا الحصر إلى تجارب يمنى العيد وخالدة سعيد ومي غصوب ورجاء بن سلامة وحورية عبد الواحد…

بالطبع تصعب الإحاطة بالفعل الثقافي للمرأة، إذا أخذنا الفعل الثقافي بعموميته، فهناك المهن الفنية، وبعضها لا يستقيم من دون مشاركة النساء، وقد يكون الحقل الفني المجالَ الأرحب لتقصي ما يصيب المرأة من تنميط، ومع ذلك لا نعدم تجارب استثنائية فرضت إيقاعها على ما حولها؛ نستذكر مثلاً تجربة السيدة فيروز التي شكّلت قاطرة للتجربة الرحبانية ولموجة جديدة في الغناء العربي.

في المجتمعات العربية لا يزال الدور الأبرز للمرأة يتمحور في الأسرة، ولا يجوز إغفال هذا الدور لأن حضور المرأة في البيت يفوق كثيراً حضور الرجل، وبالطبع من المتوقع أن غالبية النساء يتمثلن القيم التقليدية للمؤسسة الأسرية ويعدن إنتاجها. إن “ربة المنزل”، التي يُنظر إليها على أنها خارج الإنتاج والفعل، تلعب دوراً محورياً في التنشئة الأولى، وقد يكون أحد التحديات التي تواجه المرأة المثقفة في قدرتها على استثمار ثقافتها في الحقل الاجتماعي، ما دامت الظروف تضعها في موقع الصانع الرئيسي للمستقبل.

{{تقرؤون في هذا الملف:}}

{رجاء بن سلامة: كلمة الأوان: المرأة من وجهة نظر الجندر

سمير بوعزيز: كلمة الأوان: دعوة لفتح ملف لم يغلق

مها حسن: المرأة و الجندر، ردا على رجاء بن سلامة

عفاف مطيراوي: المرأة و اليومي، تعقيبا على مها حسن و رجاء بن سلامة

فاديا سعد: محاولة في فهم الإناء و ما ينضح به

روزا ياسين: استعمال أدوات الآخرين، في سلطة المداورة

محمد يوسف: المرأة والاضطهاد المركب

هاشم صالح: مثلي الأعلى كان إمرأة

حميد زناز: ابداع المرأة المحتلة، مقاومة الاستعمار الفقهي

لطفية الدليمي: ما للنساء وللكتابة والعمالة والخطابة، هذا لنا و لهن منا أن يبتن على جنابة}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق