المرأة و الفعل الثقافي (5) المرأة والاضطهاد المركّب

    باشتغالنا على جدل العلاقة بين الوجود الاجتماعي وبين الوعي الاجتماعي(الواقع والتصورات)،  نضع يدنا (أولا ًوواقعيا ) على الدور الحيوي الإستراتيجي، الذي تلعبه المرأة في عملية إنتاج الحياة واستمراريتها عبر مستويين:


1. نشوء الحياة وانطلاقها: كونها طرفا ً أساسا ًفي عملية الإنتاج التناسلي، الذي يشترك فيها المرأة والرجل لتجديد الجنس البشري وتكاثره.

2. ديمومة الحياة واستمراريتها:كون المرأة جزءًا أساسا ًمن قوة العمل في عملية الإنتاج المادي: إنتاج الخيرات المادية، في المأكل والملبس والمشرب والمأوى ومختلف مقومات الحياة البشرية.
 ومن هنا يتأكد للمرأة ضرورة وجود دورها الموضوعي التاريخي، غير القابل للنكران، (والإجباري كشرط حياة وحركة للمجتمع)، ليتأسس عليه مشروعية البحث عن هذا الدور، ثانيا َ على صعيد الوعي الاجتماعي، وحركة الفكر ونواظمه، وهنا يسجل الوعي والفكر مرحلتين تاريخيتين:


1. مرحلة المشاعة
2. عصر الأمومة، (ماقبل الانقسامات الاجتماعية الطبقية):حيث تبوأت المرأة موقعها الريادي في مفاصل إنتاج الحياة(منطلقاً، وسيرورة ً واستمرارية ً)، فانجذب المجتمع برمته إلى بؤرة هذا الدو، بدءا ًمن كونها أما ً تلد أطفالها، (على تعدد آبائهم) وتشملهم بعطفها ورعايتها وتربيهم وتعلمهم، وتقدم لهم الرعاية الصحية، وما تستطيعه من شتى أشكال الضمان الاجتماعي، فتقوى أواصر المجتمع وتشتد لحمته، فيتحقق اندماجه ووحدة قضيته في الصراع الأساس والأبرز مع الظاهرة الطبيعية، وسطوة شرطها الجائر، ليصبح مجتمع المشاعة/ الأمومة (القطيع البشري) عندئذ ٍالملاذ الجماعي الآمن.
لقد انعكست أهمية دور المرأة في مجتمع المشاعة/ الأمومة على صعيد الوعي الاجتماعي، فتكرست موضوعا للأساطير ومختلف الأجناس الأدبية، والأعمال الفنية التي أشادت بها ومجدتها وسمت بها إلى مستوى الأيقونة/الرمز.

 

3. مرحلة الانقسامات الاجتماعية الطبقية: ما إن ارتسمت معالم الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والثروة على سطح الظاهرة الاجتماعية، من خلال ارتكاز الذكر الفرد على تفوق قوته العضلية والجسدية، ومن خلال إنتاجه لتمايز طبقي خاص أكد فيه موقعه السلطوي المتراكب، من حيث هو سيد فرد في مؤسسة الأسرة، تخضع له (امرأته الخاصة وأولاده بطبيعة الحال)، وسيد اعتباري في مؤسسات المجتمع، يخضع له الرجال والنساء معا ًفي الموقع الطبقي المسود. لذلك فالمرأة والحالة هذه فقدت حريتها مطلقا ، وحظرها النظام الاجتماعي، وذكوره أينما كانوا، وأوهن فيها ذاتها وأبقى قناعاتها داخل جغرافيا الحظر والإكراه التاريخي، فحبست داخلها أولا، ثم صيغ مصيرها في منظومة وعي اجتماعي يجمع بين معطياته الإيديولوجية، والعقائدية، والسياسية، والدينية والأعراف والتقاليد رابطة نسب معرفي تتأسس على وحدة مصالح الذكرين (الذكر الفرد والذكر الاجتماعي) في الثروة والنفوذ والاستئثار التاريخي بقرار السلوك البشري،في المؤسستين المركزيتين للإنتاج الاجتماعي، (الأسرة، ومرافق المجتمع وإطاراته الأخرى)، وبدأ العد التاريخي بعد ذلك لفترة سجن المرأة (لكنه ليس عدا ً عكسيا ً) ،وبدأ النيل من جسدها بتسليعه والانتقاص من مكوناته  ومن قدراتها العقلية وقواها النفسية، ومن شرفها وتم إلحاقها بالذكرين إياهما تتسول الإشفاق كقاصر وناقصة أهلية، وإقصاؤها خلف الأستار والحجب المادية والمعنوية، القماشية والشرعية والتشريعية والقانونية، لتصبح الخط المستقيم الواصل بين بيتها وقبرها، وهكذا وصل التاريخ  البشري إلينا بلا خجل، وبمجتمعات مسلوبة الإرادة(ذكورا ًوإناثا) يتعقبهم الطغيان في كل مكان، في سكوتهم عن قضاياهم وفي رفعها على رؤوس الأشهاد،وهنا تصبح قضية المرأة قضية تحرر مجتمع يزول فيه الذكران معا ًوالذكورة من باب أولى.

 لكن إذا كانت المرأة، ورغم كل ما لحق بها تاريخيا ً من الحيف والغبن والجور والظلم ، استطاعت أن تستعيد زمام المبادرة وتظهر على المسرح التاريخي وفي مواقع وأدوار ومهام ومجالات مختلفة يصعب حصرها، فإنها (إذا استثنينا نضالاتها النسوية)، لم تستطع أن تسجل فاعليتها التاريخية لحساب جنسها(كامرأة) وتخرج من أسرها المجتمعي، واستطاع الذكر أن يسلبها غنائمها التاريخية، وانتصاراتها ويسجلها لحسابه، سواء من موقع الزوج أومن موقع المؤسسة السلطوية في أبشع استفراد وابتزاز.

 

فالمرأة لم تغب عن مسرح التاريخ لحظة واحدة، ولن تغيب، فالغائب (عددا ً وعدة ) هو نصاب حضورها الفاعل الحر، رغم أنها نصف المجتمع أو يزيد،ويبدو أن العدد القليل والنوعي في اغلب الأحيان للمرأة الحاضرة في مواقع الإنتاج الاجتماعي لاسيما الثقافي، هو ما يتسرب من صدوع  أسرها الغادر.

وأعتقد، تعقيباً على استغراب الدكتورة رجاء بن سلامة لضعف المشاركات النسائية في الأوان كموقع يدافع عن المساواة بين الجنسين، وعن القيم الثقافية العقلانية والعلمانية، قياساً بالفضاءات الأخرى،أن ما يجب أن نبحث عنه من أسباب لضعف المشاركات النسائية في أي فضاء، رغم تسهيلاته المادية والمعنوية، وعلى خلفية المقاربة التاريخية الواردة أعلاه،هو ثلاثة أسباب:
• السلطة بنفوذها وذكوريتها وطغيانها المادي والمعنوي
• ذكورة الفرد بفرصه المتاحة وخبراته وطغيانه المعنوي الذي يجب ويحجب ما عداه.
• سجن المرأة لذاتها داخل ضعفها وخوفها واستمرائها لحالها، وعدم ثقتها بنفسها، وربما بغيرها.
 فظهور أي سبب من هذه وفي أي مكان، يجعل أي مساواة معلنة بين الجنسين، لغوا ً دستوريا ًمفضوحا ًبمرتكزات التسلط وبياناته العملية ونماذجه المختلفة ذات الجوهر الواحد(الطغيان).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق