المرتكز القانوني للثورة الخضراء في إيران / شبلي ملاط

أهم الثوابت في الثورة الإيرانية الثانية – الثورة الخضراء – أسسٌ ديموقراطية حافظة لحقوق الإنسان، وهي ثلاثة في معالجة التطورات على الساحة الإيرانية:
1- مصرع المواطنين
في تظاهرات سلمية

في أقلّ من عشرة أيام ارتفع عدد ضحايا المظاهرات الى ما بين العشرين والأربعين. المسؤولية للمحافظة على النظام في الشارع هي مسؤولية الحكومة التي يتصدّرها رئيس الجمهورية تحت إشراف القائد، أو المرشد – رهبر بالفارسية.
يمثل مصرع الناس بمثل هذا العدد إخفاقاً بيناً للنظام، وقد كرّس الدستور الإيراني على غرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومشتقاته الميثاقية حريّة التظاهر السلمي، ونصّت المادة 27 فيه على “أن التجمعات العامة والتظاهرات حرّة طالما أنها خالية من السلاح وأنها لا تتعرض لمبادىء الإسلام الأساسية.”
من الصعب التشكيك في الطابع “الإسلامي” للثورة القائمة مع استمرار الإحتجاجات باسم الإسلام على سطوح طهران، كما أنه ليس من دليل مقنع لوقوع ضحايا من بين القوات الأمنية، لا سيما أن التظاهرات ارتكزت منذ البداية على اللاعنف، ورأينا الأعداد الكثيفة من أنصار المرشح مير حسين موسوي يمشون بصمت، فيما يحاول الموسوي نفسه تمثيل عمله بأثِرة المهاتما غاندي.
أما وإذا فشلت الحكومة في توفير تحقيقٍ وافٍ عن مقتل المواطنين العزّل في التظاهرات السلمية، على مجلس النواب أن يباشر مثل هذا التحقيق بحسب المادة 90 من الدستور. وإذا امتنع المسؤولون في السلطتين التشريعية والتنفيذية عن أداء واجبهم تجاه أهالي الضحايا فلا بدّ للمؤسسات الدولية أن تقوم بالتحقيق في نمط القتل والقمع في الأسبوعين المنصرمين، على الأقل بتعيين مقرر خاص للأمم المتحدة لهذا الغرض.

2- الإنتخابات والتحكيم
في نتائجها

عندما ينطلق الناس بأعداد غفيرة، بدعوة من مرشَّحَين رئاسيين بارزين، احتجاجاً على نتائج الإنتخابات، فإن قلقهم على أداء الحكومة في احترام أصواتهم يتطلب معالجة جدّية : على الشعب الإيراني أن يعرف حقيقة ما حصل.
لا تزال الحجج غير قاطعة من الطرفين، والطرحان قائمان على نقيضٍ تام. لقد طلب “الرهبر” من مجلس الأمناء (شوارى نگهبان، ويعرف أيضاً بمجلس صيانة الدستور) أن ينظر في صحة الإنتخابات كما هو مخوّل بذلك بحسب المادة 99 من الدستور، لكنه استبق نتيجة التقصي في خطبة الجمعة بالشك في أن فارقاً من 11 مليون صوتاً قد يكون عرضةً للإلغاء. وبالفعل فإن القائد والمرشحين الرئاسيين شكّوا في نتيجة مغايرة من قبل مجلس الأمناء للنتيجة المعلنة: السيد الخامنئي لأن أغلبية المرشح المعلن فوزه كانت ساحقة، والمرشحان الموسوي والكرّوبي بسبب عدم ثقتهم بحيادة مجلس الأمناء أصلاً؛ فكان أن ثبّت مجلس الأمناء صحّة الموقفين على السواء.
وكانت مؤسسة أميركية قد نظمت استطلاعات للرأي في الأسابيع السابقة للإنتخابات، أظهرت أن محمود أحمدي نجاد متفوق بشكل ملحوظ على مير حسين موسوي، في حين استغرب ناقدو هذه الإستطلاعات صحّتها نظراً للنتائج الغريبة في يوم الإنتخاب. فعلى أساس النتائج الرسمية أظهر الدكتور علي أنصاري من جامعة سانت ادروز في بريطانيا، مثلاً، صعوبة القبول بأن كروبي حصل على 5 بالمائة من الأصوات في منطقته لورستان، وكان قد فاز بأكثر من 50 بالمائة من الأصوات فيها عام 2005. وقد يكون الخلل أعمق. ففي عام 2005 شككت الباحثة لارند بوروماند – وهي ناشطة معروفة في العمل الديموقراطي – في صحة فوز أحمدي نجاد يومها، ذاكرة أحد أفضل الباحثين في الشأن الإيراني، الأستاذ بيل سامعي: “بحسب النتائج الرسمية، حصل أحمدي نجاد على 5،7 مليون صوت في الدورة الأولى، و17،2 مليون صوت في الدورة الثانية. كيف ازداد العدد الى 11،5 مليون صوت في أسبوع واحد؟ وحتى لو كانت المشاركة هي ذاتها في الدورتين، ونال جميع الأصوات التي حصل عليها المرشحان المحافظان الآخران (علي لاريجاني ومحمد باقر قلى باف) فإنه في مثل هذه الحال يكون قد حصل ققط على 5،8 مليون صوت إضافي. لكن المشاركة، بحسب أرقام النظام، كانت في الدورة الثانية أقل منها في الدورة الأولى، فكيف يحصل أحمدي نجاد على ثلاثة أضعاف عدد الأصوات مقارنة بالدورة الأولى؟”
أما في سنة 2009، فإن أكثر الأمور خطورةً كانت التحذيرات التي جاءت من داخل المؤسسة الرسمية عن تزوير منظّم، بما فيها كتاب من مسؤولين في وزارة الداخلية تمّ تسريبه ونشره قبل ستة أيام من الإنتخابات، أقلق الموسوي وكروبي الى درجة أن مديري حملتيهما أرسلا نصّ الكتاب الى أحمد جنتي، رئيس مجلس الأمناء.
ومن المقاطع المهمة في هذا الكتاب النص التالي: “أحد الأشخاص في الحوزة، وهو المسؤول عن معهد التعليم في قم… أعطى تفسيراً في اجتماع سري (محرمان بالفارسية) للآية 249 من سورة البقرة يسمح بتغيير التصويت لمصلحة مرشح الأقلية وقال : “في حال كان رئيس جمهورية يحدث تغييراً في القيم الإسلامية التي تنتشر اليوم في لبنان وفلسطين وفنزويلا وفي مناطق أخرى من العالم، فلا يكون التصويت لصالحه جائزاً بل هو حرام؛ لا يجوز أن نعطي أصواتنا لمثل هذا الشخص، وعلينا أن نكون واضحين مع الناس أنه لا يجوز أن يصوتوا له، هذا كل ما في الأمر (لا غير بالأصل الفارسي). وبالنسبة للمسؤولين عن الإنتخابات، فهذا أمر واجب”.
أما الآية القرآنية المذكورة فتعود الى معركة بين فئتين من اليهود كانت الأقلية العددية فيها بقيادة الملك داوود انتصرت عسكرياً على الأغلبية بفضل الله. والآية تشمل عبارة “كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً”، وهي عبارة رائجة في القرآن، إلا أن استعمالها بغير سياقها القتالي لتبرير التزوير الإنتخابي مثير لتساؤلات مهددة ثوابت الحياة العامة، لا سيما أن هذا اللقاء السري والتفسير الغريب للآية مرتبط بالسيد محمد تقي مصباح يزدي، وهو معروف بمساندته لمحمود أحمدي نجاد المتأثر بتعاليمه منذ كان طالباً جامعياً.

3- النظام الدستوري الإيراني

يثير اللغط الذي يرافق الإنتخابات الرئاسية العاشرة في ايران تساؤلات أعمق حول المؤسسات الخاصة بالدستور الإيراني. ففي جمهورية تعتبر أن اختيار القيادة هو مسؤولية الشعب، يخفق الدستور الإيراني في مجالين أساسيين:
المجال الأول يتعلق بمجلس الأمناء، الذي يحظر على عدد كبير من المواطنين الإيرانيين حقهم في الترشح للرئاسة (110.9). وفي الإنتخابات الراهنة، تقدم أكثر من 450 شخصاً الى المنصب، لكن المجلس رفضهم جميعاً باستثناء أربعة مرشحين. هذا غير مقبول في أي نظام ديموقراطي ولا بد من تصحيح هذا التدبير المجحف في الدستور.
كما أن دور “الرهبر” يحتاج الى إعادة نظر. فالسيد الخامنئي لم يكتف بتوجيه مجلس الأمناء الى القبول بالإنتخابات قبل أن يقوم المجلس بتحقيقاته، بل أعلن جهاراً في خطبته أنه يفضل محمود أحمدي نجاد “لأن رؤية الرئيس أقرب الى رؤيتي”.
ويعبر النقص في حياد “الرهبر” عن خلل أعمق في النظام القانوني الإيراني: فسلطة “الرهبر” في الدستور تخالف النظام المعهود في المجتمع الشيعي لاختيار مرجعه. في التراث الشيعي لا يبرز المرجع الأعلى إلا بعد مسار طويل يعبر الناس في غالبيتهم الساحقة عن تقليدهم المتصل له، كما أن زملاءه في المرجعية يعترفون أيضاً بتفوّقه العلمي في الفقه. أما التألق الفقهي للسيد الخامنئي، فهو موطن شك مزمن، عبّر عنه آية الله الخميني في بيان شهير في السادس من كانون الثاني 1989.
البون شاسع بين السبل التي يختار المجتمع الشيعي قائدَهُ الديني والطريقة المتبعة في الدستور الإيراني. طالما كان الإمام الخميني على قيد الحياة، كان البون مستوراً بتفوّقه السياسي والديني في إيران، إلا أن الصراع حول خلافته أبرز خللاً يتطلب تعديل الدستور الإيراني ليتماشى مع المعايير الديموقراطية المعتمدة في العالم، وربّما العودة الى المجلس القيادي (مجلسِ رهبرى) الذي كان موجوداً في الدستور قبل إزالته عام 1989. بل قد يتطلب التغيير احترام النزعة الديموقراطية التي أرادها لمشروع الدستور أهمُّ منظِّر له، المرحوم السيد محمد باقر الصدر، لما كان يتحدث عن ضرورة الإلتزام “بالسبل الطبيعية المتّبعة تاريخياً” لاختيار القائد. هذا يحتاج الى إعادة النظر في المؤسسة التي نظمها الدستور المعدل عام 1989 لحماية القيادة الدينية من ضغط السياسة اليومي، أسوةً بالطرق المتبعة في الدستور العراقي لحماية السلطة الكبيرة التي يتمتع بها السيد السيستاني والمرجعية الدينية في النجف.
وحدهم الإيرانيون من يحق لهم إصلاح نظامهم أو تغييره. لكنهم يستحقون دعم المدافعين عن حقوق الإنسان وعن الديموقراطية في المنطقة والعالم في ثلاثة مواقف لا بدّ من احترامها عالمياً: تحقيق وافٍ في مصرع المواطنين الإيرانيين العزّل؛ تصحيح المسار الإنتخابي على أساس توضيح ما حصل في الإنتخابات الرئاسية العاشرة بشفافية مطلقة؛ وإعادة النظر في خلل النظام الدستوري في مؤسستين قاصرتين ديموقراطياً: مجلس الأمناء والرهبر.

(استاذ القانون حاليا في جامعة “يوتاه” في الولايات المتحدة الاميركية وله في الدستور الإيراني بحوث مطوّلة نشرت في كتابيه تجديد الفقه الإسلامي: محمد باقر الصدر بين النجف وشيعة العالم (كامبردج 1993، ط. عربية عام 1998) ومدخل الى القانون في الشرق الأوسط (أكسفورد، 2009). ارسل هذا النص لـ “قضايا النهار”.)

عن جريدة النهار 1/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق