المرض بالغرب التحليل النفسي لعصاب جماعي- جورج طرابيشي

كلمة الغلاف

في هذا الكتاب، وقد يكون هو الأول في منهجيته بالعربية، يمدِّد جورج طرابيشي على سرير التحليل النفسي الخطاب العربي المعاصر المريض بعقدة التفوق الغربي التي لا تني تتفاقم طرداً مع انكشاف العجز العربي عن ردم هوة الفوات الحضاري، وطرداً مع تراكب الصدمة النابليونية لعام 1798 مع رضّة هزيمة 1967 التي كان لها مفعول مُمْرِض على الشخصية العربية أخذ شكل «عُصاب جماعي».

ومن خلال تحليل نقدي لموقف العشرات من المثقفين العرب في تعاطيهم مع إشكالية الأصالة والحداثة واحتمائهم بمظلة تراث الماضي في مواجهة حاضر جارح، يكشف طرابيشي عن مظاهر النكوص في الخطاب العربي المعاصر بوصفه، في المقام الأول، خطاب ارتداد عن مقولات عصر النهضة، واستقالة من الفعل التاريخي، وازدواجية في الرؤية، وطلب للحلول السحرية، وممارسة لاشعورية لآلية الترميز الجنسي، وإحياء للمخطط الطفلي في التعامل مع العالم، والتفكير بوساطة الرغائب لا الوقائع، وبمنطق الألفاظ لا الأشياء، وصدور عن موقف نفسي لا عن موقف معرفي، وسيطرة على عالم الخطاب بدلاً من السيطرة على عالم الواقع.

وفي الوقت الذي يتقيد هذا الكتاب بمنهجية علمية صارمة بالاستناد إلى حفريات التحليل النفسي، فإنه يريد نفسه متورطاً في المعركة من أجل تجديد الانتماء إلى النهضة في أيام الردة هذه التي تأخذ، أكثر فأكثر، شكل جائحة إيديولوجية ووباء نفسي، وتصميم على القطيعة مع الحضارة، والانحباس في علاقة فصامية مع العصر بذريعة التأصيل ومقاومة التغريب.

من المقدمة

تصدير للطبعة الجديدة

هذا الكتاب هو في الأصل أطروحة دكتوراه كان يفترض بي أن أقدمها إلى جامعة السوربون/ باريس الثالثة لولا أنني امتنعت، في اللحظة الأخيرة، عن تقديمها.

أولاًَ لأنه كان يفترض بي أن أعيد كتابتها بالفرنسية، مما كان سيستغرق مني سنتين أو ثلاثاً من العمل الإضافي، وبالتالي من تأجيل النشر. وثانياً لأن تقديمها على شكل أطروحة دكتوراه كان يقتضي التخفيف من لهجتها النقدية الجذرية، وهو ما كان يتعارض مع غائيتها بالذات من حيث أني أردتها، بمنتهى الحرارة، التزاماً بمنطق النهضة في مواجهة منطق الردة الذي طغى في الساحة الثقافية العربية.

ولكن نظراً إلى طابعها الأطروحي فقد جاءت مادتها ضخمة أكثر مما ينبغي على ما يبدو. وهذا ما شكى منه قراء الطبعة الأولى الصادرة في لندن عام 1991، كما لاحظت من تعليقات النقاد والأصدقاء ممن قرأوها. ولهذا عمدت، وأنا أعدّ لهذه الطبعة الجديدة، إلى تقسيمها إلى جزئين: جزء أول هو هذا الذي بين يدي القارئ، وهو يتناول بالتشريح النقدي الخطاب العربي المعاصر كما تمارسه شريحة واسعة من الأنتلجنسيا العربية، ويمدده على سرير التحليل النفسي ليكشف فيه عن مكامن النكوص والانقلاب من منطق النهضة إلى منطق الردة، والتحول عن إرادة الدخول في العصر إلى إرادة الخروج من العصر. أما الجزء الثاني فسيتناول حالة فردية من هذا «العصاب الجماعي» كما تتمثل في كتابات المفكر المصري حسن حنفي التي تقدم نموذجاً مدهشاً عن ازدواجية العقل العربي في تأرجحه بين قطبي التراث والحداثة، وفي تخبطه الفصامي بين إستراتيجيتين ثقافيتين: نقد الذات وتعظيم الذات.

يبقى أن نشير إلى أن العنوان الأصلي لهذا الكتاب كان «المرض بالغرب: التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي». ولكن ناشر الطبعة الأولى ارتأى أن يكون العنوان أقل «جارحية»، فاتفقنا على إبداله ﺒ«المثقفون العرب والتراث». والحال أن العنوان الأول يكتسب اليوم راهنية جديدة. فمن ظاهرة ثقافية تحول «المرض بالغرب» إلى ظاهرة سياسية تجد تعبيرها الأكثر تمييزاً في العمليات الإرهابية التي باتت تستهدف ـ منذ هجمات 11/9 ـ الغرب بما هو كذلك، لا سياسةً فحسب، بل أيضاً وأساساً حضارةً. والحال أيضاً أن ثقافة كراهية الآخر، وكراهية حضارة الآخر ـ وهنا الغرب ـ هي التي تشكل اليوم، مهما تعددت وتنوعت المحفزات الخارجية، الينبوع الداخلي الأول للإرهاب، ولاسيما أن ثقافة الكراهية تلك، التي تخصصت في إنتاجها الشريحة المشار إليها من الأنتلجنسيا العربية، قد حظيت خلال العقود المنصرمة، وبفضل المنّ النفطي، بتمويل مادي هائل أتاح لها أن تتحول إلى ثقافة سائدة.

باريس 2005

مقدمة

ليست المقدمات بمستحبة دوماً. فشأن المقدمة أحيانا شأن من يريد أن يلخص لك قصة بوليسية، فيبدأ أول ما يبدأ بإخبارك من هو القاتل.

وإذا كانت المقدمة تفترض تلخيصا مكثفا للفكرة المركزية التي سيجري تطويرها على امتداد فصول الكتاب، فإنه قد يكون من المشروع التساؤل: كيف يمكن أن يلخص في سطور قليلة كل ما استأدته الشهور، بل السنون المديدة، من جهود في الحدس بواقع الأشياء، وفي الربط فيما بينها، وفي جمع المشاهدات والشواهد، وفي إخضاعها جميعا للتحليل وإعادة التركيب، وفي استنطاق دلالاتها الظاهرة والباطنة، الواقعية والرمزية، وفي إعادة نسجها على نول رؤية واحدة وخط منهجي واحد؟

ومع ذلك لا بد، كما في كل مقدمة، من وقفتين: واحدة عند المنهج، وأخرى عند الموضوع.

وأما المنهج ـ وهو هنا التحليل النفسي ـ فقد كنا داورناه بقدر أو بآخر من اليسر في دراساتنا عن الرواية العربية. وقد كانت المهمة سهلة، والخصوبة مضمونة نسبياً. فالرواية العربية كانت ولا تزال، في تيارها الأعرض، رواية سيرة ذاتية. والحال أن التحليل النفسي، الذي رأى النور مع التحليل الذاتي الذي أخضع فرويد نفسه له، كان ولا يزال بامتياز منهجاً لكتابة السيرة الذاتية أو لإعادة قراءتها.

ولكن الصعوبة التي واجهتنا، في محاولتنا تمديد الخطاب العربي المعاصر على سرير التحليل النفسي، هي البنية «الموضوعية» لهذا الخطاب، المستقلة ظاهرياً عن ذاتية منتجيه، فضلاً عن أن فاعل الفعل في عملية إنتاج هذا الخطاب هو واو الجماعة، وليس ضمير الأنا المتكلم. ولا يتسع لنا، في إطار هذه المقدمة، أن نفيض في الكلام عن الكيفية التي أمكن لنا بها أن نتغلب ـ على ما نعتقد ـ على هذه الصعوبة. ولكن حسبنا الإشارة إلى أن الرضات الكبرى في تاريخ الجماعات والشعوب ـ ومنها على سبيل المثال رضة حزيران-يونيو 1967 ـ من شأنها أن تولِّد سلاسل متناظرة من ردود الأفعال المتطابقة أو المتماثلة بحيث تبدو الجماعة وكأنها تسلك سلوك الفرد الواحد، وبحيث يمكن اتخاذها موضوعاً لعلوم الذاتية البشرية، ومنها التحليل النفسي الذي ما منعه انتماؤه المجهور به إلى علم النفس الفردي من أن يطور فروعاً وشُعَباً في مضمار علم النفس الجمعي.

وما نحرص على التنويه به هنا من الناحية المنهجية هو أن التزامنا بدليل عمل فرويديِّ النسب لا يمنعنا من البقاء منفتحين على التأويل اليونغي، أو على التأويل الذي طوَّره جيرار ماندل، على سبيل المثال، وغيره من رواد المدرسة ما بعد الفرويدية. فالتحليل النفسي لم يكن في يوم من الأيام مذهباً، وهو ما ألّف قط جسماً نظرياً مكتمل النمو؛ فهو قيد تخلُّق مستمر؛ وما من محلل نفسي جدير بهذا الاسم إلا وكان له ـ مهما يكن من أورثوذكسيته ـ إسهامه الخاص، بل لغته الخاصة ورؤيته الخاصة في الممارسة والتنظير.

ولأن المنهج التحليلي النفسي ليس مجموعة جاهزة من القواعد، فإن الكلام عن «تطبيقه» يبدو في غير محله. فأي «تطبيق» لمنهج التحليل النفسي هو إعادة اختراع، وبالتالي تطوير له وإخصاب. وكل تطبيق يكتفي بأن يكون «تطبيقاً» يحكم على نفسه سلفاً بالعقم، أي بالوصول إلى نتائج معروفة مقدماً. فالتحليل النفسي عملية بناءٍ مستمرة. وقد لا يتعدى حظ البنّاء الواحد لبنة واحدة. وقد يفلح من هو معماري حقاً من البنّائين في تشييد طابق أو أكثر، هذا إن لم يستقلّ لنفسه بعمارة على حدة. ولكن «التطبيق» المحض، بدون حد أدنى من الابتكار والإضافة، هو بحكم المستحيل. إذ أن التحليل النفسي، مهما ادعى لنفسه من قوام العلم الموضوعي، هو أيضاً فن ذاتي. وخصوبته، كمنهج، مرهونة بهذا الشق المرتبط منه بشخص «مطبِّق» المنهج وبرؤيته ومعرفته وامتلاكه لأدواته وعمق حدوسه ورحابتها.

ولأن التحليل النفسي ليس منظومة جاهزة من القواعد، بل هو ـ كمنهج ـ برسم إعادة الاختراع دوماً، فإن القارئ لنا لن يقع في كتابنا هذا على أي عرض نظري. صحيح أننا قد نضطر بين الحين والآخر إلى شرح مبدأ بعينه أو نظرية بعينها من المبادئ والنظريات المتراكمة في ورشة العمل الدائمة التي هي المنهجية التحليلية النفسية، ولكن أكثر ما سنتحاشاه هو ذلك النهج الأكاديمي التقليدي الذي عودنا عليه في الآونة الأخيرة الباحثون «التطبيقيون» الذين تنقسم بحوثهم أو أطروحاتهم الجامعية لا محالة إلى قسمين: قسم قاموسي يتضمن عرضاً نظرياً سكونياً لجملة من المبادئ والمسلمات المعلقة في سماء التجريد، ثم قسم إجرائي تُلبس فيه تلك المجرّدات النظرية ما يناسبها من كسوة، مفصَّلة في الغالب سلفاً.

ولكن غياب العرض المستقل لمبادئ التحليل النفسي كجسم نظري قائم في ذاته في كتابنا هذا لا يمنع بطبيعة الحال من حضور المنهج على نحو منجدل وملتحم، وقابل بالتالي للاستقراء، في جميع المقدمات والنتائج ـ والجسور الواصلة بينها ـ التي ننطلق منها أو ننتهي إليها في هذه الجلسة التحليلية النفسية المطوَّلة مع الخطاب العربي المعاصر. وهذا الحضور في ظل الغياب لن يتيح لنا أن نكون أكثر جدليَّة في حركة ذهابنا وإيابنا النقدية داخل الخطاب العربي المعاصر فحسب، بل سيعفينا أيضاً ـ إلا فيما ندر ـ من تحميل القارئ مشقة هضم الشروح القاموسية لمصطلحات التحليل النفسي. وصحيح أنه ستكون لنا، حيثما دعت الضرورة المنهجية، لغتنا الاصطلاحية الخاصة، إلا أن هذه اللغة ستظل مفهومة من القارئ المتأني مهما كانت ضئيلةً، أو حتى معدومة، حصيلتُه من المعرفة المسبقة بمبادئ التحليل النفسي ومذاهبه.

وإذا جئنا بعد ذلك إلى موضوع كتابنا ـ وهو في الوقت نفسه الموضوع المطابق على ما نفترض لمنهجنا ـ فإننا نجد أنفسنا ملزمين، في إطار هذه المقدمة، بتقديم بعض التحديدات أو الإيضاحات حول العنوان بالذات: «عُصاب جماعي عربي». فإن يكن العصاب هو بالتعريف كل خلل أو اضطراب من طبيعة مَرَضية يصيب الشخصية أو قطاعاً منها نتيجة لتمحورها حول عقدة نفسية، فإن العقدة التي ينتظم من حولها «العصاب الجماعي العربي» هي، كما سيأتي البيان، عقدة التثبيت على الماضي في مواجهة حاضر جارح. وعلى اعتبار أن هذه العقدة من طبيعة نكوصية، فقد كان لا بد لنا من تحديد اللحظة التاريخية التي أتاحت المناسبة لاشتغال آلية النكوص، أي الارتداد إلى الوراء؛ وتلك كانت، على ما سيأتي البيان أيضاً، رضة الهزيمة الحزيرانية التي كان لها مفعول مُمْرِضٌ على الشخصية العربية.

وعلى هذا النحو يتحدد لموضوع كتابنا عدد من القسمات المتقارنة.

فالخطاب الذي نخضعه للتحليل هو الخطاب العربي المعاصر، أي الخطاب الذي بدأ ينتج نفسه ويعيد إنتاجها منذ هزيمة حزيران 1967. وهو بذلك يتميز عن الخطاب العربي الحديث الذي رأى النور غداة الحرب العالمية الثانية، كما يتميز عن الخطاب العربي النهضوي الذي يغطي تمام عصر النهضة من 1798 إلى 1939.

وما نخضعه للتحليل هو خطاب، والخطاب هو وظيفة إنتاجية للأنتلجانسيا. وعليه، عندما نتحدث عن عصاب جماعي عربي، فإننا لا نعممه ليشمل جميع العرب في جميع بلدانهم وبجميع أجيالهم وطبقاتهم، بل نخصصه لنقصد به حصراً الخطاب المعصوب الذي تنتجه وتعيد إنتاجه شريحة واسعة من الأنتلجانسيا العربية منذ الرضة الحزيرانية. وبما أن عصابية هذا الخطاب تكمن في تثبيته على الماضي، فمن الممكن إذن تحديده بمزيد من التخصيص بأنه خطاب التراث أو الخطاب التراثي في نتاج الأنتلجانسيا العربية المعاصرة ـ أو ما يسمي نفسه أيضاً بخطاب الأصالة. وبما أن كل نكوص نحو الماضي يجد مبرراته ودوافعه ـ اللاشعورية في الغالب ـ في إحباطات الحاضر، فإن كل خطاب تراثي يحمل أو يعكس ضمنياً موقفاً من الحاضر ومن العصر، وبالتالي، من حضارة العصر. ومن هنا صدور الخطاب العربي الحديث المعصوب عن ثنائية شالّة: فكأن لا تراث إلا في مواجهة العصر وبالمضادة معه، وكأن لا أصالة إلاَّ في مواجهة الحداثة وبالقطيعة معها. وإنما لأن كل مرض بالماضي هو مرض من العصر، فإن خطاب الارتداد إلى التراث غالباً ما يقترن، عن ضرورة شبه قهرية، بخطاب ارتداد عن العصر.

وهنا تحديداً نضع إصبعنا على نقطة تحول خطيرة في مسار الأنتلجانسيا العربية، في تيار غالبٍ من تياراتها راهناً.

فهذه الأنتلجانسيا مثّلت بقدر أو بآخر، وعلى امتداد تاريخها الحديث، عامل نهضة وتقدم.

ولكن هذه الأنتلجانسيا عينها، أو شريحة واسعة وسائدة منها، باتت تحتل موقعها اليوم، وكما سيأتي البيان، داخل معادلة التخلف بالذات باعتبارها عاملاً من عوامله.

ولعلنا لا نملك وصفاً للتحول في موقف هذه الشريحة الواسعة والسائدة اليوم من الأنتلجانسيا العربية إلا بالرجوع إلى قولة بديعة لطه حسين.

ففي «مستقبل الثقافة في مصر» الصادر عام 1938، كان هذا الداعية النهضوي قد شخَّص أزمة الأنتلجانسيا العربية بأنها أزمة علاقة مع الحضارة الحديثة، مؤكداً على أنه قد آن الأوان «لنُقبِل على هذه الحضارة باسمين لا عابسين».

واليوم، وبعد مضي أكثر من نصف قرن، لئن طرأ من تبدل في موقف الأنتلجانسيا العربية، فليس في انقلاب عبستها إلى بسمة. فهي لا تزال على وضعها الانفعالي الذي لَحِظَها عليه من كان يُدعى بالأمس ـ أي قبل الردّة ـ بعميد الأدب العربي. وإنما الذي انقلب على يديها من الضد إلى الضد هو شعار طه حسين نفسه. فلسان حالها يردد اليوم: «لندبر عن هذه الحضارة عابسين لا باسمين».

وأخطر ما في هذا الانقلاب أنه يأخذ، في أيام الردّة هذه، شكل جائحة إيديولوجية ووباء نفسي. وإنما لأن هذا الوباء يتهددنا جميعاً، بدون ضمانة من أي مناعة، كان كتابنا هذا الذي سيحاول أن يرصد، في قسم أول، العصاب الجماعي للأنتلجانسيا العربية في الحالة العامة لتمخُّضه واشتغاله وتعبيراته، وفي قسم ثان، حالة مشخصة وخاصة من تظاهره هي الحالة التي تقدمها كتابات حسن حنفي الذي هو بلا جدال الممارس الأكثر تميزا والأشمل تمثيلية والأغزر إنتاجا للخطاب التراثي المريض بالغرب في الإيديولوجيا العربية المعاصرة.

وكتابنا، رغم التزامه المنهجي وتقيده الصارم بروح الموضوعية العلمية، لا يخفي أنه يريد نفسه عن سبق قصد وتصميم متورطا في المعركة.

فالوباء لا بد أن يوقف عند حده، وعدواه عن الانتشار.

وهذا ما يجب أن يكونه أمر اليوم على مدى السنوات القادمة في لائحة مهمات كل مثقف عربي حريص على أن تكتب له النجاة.

لأنه إذا ما قيض لخطاب العصاب أن يصبح هو أيضا خطاب السلطة، فإن ما سينفتح أمام المثقف، وأمام الإنسان العربي في كل بقعة من الوطن، هو مستقبل من الظلامية.

وفي هذا العقد الأخير من القرن العشرين تبدو الظلامية، بحكم التطور الهائل في تقنية التعبئة الإيديولوجية والنفسية للجماهير، مرشحة لأن تكون شمولية أكثر من أي وقت سبق.

ولن يكون التواطؤ ولا الامتثالية ـ وهو الموقف الذي يُغري أعداداً متزايدة من المثقفين العرب ـ ضمانة للنجاة.

فالظلامية هي مثل الثورات، بل أكثر من الثورات، في قسوتها على أبنائها. فإن كانت الثورة تنتهي بأكلهم، فإن الظلامية تبدأ به. فهي لا تطيق وجود متنورين حتى في صفوف دعاتها.

ولكن الظلامية، رغم كل شيء، ليست قدراً نهائياً. إذ أن العصاب نفسه ـ ما لم ينحط إلى ذهان ـ هو بالتعريف تعبير عن صراع. فمهما يكن من قسوة إحباطات الحاضر ومن قوة التثبيت الرضِّي على الماضي والدفع باتجاه النكوص، فإن في الدينامية النفسية قوى دافعة أيضاً باتجاه المقاومة والمعافاة والتقدم. وكتابنا هذا لا يطمح، في التحليل الأخير، إلا إلى تسليط بعض إضاءات على الآلية العصابية اللاشعورية لتكفّ عن أن تكون بؤرة خصبة للإيديولوجيا الظلامية، ولتتاح بالتالي فرص أفضل لعوامل الصحة للتغلب على عوامل المرض، وهذا سواء على مستوى السطح في الخطاب الإيديولوجي، أو على مستوى العمق في الركائز النفسية التحتية لهذا الخطاب.

جريدة الحياة

«المرض بالغرب» لجورج طرابيشي … عقدة التفوق الغربي بصفتها عصاباً جماعياً

سليمان بختي

يمدد جورج طرابيشي على سرير التحليل النفسي الخطاب العربي المعاصر المريض بعقدة التفوق الغربي المتفاقمة مع العجز العربي، ومع تراكب الصدمة النابليونية 1897 ووقع هزيمة 1967 وتأثير ذلك في الشخصية العربية عبر ما يسمى «عصاباً جماعياً».

على هدي ذلك، ينطلق طرابيشي في كتابه «المرض بالغرب» التحليل النفسي لعصاب عربي جماعي، الصادر أخيرا عن دار بترا ورابطة العقلانيين العرب في 184 صفحة. والكتاب في الأصل هو القسم الأول من أطروحة الدكتوراه التي امتنع طرابيشي عن تقديمها إلى جامعة السوربون لأسباب إعادة الكتابة بالفرنسية، والتخفيف من لهجتها النقدية والتي أرادها التزاماً بمنطق النهضة في مواجهة الردة. يحاول طرابيشي في كتابه الكشف عن مكامن النكوص والانقلاب من منطق النهضة إلى منطق الردة والخروج من العصر. لذلك يوقعن طرابيشي طروحاته في تحول المرض بالغرب من ظاهرة ثقافية إلى ظاهرة سياسية تجد تعبيرها في هجمات 11/9 الشهيرة.

ولكن، ما هي الصعوبة التي واجهت طرابيشي في كتابه؟ هل الصعوبة تكمن في البنية الموضوعية للخطاب المستقلة ظاهرياً عن ذاتية منتجيه؟ وهل التحليل النفسي في النهاية منهج مطابق لموضوعه؟ واستطراداً من الخطاب العربي موضوع مطابق لمنهجه؟ ثم أوليس التحليل النفسي أحادي الجانب بالنظر إلى الخطاب العربي المعاصر؟ إن دراسات فرويد التطبيقية في مجال علوم الاجتماع والتاريخ والجمال تشكل أساسا متيناً للنسج على منواله. كما أن الخطاب العربي سبق وأن أخضعه الجابري لتحليل ابستمولوجي وبرهان غليون أخضعه لتحليل إيديولوجي سوسيولوجي وهشام شرابي أخضعه لتحليل نفسي سوسيولوجي وعلي زيعور في تحليل الذات العربية ومصطفى حجازي في سيكولوجية الإنسان المقهور. وكل ذلك لأجل تفسير إشكالية تخلف الخطاب والذات والإنسان والمجتمع العربي. ولكن ما هو العصاب؟ في رأيي فيليب ريف «العصاب هو عجز الإنسان عن الإفلات من قبضة الماضي ومن عبء تاريخه». وهو – أي العصاب – كل خلل أو اضطراب عن طبيعة مرضية. وفي رأي طرابيشي إن عقدة العصاب الجماعي العربي هي في عقدة التثبيت على الماضي في مواجهة حاضر جارح. ويحصر طرابيشي نفسه بالخطاب المرتبط بما بعد هزيمة 1967، ويعتبر أن الانقلاب الذي حصل اثر الهزيمة يأخذ «شكل جانحة إيديولوجية ووباء نفسي».

يقسم طرابيشي الخطاب العربي المعاصر إلى ثلاثة تيارات:

1- التيار العقلاني المعتدل أو النسبي (الجابري) 2- التيار السلفي المتنور (محمد عماره) 3- التيار السلفي الخالص (راشد الغنوشي) ولكن أين يدرج الطرابيشي الليبراليين والإسلاميين المتطرفين؟ وماذا فعل الخطاب العربي بتياراته وفروعه إزاء الصدمة؟

2- لم يتعرف الخطاب العربي إلى العالم بل عزف عنه وألغى العقل النقدي ولجأ إلى التعاطي السحري والاستيهامي واللفظية. وبدلاً من العمل على تصحيح الخلل في العمران والسياسية «ويمسي الاحتماء بالمرض هو الدريئة المثلى». ولكن السؤال: ألم يكن هناك مورثات أو استعدادات مرضية لرد فعل الخطاب العربي؟ يرى طرابيشي أن ما ورثه الخطاب العربي المعاصر من سلفه الخطاب العربي النهضوي: أولاً – ازدواجية مستعصية على الحل بين روح المنافحة وروح النقد. ثانياً – التضخم الإيديولوجي. كأن الخطاب العربي حمل معطوبيته واستعد لهزيمة 1967 وكان لها وقع الرضة بالمعنى النفسي لأنها: أ) كانت غير متوقعة. ب) طعنة صماء للمثال الأنوي العربي (للمجتمع) فَعَزَّ للوعي العربي أن يعيها فانقلب هو نفسه إلى لا وعي. 3- بأنها هزيمة متجددة غير قابلة للتعريف. هـ) التأويل اللاشعوري الرمزي الجنسي. وفي النهاية، قتلت الهزيمة الأب وشغلت آلية النكوص إلى التراث بوصفه أباً رمزياً حامياً.

يستخدم طرابيشي المصطلح النفسي ويفرد تطبيقاته وتجلياته على مساحة الخطاب العربي ويحدد الأشكال النوعية التي تتظاهر بها سيرورة النكوص في ما خص التراث، وهي: 1- النكوص كإضراب عن النمو. 2- النكوص كإلغاء للذاتية واستقالة من الفعل التاريخي. 3- النكوص كإحياء للمخطط العائلي عوضاً عن المخطط السياسي أو الطبقي. 4- النكوص كإعادة تنشيط لآلية الترميز الجنسي حيث أن الرمزية الجنسية هي بمثابة النظام المعرفي – الابستيمي للرؤية العصابية للعالم. 5- النكوس كأحياء للمركزية الانوية (مركز القيادة وقلب المركز). 6- النكوص كعودة للمكبوتات الطفلية (اعتبار الآخرين هم الجحيم) يؤسس لذاته في امتلاك مطلق وللغير في افتقار مطلق. 7- النكوص كتقهقر من تلقائية الفعل إلى آلية رد الفعل في موقف عادم للأصالة كلياً.

8- النكوص كارتداد فعلي عن عصر النهضة (تأثيم عصر النهضة باعتباره غزواً ثقافياً وتشويهاً واستعماراً وعمالة للغرب).

يأخذ طرابيشي على النهضويين في أنهم بنوا إستراتيجيتهم في موضوع التقدم على تمييز مزدوج: جوزوا محاكاة الغرب في حضارته لمقاومة استعماره، وجوزوا الأخذ بالتقنية الغربية مع التمسك بروح الحضارة العربية الإسلامية. وقابل السلفيون ذلك بأنهم أعلنوا معاداتهم للغرب كاستعمار وحضارة وثقافة في نزعة انغلاقية حضارية. مما وضع الذات بتضاد مطلق مع الحضارة أو ما يسميه طرابيشي علاقة نفي بين حدين: الذات والحضارة وبالتالي قطيعة مزدوجة مع النهضة ومع الحضارة. ومع أن التوصيف الذي يقدمه طرابيشي هو غاية في الدقة إلا انه لا يقدم تصوراً مغايراً يقوم على أساس تحقيق الوعي وتحقيق التغير الاجتماعي.

تبقى قضيتان، الأولى تقنية وتتمثل في إمكان التمييز بين الواقعة الثقافية والواقعة المندرجة نفسياً. ويكون ذلك:

1- بكونها حاملة لدلالة رمزية طاغية على دلالتها المعرفية.

2- أن تحمل الواقعة لسمة اللاعقلانية وتجاهل القوانين الواقع. أما القضية الثانية فهي قضية إشكالية الأصالة والمعاصرة. ويعتبرها طرابيشي أنها مجرد رؤية حاسرة لأنها تعجز أن ترى هذه الإشكالية الثقافية المحض مثلها كالإيديولوجية عند ماركس. هذا من جهة، وكذلك لان جبلة الشخصية العربية الحديثة جبلة مجروحة ومنجرحة. ولأن، وبكلمات الأفغاني «إعجاب العربي بماضيه وأسلافه وهو في اشد الغفلة عن حاضره ومستقبله.

ولكن لا بد في صوغ إشكالية الأصالة والمعاصرة من الأخذ بالاعتبارات التالية:

1- في مواجهة الواقع لا بد من العقلانية – العقلانية المحررة. لأن الحداثة برمتها هي معرفة العالم بقوانينه وماهيته والاهتمام بالأشياء والوقائع وبقدرة الإنسان على التدخل والتعديل والسيطرة.

2- إن القاسم المشترك بين اللاعقلانية والعصاب هو خطيئة ضد الواقع.

3- إن العالم موحد الحضارة متعدد الثقافات، وان الحضارة العالمية هي نفسها الحضارة الغربية وهي النموذج وأي عداء سياسي للغرب في موقع التضاد يؤدي إلى البربرية أو الفصام. وإذا كانت هذه الحضارة غير قابلة للرفض فهي قابلة للنقد مع شرط الانخراط بالممارسة الحضارية.

4- إن الحداثة استمرار واتصالية يكون فيها التماهي مع الآخر ممكناً دون نزع الهوية. وتبقى نقطة التفعيل الوحيدة في الحضارة العالمية الكونية هي الثقافة القومية. وتظل مع ذلك قناة تحديث لأن التواصل مع الحضارة الحديثة يضيف إلى التراث جديداً ويكشف ثروته وأسئلته الجديدة.

وأخيرا، يحلل طرابيشي نفسياً هذا الخطاب العربي الإيديولوجي وهو مسكون بهاجس إيديولوجي أيضا. ويوظف هذا التحليل بأبعاده الخصوصية والمعرفية لأجل تجديد الانتماء إلى عصر النهضة والتقدم والاستقلالية. وتبقى إشكالية النهضة اليوم في حاجة لإعادة صوغ:

أولا، على ضوء الواقع المحلي والإقليمي والعالمي وما يحفل هذا الواقع بالمستجدات والتأثيرات المتداخلة في ما بينها. وثانياً، بالدور الفاعل والمحوري للنخب الثقافية العربية والمقارنة بين دورها في عصر النهضة كمهماز لليقظة والوعي، ودورها اليوم في الدعوة إلى النكوص والتيئيس وفي ترك المسافة المعرفية تتزايد بين الفكر العربي – الإسلامي والفكر الغربي.

واخبرا، كتاب «المرض بالغرب» للباحث جورج طرابيشي كتاب غني بمنهجيته وتحليله وأبعاده النقدية. وينجح في كشف الإمكانات والاحتمالات التي توفرها العلوم الإنسانية في فهم الذات والآخر والواقع والعالم بصورة تؤهلنا لتحقيق النهضة وإقامة الحداثة الحقيقية.

“المرض بالغرب…” إصدار يتعمق في فهم الذات العربية لتحقيق النهضة والحداثة الحقيقية

شبكة الأخبار العربية. محيط

يحاول كتاب “المرض بالغرب: التحليل النفسي لعصاب عربي جماعي” الصادر عن دار بترا ورابطة العقلانيين العرب، عبر 184 صفحة لمؤلفه جورج طرابيشي الكشف عن مكامن النكوص والانقلاب من منطق النهضة إلى منطق الردة والخروج من العصر، لذلك يقصر طرابيشي أطروحاته علي تحول المرض بالغرب من ظاهرة ثقافية إلى ظاهرة سياسية تجد تعبيرها في هجمات سبتمبر الشهيرة.

هذا ويشير الكتاب إلى أن الخطاب العربي المعاصر مصاب بعقدة العصاب الجماعي العربي، والعصاب كما يوضحه المؤلف هو عجز الإنسان عن الإفلات من قبضة الماضي ومن عبء تاريخه، وفي رأي طرابيشي إن عقدة العصاب الجماعي العربي هي في عقدة التثبيت على الماضي في مواجهة حاضر جارح، موضحا أن جبلة الشخصية العربية الحديثة جبلة مجروحة تلخصها كلمات الأفغاني التي يعرض لها الكتاب وهي “إعجاب العربي بماضيه وأسلافه وهو في اشد الغفلة عن حاضره ومستقبله”، ويحصر طرابيشي نفسه بالخطاب المرتبط بما بعد هزيمة 1967، ويعتبر أن الانقلاب الذي حصل اثر الهزيمة يأخذ شكل وباء نفسي.

يستخدم طرابيشي المصطلح النفسي ويفرد تطبيقاته وتجلياته على مساحة الخطاب العربي ويحدد الأشكال النوعية التي تتظاهر بها سيرورة النكوص في ما خص التراث، وهي تتمثل في النكوص كإضراب عن النمو، النكوص كإلغاء للذاتية واستقالة من الفعل التاريخي، النكوص كإحياء للمخطط العائلي عوضاً عن المخطط السياسي أو الطبقي، النكوس كإحياء للمركزية الأنوية (مركز القيادة وقلب المركز)، النكوص كعودة للمكبوتات الطفلية (اعتبار الآخرين هم الجحيم) يؤسس لذاته في امتلاك مطلق وللغير في افتقار مطلق، النكوص كتقهقر من تلقائية الفعل إلى آلية رد الفعل في موقف عادم للأصالة كلياً، والنكوص كارتداد فعلي عن عصر النهضة (تأثيم عصر النهضة باعتباره غزواً ثقافياً وتشويهاً واستعماراً وعمالة للغرب).

وفي نهاية كتابه يضع المؤلف بعض التصورات التي من شأنها الإسهام في إصلاح الخطاب العربي المعاصر وتغيير نظرته تتحدد هذه التصورات في أنه لمواجهة الواقع لا بد من العقلانية ـ العقلانية المحررة، لأن الحداثة برمتها هي معرفة العالم بقوانينه وماهيته والاهتمام بالأشياء والوقائع وبقدرة الإنسان على التدخل والتعديل والسيطرة، إن العالم موحد الحضارة متعدد الثقافات، وإن الحضارة العالمية هي نفسها الحضارة الغربية وأي عداء سياسي للغرب في موقع التضاد يؤدي إلى البربرية أو الفصام، وإذا كانت هذه الحضارة غير قابلة للرفض فهي قابلة للنقد مع شرط الانخراط بالممارسة الحضارية، كما أن النخبة العربية المثقفة يتعين عليها الآن أن تقوم بدورها لإيقاظ الوعي وتضيق الفجوة والمسافة المعرفية بين الفكر العربي – الإسلامي والفكر الغربي.

{دار بترا للنشر والتوزيع}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق