المسؤولية الوطنية حلقة مفقودة من التنمية بالبلدان العربية

لو فرضنا أن ادعاءات الحكومات العربية، بأنّ صراعها مع إسرائيل قد حرمها من فرص تحقيق النمو والتنمية، لأنّها وضعت كافة مواردها في خدمة المعركة، وأعطت جلّ اهتمامها للقضية الفلسطينية، فهذا يفرض علينا القول بأنّ إسرائيل باعتبارها الطرف الآخر في الصراع تعاني نفس الظروف، فهي أيضا تهدر مواردها وأموالها على صراعها السياسي والعسكري مع البلدان العربية، وتضعه في ذروة أولوياتها، وإذا كان هذا الصراع مكلفا بالنسبة إلى العرب فإنّ تكاليفه أضعاف أضعاف بالنسبة إلى إسرائيل، ذلك أنّ إسرائيل دولة واحدة مساحتها ضيّقة وفقيرة الموارد، تواجه منفردة مجموعة دول عربية تتفوّق عليها بالموارد البشرية والثروات الطبيعية، فضلا عن إغلاق الأسواق العربية والإسلامية بوجه تجارتها ومنتجاتها، بمعنى آخر أنّ الظروف الداخلية والخارجية بالنسبة لإسرائيل ليست مثالية لتساعدها على التطور والتقدم وانجاز نسب عالية من التنمية والنمو، ولكن واقع الحال يقول غير ذلك.

لأنّ إسرائيل مقارنة بالبلاد العربية قد قطعت خطوات مهمّة على طريق التنمية على مختلف الصعد، لأنّها تحقّق نسب انجاز أعلى من البلدان العربية في التكنولوجيا والصناعة والزراعة والتجارة، وكذلك في نسب تقديم الرفاهية والخدمات إلى مواطنيها اليهود من رعاية صحية ورعاية الأمومة والطفولة والتعليم وتوفير فرص العمل وضمانات اجتماعية، ومن حيث الدخل القومي ودخل الفرد، ومقدار ما يستهلك المواطن من السلع والمنتجات والأغذية والمياه والألبسة والكهرباء، فإنّ المعدّلات تسجّل لصالح إسرائيل أمام غالبية الدول العربية ما عدا الدول النفطية، وحتى بالنسبة لهذه الدول التي تتفوق على إسرائيل ماليا، فإنّ إسرائيل تتفوّق عليها في التنمية البشرية من حيث الكفاءات العلمية والأدمغة وإنتاجية الأفراد وتنمية المرأة ودورها الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع، حيث نجد منتجات الصناعة المدنية والعسكرية الإسرائيلية في الأسواق العالمية بما فيها الأسواق الأوروبية والأمريكية والإفريقية، وكذلك فإنّ الصادرات الإسرائيلية من الخضار والفواكه كبيرة، وهذا يعني أنّ إسرائيل عملت في اتجاهين معا، فمن جهة تدير صراعها مع العرب، ومن جهة تدير خطط التنمية والتطور العلمي والصناعي، وتعمل بكل ما بوسعها كي تخفف من تأثير صراعها مع العرب على برامجها التنموية، فكان الصراع وتحدّياته حافزا إضافيا لها، لتقرر منذ البداية توفير البنية التحتية اللازمة لبناء دولة متطورة تعتمد العلم والتكنولوجيا والتصنيع والزراعة الحديثة، وتأسيس مجتمع متقدم يأخذ بالعلم والمعرفة، فالقادة الإسرائيليون يفكّرون بالدولة والمواطن اليهودي، وهذه بالنسبة لهم مسؤولية وطنية مقدسة، لذلك يدركون أنّهم لن يستطيعوا تحقيق تفوّق استراتيجي على العرب إلا عن طريق التفوّق عليهم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجيا والعلوم وتنمية الموارد البشرية.

في الوقت الذي نظر فيه الإسرائيليون إلى الصراع من هذه الزاوية فوجدوا الحلّ في التنمية والتطور، فإنّ الحكام العرب نظروا إلى الصراع من زاوية مغايرة تماما، فقد قرروا تأجيل معالجة مشاكل الجهل والتخلف والأمية إلى أجل غير مسمّى ريثما يحرروا فلسطين، فغابت عن خططهم وبرامجهم مسائل التنمية والتطوير، سوى أشكال بدائية ومشوهة تسمح لدولهم بالبقاء واقفة على قدميها وتوفّر لمواطنيها الحدّ ما دون الأدنى من حاجاتهم الملحة إلى التعليم والغذاء والصحة والسكن والعمل، فقد راهن الجيلان الأوّل والثاني وقسم من الجيل الثالث من الحكام العرب على أن العامل البشري والجغرافي لصالحهم ما يسمح لهم بإنهاء الصراع في وقت قصير وبعد ذلك يتفرغون للتنمية، وحين طال الصراع أكثر مما توقّع هؤلاء، فقد أصابهم اليأس والإحباط، فلا هم حرّروا فلسطين ولا هم حرّروا شعوبهم من الجهل والتخلّف، وحين انتبهوا إلى فشلهم كان الوقت قد فات على تصحيح الأوضاع، فقد تزايدت معطيات التخلف وتراكمت المشاكل المؤجلة، وانعدمت الكوادر البشرية المؤهلة للقيام بأعباء التنمية والبناء، حينها بدل أن يعتذر الحكام إلى شعوبهم عن فشلهم في تحرير الأرض وعن مسؤوليتهم في ازدياد عوامل التخلف والانحطاط، ليستقيلوا من مناصبهم، فإنّهم قرّروا التمادي في سياستهم الهدامة واستمرار المواجهة مع إسرائيل، ولكن هذه المرة ليس لتحرير الأراضي المحتلة، بل لتغطية قصورهم عن القيام بتنمية دولهم ومجتمعاتهم، وبات ذروة أولويات الحاكم العربي هي الحفاظ على منصبه وتوريثه لأفراد أسرته ونهب أموال وموارد الدولة، متخليا كليا عن فكرة التنمية إلا ما يوافق مصلحة الشريحة الحاكمة، ولهذا فإنّ ما جرى من عمليات تنموية في البلاد العربية لا تحقق الفائدة المرجوة منها، لأنها حدثت بالأساس ليس لخدمة المجتمع بل لخدمة الحاكم وبطانته.
فهل الاستعمار وإسرائيل يشكّلان حقّا العقبة الرئيسية أمام تطوّر المجتمعات العربية وتقدمها، أم هناك أسباب أعمق من ذلك؟

قد يكون الاستعمار وإسرائيل عوامل ثانوية في تخلّف بعض البلدان العربية وليس جميعها، ولكن هناك عوامل رئيسية تمنع البلدان العربية من تجاوز دائرة التخلف، غير مسألة الصراع مع الامبريالية والصهيونية، ولعل بعض المقارنات تنفع في توضيح هذه الفكرة، فإذا أتينا إلى السيطرة الاستعمارية نجد أن البلاد العربية ليست وحدها من خضع للاستعمار وورثت عنه مشاكل خطيرة، بل إنّ غالبية دول الجنوب عانت من الاستعمار وبعد استقلالها واجهت مشاكل وأزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية وحروبا وصراعات، ولكنها استطاعت التغلب على مثل هذه الظروف لتشق طريقها إلى التنمية، وما لم تستطع التغلب عليها تأقلمت معها ولم تسمح لها لتكون عقبة أمام سيرها على طريق التنمية، كوريا مثلا تعرضت للاحتلال الياباني ثم التدخل الأمريكي، وأصبحت ساحة للصراع بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، لتتحول الحرب الباردة على أراضيها إلى حرب ساخنة كادت أن تشعل حرب عالمية ثالثة، ثم انشطرت كوريا، إلى دولة استبدادية شيوعية في الشمال تهدد الدولة الرأسمالية الديمقراطية التي قامت في الجنوب لتجد نفسها غارقة في مشاكل الهند الصينية التي سميت قوس الأزمات، وما زالت المشكلة قائمة بكل تداعياتها، ولكن كل هذه المشاكل لم تشغل حكومة كوريا الجنوبية عن أداء وظائفها الأخرى غير السياسية، لتضع دستورا ديمقراطيا متقدّما ينص على أن السعادة حقّ للمواطن، ثم انبثقت عن الدستور حكومة مسئولة أخذت على عاتقها تنفيذ خطط تنموية ذكية تساعد على النمو الاقتصادي لتحقيق فائض في الإنتاج لتكون قادرة على توفير سعادة المواطن، ومن هنا سارعت أولا إلى التنمية الاجتماعية، وذلك بنشر التعليم وفن التقانة لتوفير كوادر بشرية قادرة على النهوض بأعباء التنمية، والتحول من الاقتصاد الزراعي البدائي إلى التصنيع والتكنولوجيا والمكننة الزراعية، لتتحول كوريا الجنوبية في عقود قليلة إلى قوة اقتصادية لها وزنها العالمي، وإذا كانت اليابان تفتخر بمعجزتها الاقتصادية، فإن لكوريا الجنوبية الحقّ أن تتباهى بمعجزتها أيضا، لأنها تحققت في ظل ظروف غير مواتية حيث التهديد المستمر من جارتها الشمالية والتدخل الصيني والسوفيتي السابق في شؤونها، هذا لأنها لم تستلم للقضايا الإيديولوجية والسياسية، بل أدارت معا وبنجاح قضايا السياسة وقضايا التنمية، لتحقق السعادة لشعبها وهذه هي الغاية النهائية من عملية التنمية.

فلماذا يعتقد العرب أنهم وحدهم من يواجهون قضايا سياسية وعسكرية تقف عقبة بينهم وبين التطور، أليست هناك دول عربية لا علاقة لها بالصراع العربي – الإسرائيلي إلا معنويا، مشاكلها اقل بكثير من مشاكل كوريا، وقد سبقتها إلى الاستقلال، وهي أغنى منها بالموارد الطبيعية والمعدنية والزراعية والبشرية، ، فلماذا تخلفت عن كوريا في تحقيق التنمية المنشودة، طالما هي تمتلك الشروط اللازمة للتطور، وطالما هي بعيدة عن المشاكل والأزمات السياسية، فهل الاستعمار هو السبب، هل إسرائيل هي العائق، هنا ربما نظلم الامبريالية والصهيونية إذا قلنا نعم، فهذه ادعاءات باطلة يعتمد عليها النظام العربي ليس لتبريره مسالة فشله في تحقيق التنمية بل لإخفاء سياسته القائمة على عدم الرغبة في إطلاق ماكينة التنمية، فالحاكم العربي يخاف من التنمية الحقيقية أكثر مما يخاف من إسرائيل، لأن مصلحة الشريحة العربية الحاكمة تكمن في اللاتنمية، فالتنمية قبل أن تكون الاستثمار الأفضل للموارد بهدف رفع مستوى الإنتاج للخيرات المادية المختلفة وتحسين نوعيتها وزيادة النمو الاقتصادي للحصول على موارد مالية تسمح برفع مستوى دخل الدولة لتكون قادرة على أداء مهامها في تحسين مستوى حياة ومعيشة المواطن وانجاز معدلات أعلى لرفاهية ورخاء المجتمع، هي توفر الإرادة السياسية القادرة على التفكير بمصلحة الشعب وليس بمصلحة أضيق شريحة اجتماعية قابضة على السلطة في البلاد العربية، حققت لنفسها ثروات خيالية عن طريق السلب والنهب المنظم لخزينة الدولة، لتتكدس لديهم، حيث نجد أن الثروة التي سرقها أفقر حاكم عربي لنفسه هي خمسة أضعاف ميزانية دولته، وهذا كفيل بان يحقق له مستوى عاليا من الرخاء والرفاهية ،فلماذا يشغل نفسه بالتنمية والمواطن، أن كان هو وطبقته الحاكمة من البيروقراطيين والطفيليين واللصوص والمافيا السياسية من حوله ، في بحبوحة العيش، هنا نجد أن الطبقة العربية الحاكمة، تقف على النقيض من مصالح الشعب، وإذا كان السواد الأعظم من الناس بحكم الجهل والتخلف وانعدام الوعي لا يدركون هذه التناقضات، فان الحكام يدركونها جيدا ويحرصون كل الحرص على إبقاء الناس في جهلهم حتى لا يكتشفوا أن الاستعمار والصهيونية ليسا الأسباب الحقيقية لفقرهم وبؤسهم، بل الحكام أنفسهم الأكثر وحشية وشراسة من الامبريالية المزعومة في نهب وسلب الثروات الوطنية، وقد وجد النظام العربي أن أسهل طريقة لإبقاء المواطن غائبا عن الوعي هي حرمانه من التنمية، وإشغاله بخرافة محاربة الاستعمار ومصارعة الصهيونية، وحين شارفت صلاحية هذه الشعارات على الانتهاء، فقد سارع النظام العربي إلى تنمية المواطن، تنمية ليست بالمفهوم الشائع عن التنمية، بل تنمية فكرة الجهاد في سبيل الله، ومحاربة الصليبيين.

الخلاصة أن النظام العربي فاسد سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا، ولا يمتلك أية قيم وطنية، تحضه على التفكر بمصالح الشعب والدولة والوطن، حتى يبادر إلى تحريك عملية التنمية، لأن معيار الوطنية والتنمية لدى الحاكم العربي ليس زيادة دخل الدولة ودخل الفرد كما هو متبع لدى كافة دول العالم، بل زيادة ثروته الشخصية وتوفير الرفاهية لخاصته، وحماية سلطته التي تدرّ عليه أنهارا من الحليب والعسل والذهب، أما المواطن فليشرب البحر .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق