المساحةُ التي تناسبُ عيشنا



ماذا لو عشنا في الطّبيعةِ على سجيّتنا؟

وما الفائدةُ من الحدود، والأسوار والبيوت؟

 

يسكنُ في داخلنا حلمٌ يتعلّقُ بالطّبيعة على الدّوام. بعضُنا يرغبُ بحديقة ينسّقها على مزاجه، وآخرُ يحلمُ بمنزلٍ يطلّ على بحيرة.

البعضُ يسعى إلى امتلاكِ مزرعة متراميةِ الأطراف. يجلبُ لها مواردَ بشريّة من أصقاعِ الدّنيا ولا يتسنّى له الوقتُ لزيارتها. نركضُ وراء لقمة عيشنا، وعندما نحصلُ عليها نطاردُ الحلم ثمّ نستيقظ على النّهاية المرّة.

 

نسألُ أنفسنا: ماذا فهمنا من حياتنا؟ ونتمنّى لو كانتْ تجربتنا القصيرة تستحقّ فرصة أطول. حيثُ نولدُ من جديد، وندركُ أنّنا نحنُ، وأنّ حياتنا السّابقة كانت تدريباً على الحياة الحاليةِ، وحياتُنا الحاليةِ تدريباً على الحياة المقبلة، فعمر مائة عام عمرٌ قصيرٌ جدّاً لا يعطي تجربةً كبيرة.

 بعض العقائد القديمة أوجدت مخرجاً لموضوع الزّمن هذا. آمنت بالتّقمّص، أقنعت نفسها به، وما ذلك إلّا بسبب أنّ الحياةَ قصيرةٌ جدّاً، وعلينا أن نضعَ حدّاً للخوف من المجهول ونحن نعيش في هذا العالم المخيف، وحدّاً للحزن الذي ينتابنا عندما تقارب أيّامنا على النّفاذ.

 

مساحاتُ الحيوانات بين أحضانِ الطّبيعةِ أفسحُ من مساحاتنا التي اخترناها للعيش. الطبيعة تجدّد نفسها، والحيواناتُ تتماهى معها، قانون البقاء يجعلُ القوي يبقى، والضّعيف يرحلُ غير مأسوفٍ عليه. تماماً مثلما يحدث عند البشر. فقط البشر يتجاوزون على قانون الطبيعة. يحتالون على الحيوان لا يكتفون بأكله وسلخ جلده.

بل يخزنونه كي يحفظَ بقاءهم لمدّة أطول. كما يحاولون قتل الكثيرِ من البشر ليفوزوا بفرصةٍ أكبر من المساحة، وقبل أن يوقّعوا سند ملكيتها. يغادرون وكأنّ شيئاً لم يكن.

نبحث عن الجمال، تشكّله أيدينا.

 

نزيدُ العناية في تشكيله لتصبحَ الأشياءَ الصّناعيّة تضاهي الطبيعيّة بل تفوقها روعة في بعض الأحيان. نختارُ أماكننا كمقرٍّ لمسرحنا الشّخصي، نتفنّن في إحاطة ذلك المسرح بالجمال الطبيعي ثم الصّناعي، يكتملُ الحلم. نرى أنّ ما فعلناه لم يكنْ هو طموحنا. نهجرُ المكان. نترك كلّ شيء خلفنا. نختارُ أكثرَ الأمكنة ازدحاماً وضجيجاً. نستبدلُ المسرحَ. نختارُ مساحةً ضيّقة لا تتسّع لنا، نطرقُ أرجلنا ورؤوسنا بجدران البيوتِ. يفعلُ الحنينُ إلى الماضي فعله دون أن نتراجع عن موقفنا، وأكثر من ذلك نتهم الماضي بأنّه سببُ كوارثنا.

 

لم يعدْ في الطّبيعة مساحاتٌ يسكنُها الإنسان. يوجدُ محميّات ومزارع فارهة للأغنياء لا يزورونها إلا لماماً، وأماكن داخلها تتّسع فقط لجسدنا. البيوت تضيقُ علينا. تفوحُ منها رائحةُ الفقرِ والمرض. نقفُ حائرين أمام أنفسنا. نرحلُ من مكان إلى مكان نبحث عن مساحةِ تلائمنا، ينتهي العمرُ ونحن على سفر. حقيبتنا تهتزّ منذرةً بالرّحيلِ، ومسرحُنا فارغٌ باهت باردٌ يكتوي بنارِ عشق الحياة، ولا حياة!

 

أعمارُنا تضيعُ بينما نبحث عن مساحاتٍ غير موجودة إلا في خيالنا، خلال رحلة بحثنا الشّاقة نقف في محطاتٍ فارغةٍ تنذرنا بأنّ الوقت لم يعد في صالحنا، ما نبحث عنه ليس سوى وهم، فالمساحة لا تعني شيئاً إذا كنّا مكبلين بقيود أنفسنا، والأقفالُ التي نغلق فيها عقولنا هي من صنعنا. بإمكاننا أن نحوّل الأماكن الضيّقة إلى منتزهاتٍ كبيرة نستطيع الخروج إليها في نزهة يوميّة، نلاقي فيها أحلامنا. فقط علينا أن نزيل القيود والأقفال، وأن لا نقضي العمر ونحن نبحث عن شيء لا يحقّق لنا ذاتنا، وما يحقّق الذّات هو الشعورُ بالسّعادة والسّلام الدّاخلي. الأرحبُ والأوسع لأرواحنا. تستريح في ظلّه من عناء التّعبِ، وتمنحنا حالة توازنٍ أساسها المصالحة بيننا وبين أنفسنا التي تمنحنا بدورها راحة البال والسّلام الدّاخلي. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق