المستندات اللاّشعورية للمحجّبات والمنقّـبات

 

كثيرة هي المقالات التي تناولت موضوع الحجاب ولباس المرأة وأطنبت في شرح الآيات القرآنية ومعانيها الظاهرة والباطنة وأسباب النزول ومسبّباته، حتى أنّ هذه الشروح أوغلت أحيانا في تدقيق ما أصبح يعرف باللباس الشرعي للمرأة المسلمة وكأنّ عددا من الشراح المسلمين و علماءهم ابتعدوا عن القياس، واستعاضوا عنه بقياس طول القماش ونوعه وكونه فضفاضا أو ضيقا أو لامعا أو داكنا أو ناصعا.

 

و لن أخوض مع هؤلاء الخائضين لأنّني لن أزيد الموغل في التطرف إلاّ تطرفا ولن أزيد أصحاب العقول السليمة سوى تعقّلا وسلامة، وسأترك النّصوص إلى فقهائها لا خوفا من قداسة الكلمات ولا خشية ممن يعتبرون أنفسهم مالكي الحقيقة المطلقة وأهل الحل والعقد في زمن العولمة والحوكمة.

 

كان انطلاقي من سؤال لماذا تتحجّب فتياتنا ونساؤنا، ويذهب البعض منهنّ إلى ارتداء النقاب؟ ولم أجب عن هذا السّؤال بإجابة جاهزة تأخذني إلى اليقين المحتوم فأقول مع سواد القائلين “لقد هداهن الله إلى الطريق المستقيم”، بل إنّي تجاوزت هذه الإجابة /الحجاب التي تعوق الذهن البشري ولاتحترمه ولا تقرّ له ببحث أو شكّ أو نسف للجاهز من أجل بناء فكر مغاير، وأمام هدا السؤال وضعت عدة فرضيات ممكنة يقبلها العقل المتطوّر من زمن إلى آخر، فبناتنا ونساؤنا اللاّتي تربّين معنا في مدارسنا الحديثة وعشن معا جنبا لجنب، واخترن الحجاب أو في أسوء الحالات النقاب كلباس غير حداثي يحيلنا إلى فترات زمنية معينة لها عاداتها وتقاليدها الخاصة بها، ومجتمعات مغايرة لنا في المناخ والتضاريس وفي البنية العقلية لرجالها ونسائها وربّما حيواناتها.

 

رغم هذا فإنّ السؤال يبقى دون إجابة: لماذا تتجه الفتاة إلى مثل هذه الأنواع من الملابس؟

إنّ المحيّر في الأمر أننا لا نطرح أبدا السؤال من جهة المرأة أي لم لا تسأل الأنثى ولا تحتار ولا تهتمّ -على ما يبدو- بلباس الرجل؟ . إنّ الفكر الذكوري هو الذي يحرّكنا ويحرّك هذه الأسئلة وهذه الاهتمامات فينا، إنّه هو الذي ينغّص علينا حياتنا ويقسو علينا بأنانيته المفرطة ويجعلنا جميعا عبيدا في خدمته وتحت طاعته نلبّي رغباته وشهواته المكبوتة والمعلنة، فلماذا لا يهتم إلا الرّجال بملابس النساء وكأنّ المسألة غير مطروحة بالنسبة لهنّ أو أنّها لا تعني سوى الرّجل.

ولا يطلعنا في هذا الصدد شراح الآيات القرآنية والأحاديث -حتى الموضوع منها- على ما من شأنه أن يتناول لباس الرّجل ولم يخض الخائضون في المجال إلاّ في إشارات عابرة ونادرة، ألا تهتم النساء بعورات الرجال أم أنّهن يرينها ويتلذذن برؤيتها ولا يتحدّثن عنها إلى أحد، وتخشى المحجبات والمنقبات منهن أن تتحدثن في الأمر حتى مع أنفسهن وأحيانا لا يجرأن، لماذا لا يغطّي الرجال أيضا أنفسهم وتصبح واحدة بواحدة وتنتهي المسألة بحشدنا جميعا إناثا وذكورا في ظلام دامس وأثواب فضفاضة داكنة. لا أظن أنّ هذه التساؤلات في حاجة إلى إجابة أخرى غير أنّ الرجل المختفي فينا هو الذي يحرّكنا بأنانيته ورغبته الجامحة في إخفاء نسائه عناّ وكأنّنا كلاب مسعورة ستنقضّ عليهنّ وهذا التفكير العبودي والإقطاعي سيّء النيّة والخطير يسود عقل المحجبة والمنقبة بصفة حتمية فهي بلباسها هذا “تصون عرض الرجل” سواء كان والدها أو أخاها أو زوجها أو هي تصدّ رجلا آخر يركب معها القطار أو الحافلة أو يدرس معها أو يعمل إلى جانبها، وهي إذن في هذه الحالة وبلباسها “العازل للشهوة” تسيء النية في نفسها أوّلا وفي كلّ رجل تتعامل معه ثانيا حتّى إن لم تكن هذه النية معلنة ومصرّحا بها فهي مبيتة أصلا في لا شعورها و إلاّ فلماذا تتحجّب ولماذا تتنقّب ولماذا تغادر ملابسها التي لم يكن بها أيّ عيب قبل سنّ البلوغ لتصبح العيب كلّه عندما يرى فيها الرجل شهوة بارزة وصيدا يمكن قنصه. ولماذا تسارع الفتاة إذن بالتستّر والحشمة إن لم تكن ذات نيّة سيّئة بالرجل الذي هو شريكها في تنمية المجتمع وشريكها في رسم غد متماسك نأسف جدا أن نعلن في هذه المساحة الحرة أنّ مسلّماته اللاّشعورية عند كلّ حامل للفكر الديني تقوم على الرّيبة المتبادلة بين نصف المجتمع (المرأة) ونصفه الآخر (الرجل) ولا يمكن لكلّ ديّن أن يتحرّك فكره خارج هذا الإطار الظلامي وهذا المشهد القاتم الذي يعكسه اللّون / الغد الأسود للنقاب.

 

هذا هو المنطق الموحّد والقاسم المشترك الذي يجمع المحجّبات والمنقّيات على حد السّواء والذي نخشى أن نقوله لبعضنا بصراحة بعيدا عن عقدنا الأخلاقية وخاصة الجنسية منها وهل أنّه لو أصبحت جميع فتياتنا ونسائنا “متدينات” سنقضي على نظرة إعجاب في عين رجل لجسد امرأة وسننتزعها منه عنوة بحدّ السّيف أو أنّنا حينها سنطالب بأن يفقأ كلّ الرّجال عيونهم ونريح أنفسنا بذلك من غضّ البصر ومن كفّ النظر إلى النّساء لكنّ هذه الفرضية العبثية لن تريح زمرة من المتطرفين والمتطرفات الذين يتجرؤون على منع صوت المرأة واعتباره عورة لأنّه في هذه المرة سنكون أيضا مطالبين بصمّ آذاننا بعد أن فقأنا عيوننا. ولكم أن تتصوّروا أيّها القرّاء أنّنا مع هذا الفكر القائم على الخوف من بعضنا البعض والشّكّ والريبة المدمّرين سنكون قادرين على التأسيس لواقع أفضل.

 

 ولمزيد من التبصّر والتعقل أورد على السادة القراء بعض ما ورد في تفسير اسماعيل بن كثير للآية 31 من سورة النور : …وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ…فقد قال أبو داود حدثنا القعنبي حدّثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن أبي اليمان عن شداد بن أبي عمر ابن حماس عن أبيه عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنّه سمع النبيّ وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق قال رسول الله للنساء “استأخرن فإنّه ليس لكنّ أن تحتضنّ الطريق، عليكنّ بحافات الطرقات”، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إنّ ثوبها ليتعلّق بالجدار من لصوقها به. وما إيرادنا لهذا الحديث إلاّ لنبيّن أنّ لكلّ زمان منطقه الخاص به ولباسه الخاص به، فمنطق النبيّ صحيح في زمانه وفي بيئته ويجب تنسيب الأمور وليس أخذها على إطلاقها في الزمان والمكان.

 

 وأواصل إيراد حادثة أخرى جدّت في بيت النبوّة تفيد أيضا أنّ واقعنا وحاضرنا في هذا القرن الواحد والعشرين ليست هي نفسها عقلية أسلافنا من الزمن النبوي أو الأموي أو العباسي فلم نعشق العيش في الماضي وإسقاطه على حاضرنا ومستقبلنا عنوة. فقد روى ابن كثير في كتابه التفسيري الشهير أنّه يمكن للمرأة المسلمة أن تظهر بزينتها على عبيدها من النّساء والرّجال واستدلّ الفقهاء في هذا بالحديث الذي رواه أبو داود ثنا محمد بن عيسى حدّثنا أبو جميع سالم بن دينار عن ثابت عن أنس أنّ النبيّ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به على رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطّت به رجليها لم يبلغ رأسها فلمّا رأى النبيّ ما تلقى قال “إنّه ليس عليك بأس إنما هو أبوك و غلامك”، وقد كان هذا الغلام عبد الله بن مسعدة الفزاري أسود شديد الأدمة وقد تربّى في بيت عليّ وفاطمة وكان أشدّ الناس على عليّ بن أبي طالب ومن جنود معاوية أيام صفين. فما أبعدنا عن هذا الواقع العبودي الذي لا يرى عيبا في الرق ولا يرى في العبيد بشرا كاملي الإنسانية ويقبل دون حرج أن يرى عبيدُه نساءَه دون حجاب، وذلك فقط لأنهم ليسوا في مستوى الإنسانية التي يحتكرها السادة والأحرار. فما أبعدنا عن هذه الممارسات التي قد تكون صحيحة في زمانها ومكانها ومتناسقة مع خصوصياتها البيئية والحضارية ومنطقها الاجتماعي لكنّها لا تصلح لنا اليوم ولا يمكن أن نصلح لها مهما أكرهنا أنفسنا على ذلك ومهما حاولوا إكراهنا عليه.

 

إن المحجّبات والمنقّبات بملابسهن المسيئة للمنظر الجمالي للشارع التونسي يقمن في الآن نفسه بامتهان أنفسهن من جهة وسوء الظنّ بزملائهن وجيرانهن من الرجال من جهة أخرى، وأتمنّى أن يتحرّك الباحثون والدارسون للقيام بسبر أراء لهذه الفئة من الفتيات والنساء وسيصلون إلى نتائج في نسبة هامة منها أنّ عديد المحجبات أو المنقبات(ولا يوجد فرق مبدئي بين الفئتين) يعانين من أمراض نفسية واجتماعية مختلفة الأسباب دفعتهن إلى هذه الأقمشة الآسيوية يلقينها على أنفسهن دون معرفة أو نقد أو تبصّر ودون مواجهة حقيقية من خلال أسئلة حقيقية لذواتهن الحقيقية فالمواجهة يجب أن تكون مباشرة وصدامية والأسئلة يجب أن تكون علمية وصادقة حتى إن كانت في جزء كبير منها جارحة وحارقة ومريرة، وكم من محجّبة لم تسأل نفسها مجرّد سؤال عن سبب ارتداء هذه الملابس أو أنهّا سألت نفسها وأجاب بدلا عنها موروثها الثقافي والسياسي وقدّم لها إجابة يقينية جاهزة أخفت عنها الجواب الصحيح الذي يكمن وراء عقد نفسانية واجتماعية نغطيها بحجاب وكلّما كبرت أكثر واستفحلت أكثر نلقي عليها نقابا حتّى لا نراها أبدا ونقصيها خوفا منها وخوفا من أن تبرز أمامنا يوما فتنغص ما تظنه عدّة فتيات بأنّه السكينة وليس سوى مرض وكسل فكري. فشدّة التديّن والبكاء بدعوى شدة التقوى والورع هي أدلّة على الوهن والسّقم وليست على الصحة والعافية وعلى هؤلاء جميعا أن يبادروا بعرض أنفسهم وأنفسهنّ على العلاج النفسي والكلينيكي، والفكر الديني لا يتفطن في غفلة من مسلماته اللاشعورية إلى أنّ ذلك الجسد الذي يحتقره ويهينه في مقابل تمجيد الروح وإعلائها لأنّها جزء من روح الله بثّها في عباده يعود من جانب آخر ليبيّن لنا أنّ هذا الجسد يحظى برعاية فائقة منه كما أنّ المسألة تبدو مضحكة وهجينة فالمتبرجة في المنطق الديني هي التي تبرز وتظهر مفاتن جسدها والمحجبة هي التي تطمس وتهين تفاصيل جسدها. أفلا يكون هذا الجسد قاسما مشتركا بين المتبرجة والمحجبة ويضعهما هذه المرة في نفس المنطق الذي نراه للوهلة الأولى متناقضا لكن إذا أمعنّا النّظر فإنّه للأسف موحّد لكلتا الفئتين بما أنّهما توليانه شديد الاهتمام !.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق