المسلسلات الرمضانية… تجارة وتسطيح! / محمد الحمادي

بدأت موضة الأعمال الفنية التلفزيونية الرمضانية بالمسلسلات التاريخية والسير الذاتية، وكانت تلك الأعمال دائماً مثار جدل بين النقاد الفنيين والمؤرخين حول دقة وموضوعية الأعمال الفنية، إلا أنها كانت بشكل عام ذات قيمة فنية ومعرفية.

 

اليوم أصبحت موضوعات الأعمال الفنية تدور حول قصص الراقصات ومشكلات مدمني المخدرات، وقصص الخيانات الزوجية والمشكلات الأسرية التي تتم معالجتها بطريقة سطحية للغاية، ولدرجة أنها بدلاً من أن تساعد في حل تلك المشكلات فإنها تحرض عليها!

 

كثير من تلك المسلسلات توجد التشوش لدى المشاهد -خصوصاً الصغار- في العلاقة بين الأبناء والآباء والبنات والأمهات وبين أفراد العائلة، تلك الأعمال التي تحرض على التمرد على القيم والعادات تلك الأعمال التي ترسخ بعض السلوكيات الوافدة إلى مجتمعاتنا، وبدلاً من أن تنبذها تلك الأعمال التلفزيونية فإنها ترسخها.

 

يكفي أن تجلس وتقلب القنوات الفضائية الخليجية والعربية في رمضان لترى أنك أمام كم هائل من الأعمال التجارية، التي تفتقد إلى المضمون الجيد، والتي من الواضح أن من كتبها لم يتعب نفسه كثيراً في التفكير من أجل تقديم عمل فيه إبداع واختلاف، فتسطيح القضايا وتمييع هموم المجتمع يبدو جلياً في تلك الأعمال.

 

لاحظت منذ بداية رمضان، بل حتى قبل بدايته من خلال شبكة التواصل الاجتماعي “تويتر”، أن هناك غضباً جماهيرياً ورفضاً من كثير من الشابات والشباب لتلك الأعمال الرمضانية ومطالبات بمقاطعتها… الخليجيون يتبرؤون من الأعمال الفنية الخليجية ويقولون إن هذه الأعمال لا تمثلهم ولا تعكس الحياة في مجتمعاتهم ولا تعبر عن همومهم ومشاكلهم، وأنها تتناول مشكلة خاصة جداً وتتحول إلى عمل فني طويل، وكأنها تعبر عن مشكلة مجتمع بأكمله… وكذلك المصريون يقولون الكلام نفسه عن كثير من الأعمال الرمضانية، فضلاً عن الملاحظات الفنية من حيث أشكال الممثلات والإخراج والتصوير وغيرها.

 

العمل الفني ليس هدفه تضييع الوقت، وإنما الإمتاع والفائدة، ومن يتابع المسلسلات الأميركية أو الأوروبية أو غيرها، يلاحظ أن حتى تلك الساخرة منها والمضحكة تتناول قضايا جادة من صميم المجتمع أو حياة الناس. وغالباً ما يخرج المشاهد بعد الحلقة، وقد عرف معلومة جديدة، أو تعلم شيئاً يُضاف إلى خبرته الحياتية مصحوبة بوصلات ضحك، وإمتاع لا تتوقف.

 

أما مسلسلاتنا الكوميدية، فغالباً ما تبنى على السخرية والاستهزاء بالآخرين! وتحاول أن تنتزع الضحك من المشاهد انتزاعاً، فيضطر المشاهد إلى أن يضحك في الحلقة الأولى، ولا يضحك في باقي الحلقات، بل يبحث عن برنامج آخر. أما القضايا الاجتماعية التي تتناولها مسلسلاتنا العربية، وخصوصاً الخليجية، فيبدو أن الكتّاب والمخرجين والمنتجين أصبحوا مقتنعين بأن مسلسلاً بلا صراخ وشجار دائم وضرب وشتائم علنية لن يشاهده أحد! وكأنهم بهذه الطريقة يعتقدون بسطحيتهم أنهم يقدمون عملاً يستحق المشاهدة! وهذا خطأ يقعون فيه.

 

فمن بين عشرات الساعات التي تعرض يومياً في رمضان، ليس هناك إلا دقائق لا تتجاوز الساعة هي التي تكون مفيدة وتلاقي استحسان المشاهد. وسوء الإنتاج الذي بدأ يزداد خلال السنوات الماضية، هو الذي جعل الكثير من المشاهدين يقصرون مشاهدتهم على عمل أو عملين، وأن تكون برامجهم المفضلة، هي البرامج الدينية وبرامج الفتاوى، تلك التي يمكن أن يسمع فيها الإنسان بعض الأسئلة التي لا يمكن أن يتوقعها أحد أبداً.

 

مسؤولية تحسين الأداء الفني تتحمله التلفزيونات المحلية، التي يجب أن تخرج من عباءة المنافسة السنوية الكاذبة، التي تخدع بها أنفسها وتخدع المشاهد، وتنتج أي عمل وتشتري أي عمل، وتتنافس على أعمال قد لا تكون ذات قيمة. وعليها أن تكون دقيقة وحريصة على أن تبث البرامج والأعمال الفنية القيمة ذات الأهداف السامية، والتي تطرح القضايا الملحة في المجتمع، والتي تتميز بإخراج وتصوير وإضاءة فيها إبداع وتميز، ويمكن للتلفزيونات أن تدفع شركات الإنتاج إلى إنتاج أعمال جيدة، وليس مهماً الكم، ولكن المهم هو الكيف والنوعية، وليس شرطاً أن تملأ ساعات بثها طوال النهار والليل بالأعمال الرمضانية، فأن تختار مجموعة من الأعمال المتميزة خير من أن تعرض الغث والثمين دون أن تتحمل مسؤوليتها تجاه المجتمع والمشاهد.

 

التلفزيونات الخليجية كونها الزبون الأكثر حماساً وتنافساً فيما بينها لشراء الأعمال الفنية والمستعدة “للقتال”، فيما بينها للحصول على حقوق البث الحصري، عليها أن تتوقف عن ذلك وتبدأ في التفكير في مصلحة مشاهديها ومتطلبات مجتمعاتها، فالمنافسة العمياء التي تمارسها منذ سنوات كشفت أنها ليست ذات قيمة، ولم تقدم للمشاهد ما يريده، بل على العكس جلبت للمشاهد ما يسئ إليه ويزعجه كل يوم في شهر رمضان الكريم.

 

بلا شك أننا بحاجة إلى وقفة صادقة وجادة لتقييم تلك الأعمال وتقييم أولئك الكتّاب، وأولئك المنتجين وأولئك المخرجين، الذين يبحثون عن الإثارة -أي إثارة- لجذب المشاهدين حتى أصبحت كثير من الأعمال مليئة بألفاظ الشتم والسباب والألفاظ البذيئة… والفنان بحاجة إلى وقفة مع نفسه، وتحمل المسؤولية أيضاً، فليس من أجل استمرار الظهور، يقبل بأي دور وبأي عمل، فيجب أن يعرف أنه شريك في إفادة المجتمع والإضرار به، لذا عليه أن يحترم فنه ورسالته التي يحملها كفنان.

 

الواقع يتأكد منه المشاهد عاماً بعد عام بأن هذه الأعمال التلفزيونية الرمضانية، بعيدة عن الفن وقريبة من التجارة، لذا تحتاج إلى إعادة نظر فيها، والتفكير في تصفيتها قبل أن تصل إلى المشاهد.

 

أخيراً بعد كل هذا الكلام، سيطرح البعض تساؤلاً مهماً مفاده: ألا توجد أعمال جيدة في رمضان؟ الإجابة هي: بلا شك أن هناك أعمالاً جيدة.. لكنها قليلة وربما تعد على أصابع اليد الواحدة.

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 17/8/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق