المسلك العلماني في العودة إلى الدين! / السيد ولد أباه

دعا البابا “بنديكت السادس عشر” في خطابه الأخير بالبرلمان الألماني إلى العودة للمسيحية لتوطيد الديمقراطية في الغرب، معتبرا أنه لا حرية دون الاستناد لقيم مطلقة متجردة عن أهواء الناس ونوازعهم المتقلبة. وقد أثار خطاب البابا جدلًا فكريا واسعاً في ألمانيا، في السياق الفلسفي المحتدم منذ القرن الثامن عشر حول علاقة الدين بقيم التنوير الليبرالية الحديثة.

 

وليست أطروحة البابا بالجديدة أو العابرة، وإنما تترجم موقفاً فكرياً منسجماً ومتماسكا عبر عنه في مناسبات عديدة وبصيغ مختلفة، وتضمنها حواره المشهور مع الفيلسوف الألماني الكبير “يورغان هابرماس”. والمعروف أن الحوار النظري في المسألة اللاهوتية السياسية اتخذ في الدراسات الفلسفية والاجتماعية مسلكين رئيسيين أساسيين لكل منهما مجاله الوصفي ومقتضياته المعيارية: القول بتلازم مسار العقلنة وحركية الخروج من الدين، واعتبار النظم العلمانية تعبيراً عن منطق لاهوتي وتجسيداً لمضامين دينية ثاوية.

 

ارتبط الرأي الأول في الدراسات السوسيولوجية بعالم الاجتماع الألماني المعروف “ماكس فيبر” في نظريته حول الحداثة بصفتها نزعاً للطابع السحري الغرائبي عن العالم، وقد طور الأطروحة المؤرخ والفيلسوف الفرنسي “مارسال غوشيه” في كتابه الذي يحمل عنوان هذه المقولة.

 

إلا أن جذور النظرية تعود في الواقع إلى فكر الأنوار (الاتجاه الفرنسي خصوصاً) الذي بلور تصور العقلنة في أبعادها الاجتماعية من حيث هي تحرير للإرادة الفردية وخروج على السلطات والمؤسسات الدينية والسياسية المانعة للرشد الإنساني (الخروج من حالة القصور بعبارة كانط). للعقلنة في علاقتها بالدين نتيجتان أساسيتان من هذا المنظور: انهيار المنظومة التأويلية التقليدية للكون باستبدالها بالكوسمولوجيا الميكانيكية الطبيعية الحديثة، وانحسار المنظومة العقدية والقيمية الناظمة للمجال العمومي.

 

يرتبط بهذا التصور مسار العلمنة في لحظاته الثلاث المحورية التي يرصدها غوشيه :اكتشاف حقل المحايثة (أي الانفصام عن مبدأ الخارج المطلق مرجعا للشأن الجماعي) والفصل بين الذاتي الفردي (فضاء العقدي الإيماني) والعمومي الجماعي (ميدان القيم التوافقية المشتركة) والفصل بين المؤسستين الدينية والسياسية.

 

بيد أن هذا المسلك النظري المتجذر في الدراسات الاجتماعية يطرح أسئلة عصية نادراً ما يتم التنبه إليها في الكتابات العربية في المسألة الدينية السياسية. ومن بين هذه الأسئلة ما يتعلق بتصور العقلنة التي نظر إليها في انفصام مع النسق الديني في حين يمكن النظر إليها كإحدى نتائج وتجليات هذا النسق. وقد أدرك “فيبر” نفسه البعد العقلاني في الديانات التوحيدية من خلال مبدأ الخروج على الطبيعة وإسناد تفسير غائي متناسق للطبيعة. إلا أن الأمر يتجاوز هذا المعطى، ويتصل بمحددات الحداثة نفسها من بعض الأوجه العديدة.

 

ومن هذه الأوجه مفهوم الحرية شديد الارتباط بمقولة “التعالي” وبفكرة “المطلق المفارق” التي تعني القدرة على الخروج على النظام الطبيعي والبشري، ومفهوم “الحقيقة” كتطابق بين الفكر والموضوع، التي أرجعها “هايدغر” إلى أصول لاهوتية مسيحية، ومقولة “الذاتية” أيضاً ذات الصلة البديهية بلاهوت التجسد، مما أدركه “هيغل” وأصبح اليوم من بديهيات تاريخ الفكر الغربي. بل إن الفيلسوف الألماني “بيتر سلوتردايك” يبين في أحد كتبه الأخيرة إن فكرة “الثورة” خرجت من اللاهوت المسيحي الذي سمح للإنسان بالتغلب على الخوف من الموت وفتح له أفقاً مستقبلياً للفعل والتغيير.

 

بيد أن هذا الرأي لا يعني التصور السائد في بعض الأدبيات الإسلامية بتلازم خط العلمنة والتقليد المسيحي. إنه التصور الذي نلمسه أيضاً في الكتابات الاجتماعية الغربية (من فيبر إلى غوشيه) في تقريرها أن “المسيحية هي ديانة الخروج من الدين”.

 

فلا بد من التمييز في هذا الباب بين الإرث المشترك للديانات التوحيدية والسياق اللاهوتي المسيحي في بنيته الأصلية ومساراته الحديثة (حركية الإصلاح والتنوير). فالديانات التوحيدية تلتقي في بنية ثلاثية هي مسلمات “الخلق والوحي والبعث”، لكنها تختلف في صياغاتها اللاهوتية والعقدية لهذه المحددات الثلاث. وما يميز التقليد المسيحي هو “لاهوت التجسد” الذي ترك أثره على تصور الذات كإرادة فردية حرة متمحورة حول نفسها، وعلى مفهوم السيادة المطلقة للدولة ككل مطلق يتنزل في حالة قانونية ومؤسسية جماعية.

 

ذلك ما نبه إليه الفيلسوف الألماني “كارل شميت” في تفكيكه للفكر القانوني السياسي هو إبراز الطابع اللاهوتي الملتبس للدولة القومية العلمانية الحديثة (عمق جاك دريدا هذه الأطروحة وبسطها في أعماله الأخيرة).

 

والسؤال المطروح راهناً بعد المراجعات النقدية المستمرة لمفاهيم الذات والعقلانية والسيادة هو إلى أي حد يقود تفكيك المنظومة اللاهوتية السياسية للحداثة إلى إعادة النظر في مقولة العلمانية؟ هذا السؤال هو خلفية مقاربة البابا بنديكت السادس عشر في عودته لمقولات “الحق الطبيعي” الكلاسيكية للخروج من ما اسماه “مأزق النسبية القيمية” وأثره “العدمي” على الديمقراطية، كما أنه خلفية مقولة “المجتمعات ما بعد العلمانية”، التي طرحها منذ سنوات “هابرماس”.

 

أين موقعنا في هذا الحوار؟ هل نتشبث بمقولات الحداثة السياسية خارج أفق نقدي تلمساً لنتائجها الايجابية في مستوى التحرر الليبرالي، أم نتلهف لنقدية ما بعد الحداثة بتحميلها صبغة إسلامية تجعل منها بديلاً عن حداثة علمانية “متجاوزة” دون إدراك عميق لأبعاد وخلفيات هذا الجدل النظري الذي لسنا طرفاً فيه؟

 

معالجة هذا الإشكال تتطلب التمييز الرصين في ما تحجبه مقولة العلمانية بين اعتبارات نظرية وإجرائية تتعلق بقيم الحرية والرشد والكونية والصياغات القانونية التفصيلية لهذه القيم التي هي مقومات الحداثة السياسية.

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 10/10/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق