المسلمون الأخيار والمسلمون الأشرار

منذ 11 سبتمبر، هنالك اهتمام إعلاميّ متزايد بالإسلام، يتراءى للعديد أن يسأل، ما العلاقة بين الإسلام والإرهاب؟ قبل بضعة أسابيع نشرت الأسبوعيّة البريطانيّة “السبيكتاتور” مقالة بارزة ناقشت فيها أنّ العلاقة ليست مع كلّ الإسلام، بل مع تفسير حرفيّ جدّاً له، حذّرت من الإسلام الوهابيّ، هذا المذهب الذي كان مسيطراً في المملكة العربيّة السعودية، حيث تصدّر من هناك إلى كلّ من أفغانستان والولايات المتحدة. كان هذا الجدال يتردّد في العديد من الأوساط، ومؤخّراً في النيويورك تايمز. هذا المقال جاء استياءً من الحكمة الجديدة التي يجب أن نميّز فيها المسلم الخيّر من المسلم الشرير على حدّ سواء.

{{حديث الثقافة:}}

هل عالمنا مقسّم حقاً إلى قسمين، أحدهما يصنع الثقافة والآخر يصبح سجين الثقافة؟ هل هناك حقاً معنيان للثقافة؟ هل تشير الثقافة إلى الإبداع، إلى ما يفعله البشر في جزء من العالم؟ لكن في الجانب الآخر من العالم، يشير إلى العادة، إلى نوع من النشاط الفطري، حيث تكون قواعده مدوّنة في نصوص التأسيس الأولى، تكون دينيّة عادةً، وعلى شكل تحف في مصنوعات يدويّة مبكرة؟ عندما أقرأ الإسلام في الجرائد هذه الأيام، أحسّ غالباً أنّني أقرأ عن شعوب متحّفة. أحسّ أنّني أقرأ أناساً قيل عنهم إنّهم لم يصنعوا الثقافة، إلا في بداية الخلق، كفعل نبويّ استثنائيّ. بعد ذلك، يظهر أنّهم يسيرون فقط وفقاً لثقافتهم. ويبدو أنّ ثقافتهم ليس لها تاريخ، ولا سياسة، ولا مجادلات، وأنّهم قد تحجّروا في تقليد عديم الحياة.

يبدو هؤلاء الناس عاجزين لدرجة كبيرة عن تحويل ثقافتهم، بالطريقة التي يبدو فيها عجزهم عن إنتاج غذائهم الخاص بهم. تكمن النتيجة في إنقاذهم الوحيد، كما هو دائماً، في الإحسان، في أن يتمّ إنقاذهم من الخارج. عندما أقرأ هذا، أو شيئا من هذا القبيل، أتساءل إذا ما كان عالمنا حقاً مقسّماً إلى قسمين: على الجانب الأول، الهمج الذين يجب إنقاذهم قبل أن يدمّرونا، وعلى الجانب الآخر، المتمدّنون حيث يشكّل إنقاذ الكلّ عبئاً لهم. يخبروننا الآن أن نولي اهتماماً جدّياً بالثقافة. يقولون إنّ تلك الثقافة مسألة حياة أو موت. لكن هل حقاً صحيح أنّ سلوك الناس العامّ، تحديداً سلوكهم السياسيّ، يمكن أن يقرأ من خلال دينهم؟ هل يمكن أن يكون الشخص الذي يأخذ دينه«ها» بشكل حرفيّ، إرهابيّاً محتملاً؟ وتحديداَ حينما يفكر شخص ما بالنصّ بشكل رمزيّ أو مجازيّ لا بشكل حرفيّ، ملائم أكثر للحياة المدنية والتسامح الذي يدعو إليه؟ ربّما يسأل أحد ما كيف تترجم القراءة الحرفية للنصوص الدينية إلى الخطف والقتل والإرهاب.

ربما يعترض البعض من أنّني أصوّر كاريكاتيراً ممّا نقرؤه في الصحافة. بعد كلّ ذلك، ألا يوجد شحّ في الحديث عن صدام الحضارات، وغزارة في الحديث عن الصدام داخل الحضارات؟ أليس ذاك هو غرض المقالات التي أشرت إليها أولاً، في السبيكتاتور والنيويورك تايمز؟

الآن بعد كل ذلك، يخبروننا أن نميّز المسلمين الأخيار من المسلمين الأشرار. تذكّروا، ليس بين الجيّدين والسيّئين، ولا بين المجرمين والمدنيّين، حيث يحدث أن يكون كلاهما مسلمين، لكن بين المسلمين الأخيار والمسلمين الأشرار.

يخبروننا أنّ هناك خطّ صدع يجري عبر الإسلام، خطّا يقسّم الإسلام المعتدل، يدعى الإسلام الأصيل، والإسلام السياسيّ المتطرّف. قيل لنا بأنّ إرهابيّي 11 سبتمبر لم يخطفوا فقط الطائرات؛ بل خطفوا الإسلام أيضاً، معنى الإسلام الأصيل. هذه نسخة عن النقاش من أنّ الصدام داخل – وليس بين- الحضارات. إنّه بنائي الخاصّ، لكنّه ليس تلفيقاً. أعتبره كنسخة منوّرة، لأنّه لا يخاطب الآخر فقط بل يخاطب النفس أيضاً، وفيه القليل من آثار المركزية العرقية.

يشترك الإسلام والمسيحيّة في شيء واحد، وهو التوجّه الخلاصيّ بعمق، لدى كلّ منهما إيمان بأنّه يمتلك الحقيقة، وينهضان بأعباء الرسالة الدينية لتمدين العالم، يعتبران العالم وراء بحر من الجهل، وهو الشيء الذي يجب استرداده. فكّر، على سبيل المثال، بالكلمة العربية الجاهليّة، التي لطالما عرفتها بأنّها سيطرة الجهل. هذا الاعتقاد راسخ حتى أنّه يوجد في نسخته العلمانيّة، كما في التصور الاستعماري القديم “مهمة حضارية”، أو في نسختها الأكثر راديكالية، “عبء الرجل الأبيض”. أو ببساطة، الاعتقاد الأمريكي في القرن التاسع عشر “المصير الواضح”.

كانت هذه التصوّرات في كلا الثقافتين، المسيحيّة والإسلاميّة، موضوعاً لنقاشات مطوّلة. حتى إذا ما توجّب عليك الادّعاء بمعرفة ما هو نافع للبشرية، كيف يمكن المضيّ قدماً؟ بالإقناع أو الإكراه؟ هل تقنع الآخرين بشرعية حقيقتك أو تمضي بعرضها عليهم؟ البديل الأول يعطيك التفسير والدعوة الإنجيلية؛ الثاني يعطيك الحروب الصليبيّة.

خذ مثلاً الإسلام، وفكرة الجهاد، التي تعني تقريباً الكفاح. أحد طلابي أعطاني سلسلة من المقالات للصحفي والأكاديمي الباكستاني إقبال أحمد منشورة في جريدة الدون في كراتشي. في إحدى هذه المقالات، ميّز إقبال بين تقليدين عريضين في فهم الجهاد. الأوّل، يدعى الجهاد الأصغر، حيث يعتقد بأنّ الجهاد هو كفاح ضدّ العدو الخارجيّ للإسلام. إنّها نسخة إسلاميّة للاعتقاد المسيحي “الحرب العادلة”. الثاني يدعى “الجهاد الأكبر”، يعتقد بأنّ الجهاد هو أكثر من كفاح روحي ضدّ النفس في عالم موبوء.

كلّ هذا صحيح، لكن لا أعتقد بأنه يفسّر الإرهاب. تظلّ الشكوك تساورني حول إمكانية قراءة سلوك الناس السياسي من دينهم، أو من ثقافتهم. تذكّروا، ليس منذ زمن بعيد، ادّعى بعض الناس أنّه يمكن قراءة سلوك الناس من جيناتهم. هل يمكن أن يكون حقاً مسلم متشدّد إرهابياً محتملاً؟ أو الشيء نفسه، يهوديّ متشدّد هو إرهابيّ محتمل وفقط اليهوديّ الإصلاحي قادر على أن يكون متسامحاً مع أولئك الذين لا يشاركونه قناعاته.

أنا مدرك أنّ هذا لا يعالج قضية الثقافة والسياسة. كيف تفهم السياسة التي ترتدي عباءة الدين عن قصد؟ خذ، على سبيل المثال، سياسة أسامة بن لادن والقاعدة، يدّعي كلاهما بأنّه يشنّ جهاداً، حرباً عادلة ضدّ أعداء الإسلام؟ كيف نفهم هذا؟

أودّ أن أقترح بأن نقلب نظرية السياسة الثقافيّة رأساً على عقب. بدلاً من رؤية هذه السياسة كنتيجة ثقافة عفا عليها الزمن، أقترح بأن لا نرى كلاً من الثقافة أو السياسة كذلك، بل نراهما كنتائج معاصرة جدّاً لظروف معاصرة على حدّ سواء، العلاقات والصراعات.

بدلاً من نبذ التاريخ والسياسة كما يفعل حديث الثقافة، أقترح بأن نضع المجادلات الثقافيّة في السياقات السياسيّة والتاريخيّة. الإرهاب ليس تركة ثقافية في السياسة الحديثة. بالأحرى، الإرهاب هو بناء حديث. حتى عندما يحاول تسخير طور أو آخر من التقاليد والثقافة، يضع هذا في خدمة مشروع حديث. أودّ أن أعرض عليكم، فيما يلي، نظرة على الإرهاب المعاصر من وجهة نظر إفريقيّة.

{{وجهة نظر إفريقيّة على الإرهاب المعاصر: }}

يكتب إقبال أحمد عن صورة تلفزيونيّة من 1985، عن لقاء رونالد ريغان مجموعة من الرجال يرتدون عمائم، كلّهم أفغان، كلّهم قادة المجاهدين. أخرجهم ريغان بعد اللقاء إلى مرج البيت الأبيض، وقدّمهم إلى أجهزة الإعلام بهذه الكلمات: ” هؤلاء السادة المحترمون هم المماثلون الأخلاقيون لآباء أمريكا المؤسّسين.”

كانت أمريكا الرسميّة في تلك اللحظة تحاول تسخير صورة من الإسلام في كفاح ضدّ الاتحاد السوفيتي. قبل كشف سياستهم، اسمحوا لي أن أوضّح اللحظة التاريخيّة.

كانت 1975 سنة الهزيمة الأمريكيّة في جنوبي شرقي آسيا، وكذلك سنة انهيار الإمبراطوريّة البرتغالية في أفريقيا، وسنة انتقال مركز ثقل الحرب الباردة من جنوبي شرقي آسيا إلى جنوبي أفريقيا. السؤال المطروح كان: من سيلمّ شتات الإمبراطورية البرتغالية، الولايات المتحدة أم الاتحاد السوفيتي؟

عند انتقال مركز ثقل الحرب الباردة من جنوبي شرقي آسيا إلى جنوبي أفريقيا، كان هناك تغيير أيضاً في استراتيجية الولايات المتحدة. قبيل سنوات إنهاء حرب الفيتنام، صيغ بيان نيكسون لكن لم يتمّ تطبيقه في المرحلة الأخيرة- البيان هو “إنّ الفتيان الآسيويّين يجب أن يخوضوا حروباً آسيويّة”- وقد وضع موضع التطبيق حقاً في جنوبي أفريقيا.

عملياً، ترجم إلى قرار أمريكيّ بتسخير أو حتى تشجيع، الإرهاب في الكفاح ضدّ الأنظمة التي اعتبرت سوفييتية الولاء. في جنوبي أفريقيا، كانت النتيجة الفورية شراكة بين الولايات المتحدة والأبارتهايد في جنوب أفريقيا، التي اتّهمتها الأمم المتحدة بارتكاب “جريمة ضدّ الإنسانيّة”. سمّى ريغان هذه الشراكة بـ”تفاعل بناء”.

أصبحت جنوب أفريقيا قناة وشريكاً للولايات المتحدة في الحرب الساخنة ضد تلك الحكومات التي اعتبرت سوفييتية الولاء في المنطقة. دعمت هذه الشراكة عدداً من الحركات الإرهابية مثل: رينامو في موزامبيق، ويونيتا في أنغولا. كان إرهابهم من نوع لم يسبق لإفريقيا أن رأت مثله.

لم يكن مجرّد أنّهم كانوا على استعداد لتحمّل مستوى أعلى من الخسائر بين المدنيّين في المجابهات العسكرية- والذي تسمّيه أمريكا الرسمية اليوم خسائر عرضية. كان الشيء الجديد أنّ هذه الحركات الإرهابية استهدفت المدنيين، وسعت إلى قتلهم وتشويههم حصراً، لكن ليس كلّهم. كانت الفكرة دائماً ترك القليل منهم ليذهبوا ويرووا القصة، وذلك لإشاعة الخوف. كان الهدف من إشاعة الخوف إصابة الحكومات بالعجز.

في عقد آخر، انتقل مركز ثقل الحرب الباردة إلى أمريكا الوسطى، إلى نيكاراغوا والسلفادور. وكذلك مركز ثقل الإرهاب الذي دعمته الولايات المتحدة. لم تتسامح الولايات المتحدة مع الكونترا وتحمها فقط؛ بل غذّتها بنشاط وساعدتها بشكل مباشر، كزرع الألغام في الموانئ.

كان مركز الثقل المتحرّك للحرب الباردة السياق الرئيسي الذي تأطرت فيه السياسة الأفغانية. لكنه لم يكن السياق الوحيد. كان السياق الطفيف هو الثورة الإيرانيّة 1979. نعت آية الله الخميني أمريكا الرسمية بـ”الشيطان الكبير” والإسلام الرسمي بـ”الإسلام الأمريكي”. لكن بدلاً من معالجة القضايا – مصادر الاستياء من أمريكا الرسمية – تأمّلت إدارة ريغان خلق لوبي إسلامي مناصر لأمريكا.

كانت الخطة الكبيرة لإدارة ريغان ذات شقين. أولاً، كانت تهذي بإمكانية توحيد مليار مسلم في حرب مقدّسة، حملة، ضدّ إمبراطورية الشرّ. أستخدم كلمة الحملة، ليس الجهاد، لأنّ مفهوم الحملة يمكن أن يعرب بدقة عن الحالة الذهنية عند أخذ المبادرة الأولى. ثانياً، تأمّلت إدارة ريغان بتحويل الشقاق الديني داخل الإسلام، بين الأقلية الشيعيّة والأغلبية السنية، إلى شقاق سياسيّ. بتلك الوسيلة، تأمّلت احتواء تأثير الثورة الإيرانية كمسألة أقلّية شيعيّة.

هذا هو السياق الذي تشكّل فيه التحالف الأمريكيّ/ السعوديّ/ الباكستانيّ، وتحوّلت المدارس الدينية إلى مدارس سياسية لتدريب الكوادر. لم يشهد العالم الإسلامي جهاداً مسلحاً لقرون. لكن الآن «السي آي إيه» مصممة على خلق جهاد. كانت مصممة على وضع صورة التقليد في خدمة السياسة. علمنا إنّ «السي آي إيه» تبحث عن أمير سعودي لقيادة هذه الحملة، لم تستطع إيجاد أمير، لكنها استقرّت على الاختيار الثاني، ابن عائلة شهيرة متصلة بالعائلة الملكية عن قرب. لم تكن هذه العائلة معزولة مطموسة قبل الحداثة بل هي عائلة عالمية. عائلة ابن لادن راعية الثقافة، تمنح برامج الجامعات مثل جامعة هارفارد وجامعة ييل.

خلقت «السي آي إيه» المجاهدين وابن لادن كبدائل للقومية العلمانية. تماماً كما هو الحال في سياق آخر، في خلق الاستخبارات الإسرائيلية لحماس كبديل عن منظمة التحرير الفلسطينية العلمانية.

“الأصولية” المعاصرة هي مشروع حديث، وليس تركة تقليدية. فعندما هزم الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، أطلق العنان لهذا الإرهاب على أفغانستان تحت اسم التحرّر. كما خاضت فصائل مختلفة القتال في أنحاء الأرض المحرّرة – تحالف الشمال ضد طالبان – فقد قصفوا ودمّروا مدنهم بالمدافع.

{{قضية المسؤولية:}}

فهم قضية من يتحمّل مسؤولية الوضع الراهن، سيساعد على التقابل بين وضعين، بعد الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب الباردة، ومقارنة كيف تمّ فهم ومعالجة قضية المسؤولية في سياقين مختلفين. على الرغم مما حدث في مرفأ بيرل، فإنّ القتال في الحرب العالمية الثانية نشب في أوروبا وآسيا، ليس في الولايات المتحدة. لم تكن الولايات المتحدة هي التي واجهت الدمار المدنيّ والماديّ في نهاية الحرب. لم تظهر قضية المسؤولية لإعادة الإعمار ما بعد الحرب كقضية أخلاقية؛ بل ظهرت باعتبارها قضيّة سياسيّة. في أوروبا، جرى التأكيد على الحاجة الملحّة لتغيّر الوضع السياسي في يوغوسلافيا، ألبانيا، واليونان على وجه الخصوص. هذا هو السياق الذي قبلت فيه الولايات المتحدة المسؤولية لإعادة الظروف من أجل حياة كريمة في أوروبا غير الشيوعية، سمّيت تلك المبادرة بمشروع مارشال.

لم تكن الحرب الباردة تدور في أوروبا، بل في جنوبي شرقي آسيا، وفي جنوبي أفريقيا، وفي أمريكا الوسطى. أيجب علينا، كبشر عاديين، أن نحمّل أمريكا الرسمية مسؤولية أفعالها خلال الحرب الباردة؟ أيجب أن تتحمّل أمريكا الرسمية مسؤولية تفجير قنابل النبالم ورشّ مبيد ديوكسين في فيتنام؟ أيجب أن تتحمّل مسؤولية تشجيع الحركات الإرهابيّة في جنوبي أفريقيا وأمريكا الوسطى؟

ربما ما من مجتمع آخر دفع ثمناً باهظاً لهزيمة الاتحاد السوفيتي أكثر مما دفعت أفغانستان. قضى مليون منهم نحبهم، من أصل ما يقارب 15 مليون من السكان، ومليون آخر ونصف المليون شوّه، وخمسة ملايين آخرين أصبحوا لاجئين. كانت أفغانستان مجتمعاً يعامل بوحشية حتى قبل بدء الحرب الحالية.

بعد انتهاء الحرب الباردة وصولاً إلى10 سبتمبر من هذه السنة، أجبرت الولايات المتحدة وبريطانيا الدول الأفريقية على المصالحة مع الحركات الإرهابية. كان المطلب أنّ الحكومات يجب أن تتقاسم السلطة مع المنظمات الإرهابية تحت اسم المصالحة – كما في موزامبيق، في سيراليون، وفي أنغولا. إذا كان الإرهاب تشكّل في الحرب الباردة عند أمريكا الرسمية، فإنّه تحوّل إلى سيراليوني محلي أو أنغولي أو موزامبيقي أو أفغاني بعد الحرب الباردة. مسؤولية من تكون؟ كأفغانستان، هل هذه البلدان تستضيف الإرهاب، أم هي أيضاً رهينة الإرهاب؟ أعتقد كلاهما.

تتّصف أمريكا عادة بعدم أخذ المسؤولية عن أفعالها. بدلاً من ذلك، تبحث في العادة عن ذريعة أخلاقية قوية للتقاعس. كنت موجوداً في مدينة ديربان في المؤتمر العالمي ضدّ العنصرية عندما خرجت الولايات المتحدة منه. كان مؤتمر ديربان عن جرائم الماضي الكبرى، عن العنصرية، وكره الأجانب، والجرائم المتعلقة بها. رجعت من ديربان لأسمع كوندوليزا رايس تتحدّث عن الحاجة لنسيان العبودية، قالت: إنّ السعي وراء الحياة المتحضّرة يتطلّب منا نسيان الماضي.

إنّه صحيح، ما لم نتعلم أن ننسى، ستتحوّل الحياة إلى سعي للانتقام. كلّ منا لديه سلسلة من الأخطاء معمول بها حتى سلسة طويلة من الأجداد. لكن الحضارة لا يمكن أن تبنى على النسيان فقط. يجب علينا أن لا نتعلم النسيان فقط، بل يجب أن لا ننسى التعلّم أيضاً. كما يجب علينا إحياء ذاكرتنا، خصوصاً بالجرائم الكبرى. فأمريكا بنيت على جريمتين بارزتين: إبادة الأمريكيين الأصليين واستعباد الأمريكيين الأفارقة. ميل أمريكا الرسمية إلى إحياء ذكرى جرائم الشعوب الأخرى ونسيان جرائمها – هو سعي إلى خلفية أخلاقية قوية كذريعة لجهل القضايا الحقيقيّة.

{{الخاتمة:}}

أودّ أن أختم بقضية المسؤولية. إنّه توق إنساني للبحث عن آخرين في أوقات الشدّة. نسعى إلى الأصدقاء والحلفاء في أوقات الخطر. يميل قصيرو النظر في أوقات الرخاء إلى الابتعاد عن الآخرين. هذا هو السبب في أنّ الرخاء وليس الشدّة، هو محك الاختبار الحقيقي لكيفية تعريفنا المجتمع. وما يؤكّد هذا الاتّجاه، هو التاريخ المعاصر لكلّ من جنوبي أفريقيا، وأمريكا الوسطى وأفغانستان.

الحداثة في السياسة هي حول التحوّل من الإقصاء إلى التضمين، من الاضطهاد إلى الاندماج. بتضمين أولئك الذين أبعدوا وعزلوا في السابق فإنّنا نعطيهم حصّة في الأشياء. بفعل ذلك، نوسّع روابط المجتمع المَعيش، والإنسانية المعيشة. ربما ذاك هو التحدّي الحقيقيّ اليوم. هو الاعتراف بأنّه لا يمكن للحياة اللائقة أن تُعاش في العزلة.

أعتقد بأنّ الحضارة خلق متواصل حيث نوسّع تدريجياً حدود المجتمعات، حدود أولئك الذين نشاركهم العالم – ما يبدو بشعاً للغايةً رؤية القنابل وحزم الطعام تهطل على شعب أفغانستان الأعزل من نفس المصدر.

{{ محمود معمداني: ولد في أوغندا 1947 أستاذ في قسم الانثروبولوجيا والعلوم السياسية في جامعة كولومبيا في نيويورك، وأيضاً مدير معهد كولومبيا للدراسات الأفريقية. رئيس سابق لمجلس تنمية الدراسات الاجتماعية في أفريقيا، من بين الأصوات الهامة في المجادلات المعاصرة حول أفريقيا. وضعته مجلة “فورين بولسي” في الولايات المتحدة من بين المفكرين المِائة الأوائل في العالم في أيار 2008، والمجلة البريطانية “بروسبيكت” في شهر تموز من نفس العام كذلك.

رابط المقال : http://essays.ssrc.org/sept11/essays/mamdani.htm}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق