المسيحيون اليهود: افتراق الطرق!

قليلة جداً هي المراجع التي تتناول بالبحث مسألة المسيحيّة في قرونها الأولى. فنحن، مثلاً، لا نمتلك وثائق ذات أهميّة – باستثناء نصوص العهد الجديد التي تعتبر وثائق داخليّة بحاجة ماسّة إلى دعم من وثائق خارجيّة – حول شخص المسيح، والجماعة الأولى عموماً. مع ذلك، فقد حاولت جاهداً تقديم نصّ أقرب إلى التماسك، تناول بنوع من التفصيل مسألة افتراق الطرق، لكن هنا بين النصارى والمسيحيين، في كتابي الضخم، “النصارى”. ومن الأعمال الهامّة التي اعتمدت عليها، كتاب عنوانه، ” اليهود في أرضهم في العصر التلمودي “، أي بين الأعوام 70-640م.، للباحث غيداليا آلون، ترجمه إلى الإنكليزيّة وحرره، غرشوم ليفي، نشر ماغنيس برس، الجامعة العبريّة، 1980. وهنا أقدّم الفصل الثالث عشر من الكتاب.

للأسف الشديد، فإنّ كلّ محاولة ترجمة أيّ نتاج معرفيّ إسرائيليّ توصم من أعداء الانفتاح على ثقافة الآخر بأنها محاولة للتطبيع مع “العدو” الصهيوني. وهؤلاء أحرار في اختيار العدوّ، وأحرار أكثر في طريقة تعاملهم مع أعدائهم. نحن نرى أنّ وجود الإسرائيليين في المنطقة أمر واقع، وفهم هذا الوجود هو أوّل الطرق لقبوله أو لرفضه. من هنا، لا نقبل وصمة العمالة(التطبيع = العمالة) التي يدمغ بها أنصار الأيديولوجيات المتعبة من لا يرى من منظارهم الضيّق.

قيل كثيراً عن هذا العمل الهامّ. قال ديفيد برغر مثلاً، في New York Times Book Review، دراسة غيداليا آلون هي عمل عظيم لواحد من بضع باحثين مكّنه تمكّنه من الأدبين الربّاني والكلاسيكي من استخدام أدوات لمقاربة حقل تقصّ تاريخيّ غير عاديّ في تحدّيه، ومحظور إلى حدّ ما … سيأخذ تاريخ آلون التحريضيّ… مكانه بين الدراسات المعياريّة لعصر غامض لكنه محوريّ.

{{نص آلون:}}

يُشار إلى المقطع الثاني عشر من البركات ” الثمان عشرة ” ( ف-لامال-شينيم ) في الأدب التلمودي بعبارة ” بركة ها مينيم ” [بركة الكفّار ] – أي الصلاة المتعلّقة بالمنشقّين عن الدين1. وتعلمنا المصادر ذاتها أن هذا القسم من الليتورجيا يرجع تاريخيّاً إلى زمن أكاديميّة يافنه:

” لقد وضع شمعون هابقولي البركات الثمان عشرة وفقاً لنظامها المطلوب بحضور الربّان غملائيل في يافنه. قال الربان غملائيل للحكماء: هل هنالك من باستطاعته صياغة بركة هامينيم؟ وقف صموئيل الصغير وراح يتلوها “2.

ماذا كانت طبيعة البركة؟ كما يتبدى لنا من معظم نسخ الليتورجيا الأشكنازيّة اليوم، لا تقال أية كلمة عن المنشقين أو المينيم3. لكن كان ثمة زمن ذُكر4 فيه المينيم دون غموض. ما نريد أن نعرفه هو من كان هؤلاء؟

كثيراً ما يستخدم التلمود الكلمة، ودائماً بمعنى ” المنشقين عن الدين ” – اليهود الذين تفرّقهم اعتقاداتهم وممارساتهم الدينيّة عن باقي الشعب اليهودي5. يعتقد بعض الباحثين أن المصطلح يشير على الدوام إلى نوع أو آخر من المسيحيين اليهود، لكن هذا التعريف يصعب تأكيده، لأن هنالك مقاطع لا يمكن تأويلها.

مع ذلك، حين يتم تضييق الحقل إلى مينيم البركات الثمان عشرة، يصبح التعريف أكثر قبولاً. خاصة وأن هنالك دليلاً يقدمه لنا كثير من آباء الكنيسة. إن أول من ذكر الأمر هو يوستنيانوس الشهيد، الذي ولد وثنيّاً في ما يعرف اليوم بنابلس في نهاية القرن الأول. في ” حواره مع طريفون”، الذي كتب حوالي العام 150، يقول: ” أنتم تتفوهون، يا معشر اليهود، بلعنات ضد المسيحيين في كنسكم “. وهذا بالطبع غامض جداً؛ فليس هنالك من شيء يظهر أنه كان يشير إلى بركة هامينيم6.

لكن شهادة مباشرة للغاية تأتينا من إبيفانيوس، الذي كتب أن اليهود يشجبون النصارى في صلواتهم ثلاث مرات في اليوم. لاحظوا هنا أنه يتكلّم عن المسيحيين اليهود ( النصارى )7. كما يقول إيرينيموس، في تعليقه على إشعياء، الفصل 52، الآية 4، الشيء ذاته على وجه التحديد8.

كان هذا كل ما نعرفه تقريباً حتى العام 1925، حين تم حل المعضلة مع اكتشاف كسرات الغنيزا التي تتضمن أجزاء من الليتورجيا بحسب الطقس الفلسطيني القديم. في هذه النسخ، تقرأ بركة هامينيم على النحو التالي9:

” أرجو أن لا يكون للمرتدين أمل، ما لم يعودوا إلى توراتك، وأن يختفي المينيم والنصارى في لحظة. أرجو أن يمحوا من سفر الحياة، وأن لا يكتبوا مع الأخيار “.

{{أو:}}

” أرجو أن لا يكون للمرتدين أمل، وأرجو أن تجتث جذور الحكومة الشريرة بسرعة، في يومنا هذا. أرجو أن يختفي المينيم والنصارى في لحظة. دعهم يمحون من سفر الحياة ولا يكتبون مع الأخيار “.

إن مصدر هذا النص، الذي يصبّ جام غضبه على الحكومة ( الرومانيّة ) – مع المرتدين والنصارى والمينيم – لا يترك مجالاً للشك بأننا إنما ننظر إلى شيء قريب جداً من الصيغة الأصليّة في أيام الربّان غملائيل10. ربما تعطي الكلمات انطباعاً بأن النصارى شيء والمينيم شيء آخر؛ أو أن المينيم تسمية عامّة للمرتدين. لكن هذا يكاد أن لا يكون صحيحاً؛ لأنه لماذا كان على الربّان غملائيل أن يبدي ردّة فعل على أية هرطقة عدا تلك التي شكلت خطراً خاصاً في زمانه؟ لم يكن ثمة شيء جديد بشأن طوائف غير فريسيّة كالصدوقيين مثلاً. فهؤلاء وغيرهم كانوا كثراً في أيام الهيكل.

لذلك علينا أن نفترض أنه في تلك الكسرة الليتورجيّة، المينيم والنصوريم مترادفان، والاثنان يشيران إلى المسيحيين من أصل يهودي. هذا الافتراض يؤيده إيرينيموس، الذي يكتب أثناء حياته ( القرنان الرابع والخامس ) أنه ثمة طائفة تدعى المينيم – تعرف أيضاً بالنصارى. فيقول إنهم أرادوا أن يكونوا يهوداً ومسيحيين في آن، وانتهوا لا يهوداً ولا مسيحيين.

{{المينيم والحكماء:}}

قبل أن نضع الخطوط الخارجيّة للأنواع المختلفة من المسيحيين من أصل يهودي، ونفسّر الفوارق التي بينها، دعونا نلق نظرة على بضع نصوص من التراث تتناول المسألة ويعود تاريخها إلى زمن الربّان غملائيل. يمكن لهذه النصوص أن تعطينا فكرة حول مدى اعتبار يهوديّة القرنين الأولين من الحقبة المسيحيّة المسيحيّة من أصل يهودي على أنها مشكلة؛ وبعض الانطباعات حول ردود فعل الحكماء عليها11.

أول مقطع سنأخذه من التوسفتا؛ وهو يظهر أيضاً، مع بعض الفوارق، في التلمودين، البابلي والأورشلايمي12:

” أسطح الكتابة البيضاء وكتب المينيم13 يجب أن لا تنقذ ( يوم السبت ) بل يجب أن يسمح بإحراقها مباشرة حيثما هي موجودة، جنباً إلى جنب مع أزكاروتها14. يقول الحاخام يوسي الجليلي: في أيام الأسبوع عدا السبت، يجب أن يقص المرء الأزكاروت ويطمرها، ثم يحرق الباقي. قال الحاخام طرفون: أفقد أولادي إذا لم أحرق أياً من هذه الكتب إن وقع بيدي، الأزكاروت وغير الأزكاروت!! والواقع، أني لو كنت أهرب من مطارد قاتل، أفضّل اللجوء إلى بيت لعبادة الأوثان من أن أدخل بيتاً لمثل هؤلاء. لأن الوثنيين لا يعرفونه ( الله ) ولا ينكرونه؛ لكن هؤلاء يعرفونه وينكرونه. إنه عنهم يقول الكتاب المقدّس، ” وراء الباب والعامة جعلت تذكارك ” ( إشعياء 8:57 ). أضاف الحاخام إسمعيل: إذا كان من أجل إعادة الوئام بين الرجل وزوجته تأمر التوراة بأن الاسم الإلهي، المكتوب بقداسة، يجب أن يمحى15 – فكم بالأحرى يجب أن تمحى أزكاروت هؤلاء المينيم، ونحن نرى أنهم يبذرون الشقاق والعدوانيّة بين إسرائيل وأبيهم في السماوات! وعنهم يقول الكتاب المقدّس، ” ألم أبغض يا ربّ مبغضيك؟ ألم أمقت مقاوميك ؟ ” ( مز 21:139 ).

المسألة ذاتها موضع خلاف بين الحاخام إسمعيل والحاخام عقيبا في سيفره على العدد:

” يقول الحاخام إسمعيل: الطريقة في التعامل مع أسفار المينيم هي التالية: يقطع المرء الأزكاروت ويحرق الباقي. يقول حاخام عقيبا: يحرق المرء الشيء كلّه، لأنه لم يكتب بقداسة “16.

شيء مشابه نجده مطموراً في النص التقليدي التالي17:

” صدف مرّة أن عضّت أفعى الحاخام إليعيزر بن داما، فجاء يعقوب الذي من كفر ساما لمعالجته باسم يشو بن بانتيرا18. لم يكن الحاخام إسمعيل ليسمح بذلك، فيقول: ” بن داما، غير مسموح لك ذلك!19 “. فيجيب: ” لكني أستطيع أن أثبت أنه مسموح له علاجي 20″. مع ذلك، فقبل أن يستطيع تدبير دليله، مات. صاح الحاخام إسمعيل فرحاً: ” سعيد، أنت، يا بن داما، لأنك ذهبت بسلام دون أن تكسر الحاجز الذي أقامه الحكماء…21 “.

يوضح النص التالي أكثر موقف الحكماء من المسيحيّة من أصل يهودي في بداية القرن الثاني22:

” ألقى الرومان القبض على الحاخام إليعيزر واتهموه بأنه مين [ مفرد مينيم ]. وضعوه على منصّة ( باماه ) من أجل محاكمته. قال الهغمون ( الحاكم؟ المحكمة؟ ): كيف يمكن لرجل عجوز مثلك أن يورط نفسه بأمور كهذه23 ؟” أجاب الحاخام: ” أضع ثقتي في الديان “، كان يقصد طبعاً أباه الذي في السماوات، لكن الهغمون اعتقد أنه كان يشير إليه”. بما أنك وضعت ثقتك بي – يا ديموس! أنت بريء 24″! حين غادر الحاخام إليعيزر المنصّة كان منزعجاً لأنه اعتقل بسبب مينوت [ مصدر مينيم ]. فجاء إليه تلامذته وعزوه، لكنه لم يكن ليشعر بالاطمئنان. فدخل إليه حاخام عقيبا وقال: هل يمكن أن أقول شيئاً دون أن أضايقك؟ أجاب: قل! قال: من الممكن أن أحد المينيم قال لك شيئاً عن تعاليمهم وأبهجك؟ أجاب: أقسم بالسماء، أنك ذكرتني! كنت مرّة أتمشى في الشارع الرئيس في صفوريّة، وقابلت يعقوب الذي من كفر سخنين، وأخبرني شيئاً من المينوت باسم يشو بن بانتيرا، واستمتعت بذلك!… هذا يفسّر سبب اعتقالي بتهمة المينوت، لأني انتهكت الكتاب المقدّس الذي يقول: ” أبعد طريقك عنها، ولا تدن من باب بيتها ” ( أمث 8:5)25.

هذا النص التقليدي يكشف، من ناحية، العلاقات شبه العاديّة التي كانت تنشأ تصادفيّاً بين بعض التنائيم الأوائل وبعض أتباع يسوع من اليهود – لكنها في الوقت ذاته، تكشف الاغتراب المتنامي بين المعسكرين، مقاربة أجزاء من الهالاخاه تحرّم الحديث مع المينيم في مسائل التوراة.

السمة الأخرى للحالة يعكسها يوستينوس الشهيد ( حوار مع طريفون، 38، آ )، حين يطلب من اليهودي الندم على انه لم ينغمس في الجدل.

” كان أفضل لو أنصت إلى الحكماء، الذين علمونا أن لا ندخل في نقاش مع أي منكم. كان علي أن لا أجعل من نفسي شريكاً في هذا الحوار، لأني أسمعكم تلفظون أشياء عديدة هي تجديف صريح26 “.

{{الطوائف المسيحيّة من أصل يهودي:}}

دعونا نلقي بنظرة أكثر قرباً على المسيحيّة اليهوديّة الأصل في أشكالها المختلفة. يخبرنا عدد من آباء الكنيسة بين القرن الأول وبداية الخامس عن وجود هذه الطوائف في الشرق الأوسط، خاصة في فلسطين والأقطار المجاورة لها. لكني أؤكد هنا، أن ما يخبرونا عنه غالباً ما كان مشوشاً تماماً. من الآمن لنا أن نفترض أن الكتّاب الكنسيين لم يكونوا على علاقة حميمة خاصّة بهؤلاء الهراطقة، وبالتالي حصلوا على اعتقادات وممارسات لطائفة ما مختلطة مع ما يقابلها عند الأخرى. وهذا يسري حتى على تلك الحالات حيث رأى الكتّاب هؤلاء المينيم بأم العين، أو تلقوا عنهم تقارير مباشرة.

بالنسبة لتاريخ الطوائف المسيحيّة اليهوديّة وتطورها، لا يمكن لنا أن نتوقع من آباء الكنيسة أن يعرفوا عنها أهم الأمور. بسبب هذا، وبسبب ندرة المراجع الأخرى، لا يمكن لنا الحصول على صورة واضحة عن التطور المذهبي للجماعات المختلفة، عن علاقاتهم المتنقلة كل طائفة مع الأخرى؛ أو عن العلاقة بينهم جميعاً والشعب اليهودي، من ناحية، والمسيحيين من الأغيار، من ناحية أخرى. لكن الواضح أنه بمرور السنين لم يحافظ أي من هذه الأمور على ثباته. ويحق لنا أن نأمل أن نعرف أكثر عن تموجاتها.

مع ذلك، يمكن لنا أن نميّز أربعة أنواع منفصلة من المسيحيين اليهود:

الأبيونيّون آ

الأبيونيّون ب

النتسوريم ( النصارى ) أو النصوريم بالعبريّة القديمة

التوفيقيّون الغنوص.

العامل المشترك بين كل هؤلاء إيمانهم بمسيحيّة يسوع، ويهوديتهم. بل هم يختلفون إلى حد بعيد حتى في طريقة فهمهم لهذين العنصرين الأساسيين من طائفة إلى أخرى. لكنهم يتفقون جميعاً في الاعتراف بيسوع بشكل أو بآخر، وفي النظر لأنفسهم على أنهم يهود إن دينيّاً أو قوميّاً27.

من أجل فهم هذه الظاهرة، التي تواصلت ثلاثة قرون أو أربعة، علينا أن نعيد النظر في المراحل الأولى للمسيحيّة، خاصة في فلسطين، في السنوات التي سبقت تشكّل هذه الطوائف.

نعرف الشيء الكثير عمّا كان يجري بين المؤمنين أثناء تلك العقود التكوينيّة بين موت يسوع ونهاية القرن الأول. المصادر الأدبيّة المأخوذة من تلك الحقبة – كتابات العهد الجديد، القانونية والإكسترا قانونيّة على حد سواء – غير كافية لإعطاء صورة متكاملة عن ظهور المسيحيّة وانتشارها ونضالاتها الأولى، سواء أكانت نضالات خارجيّة ( مع اليهوديّة وعالم الأغيار، الذي تضمّن السلطات الرومانيّة ) أو النضالات الداخليّة ( بين التيارات المختلفة ضمن الدين الوليد ). لكن رغم شح الدليل المباشر، ما يزال ممكناً رسم خطوط مشهد الخطوات الأولى للمسيحيّة.

كانت الجماعة المسيحيّة الأولى تتمركز في القدس، مع أنه كان ثمة مؤمنون موجودين خارج المدينة المقدسة بل خارج البلد، وصولاً حتى دمشق. كانت جماعة القدس مكوّنة من يهود محليين، والذين انضم إليهم عدد من أخوتهم في الدين من العالم اليوناني-الروماني الذين كانوا يستوطنون العاصمة. كان الأخيرون في معظمهم من الناطقين باليونانيّة، وكانوا اعتادوا لزمن طويل التجمّع في كنس خاصة بهم، بحسب الدول التي جاءوا منها.

كان أعضاء هذه الجماعة الأولى يتصرفون كيهود في كل سمات حياتهم، يلتزمون بكل ميتزفوت لليهوديّة ، لكنهم يميزون أنفسهم عن اليهود بسمة وحيدة لا غير – بإيمانهم أن يسوع هو المسيح، وأن قدره أن يعاود الظهور كحامل للخلاص الأخير. بل كان رسل مثل بطرس ويوحنا، إضافة على أعضاء آخرين من الأبرشية، يذهبون إلى الهيكل كل يوم لعبادة إله إسرائيل28. كذلك فقد كان هؤلاء الناس يهوداً بالكامل في نشر دعوتهم أيضاً. ففي فلسطين، بأية حال، حددوا التبشير بتعاليمهم بالجالية اليهوديّة. في هذا الموقف كانوا مدعومين بالتقاليد الأولى المتعلقة بيسوع؛ فقد علّم أتباعه أن لا يبشروا بعقائده غير اليهود29.

لكن لم يمض وقت طويل حتى بدأ نشر الدين الجديد بين غير اليهود أيضاً. وكان بولس الرجل الذي عمل أكثر من أي شيء آخر في هذا المجال، فهو الرسول بلا منازع – مع أنه لم يكن في الواقع لا من الرسل الأصليين، ولا من التلاميذ الأصليين. لكن الواقع يقول إنه كان ثمة من بشر قبله بالبشارة في الدياسبورا30. مع ذلك يبدو أن معظم المسيحيين الأوائل الذين حملوا الرسالة من اليهوديّة إلى الأراضي الغريبة حصروا جهودهم بمن يستمع إليهم من اليهود. والواقع أنهم لم يكونوا على اتفاق مع أخوتهم في الإيمان الذين كانوا ينشرون ” بشارة ربنا يسوع ” بين الأغيار.

بأية حال، فمع ظهور بولس على مسرح الأحداث كان ثمة سابقة هي الرسالة إلى الأغيار. وما فعله بولس كان مبدأ مركزيّاً للدين الجديد. لقد أخذه من بلد في بلدان الانتشار إلى آخر في جولة نشاط مكثّفة لازمته من أربعينات القرن الأول إلى ستيناته.

كانت تلك القضيّة الأولى التي قسمت المسيحيين الأوائل، والتي قادت إلى صراع داخلي حاد. كانت المسألة، هل على المسيحيّة أن تستمر في النظر إلى ذاتها فقط على أنها حركة دينيّة ضمن اليهوديّة، كما كانت زمن يسوع؛ أو عليها أن تصبح ديانة لكل الناس والأمم؟ بل ثمة سؤال أكثر خطورة ظهر منذ البداية: هل على الأغيار الذين كان عليهم أن يؤمنوا بيسوع القبول باليهودية وطريقة العيش عند اليهود؟ كان أول من طرح هذا السؤال بولس وشيعته. أخيراً كان انتصارهم الذي حول المسيحيّة إلى ديانة أغيار.

لأننا لا نمتلك ما يكفي من المعلومات، نبدو غير قادرين على تقديم وصف تفصيلي للمعارك التي استعرت أوارها حول هذه القضيّة. لكننا نعرف أن بولس هو الذي كان يرجح كفة الميزان لصالح إعفاء الأغيار من المؤمنين من اعتناق اليهوديّة وإطاعة التوراة. القرار في هذا الموضوع كان قد طرح أولاً من قبل بطرس كنوع من ” التسوية “، وقبل به ” الرسل والشيوخ ” في القدس31.

لكن ذلك لم يحل المعضلة. ظل ثمة تيارات ثلاثة تجعل ذواتها محسوسة: 1) البولسي، الذي اعتبر أن مهمة المسيحيّة الأولى هي أنها رسالة للأغيار، الذين لم يعفوا بالكامل من إطاعة التوراة فحسب، بل حرّم عليهم فعليّاً الختان أو مراعاة الميتزفوت. 2) التيار المناقض بالكامل، الذي كان الناطق الرئيس باسمه يعقوب، ” أخو الرب “، قائد كنيسة القدس. لقد طالبت هذه المجموعة كل المؤمنين من غير اليهود أن يجتازوا تحولاً كاملاً إلى اليهوديّة. لم يعارض يعقوب بولس على نحو علني، لكن على ما يبدو أنه عمل كبؤرة معارضة لتعاليمه32. 3) في مكان ما بين الطرفين المتطرفين كان ثمة موضع وسط، مثله بطرس. كان موقف تسوية، فلم تحمل سمة التساوق الصارم؛ كما أنها لم تأخذ موقف المعارضة المفتوحة لبولس. لكن بينما عمل الأخير بشكل رئيس في الأراضي الغريبة ” كرسول للأغيار “، عمل بطرس أساساً في اليهوديّة ” كرسول لليهود “.

كانت تعاليم يعقوب تقول، إنه على المسيحيّة أن تحافظ في وطنها الأصلي على سمتها ” البدئيّة ” الأصليّة. باختصار نقول، إنها ظلت مسيحيّة يهوديّة. أما يعقوب ذاته، كما نعرف من هجسيبوس ( كما يستشهد به أوسابيوس )، فقد كان يذهب بانتظام للصلاة في الهيكل، وقد عرف بين اليهود بالرجل الصالح33.

من غير الخطر أن نفترض أن غالبيّة المسيحيين في القدس – واليهوديّة عموماً – كانوا من اليهود. والواقع أنه حتى بعد دمار الهيكل، كانت كنيسة القدس مكونة أساساً من المسيحيين اليهود. وهذا ما يؤكده عمليّاً كثير من آباء الكنيسة الذين يخبروننا أن أساقفة ( إبيسكوبي ) الجماعة المسيحيّة اليهوديّة حتى زمن ثورة بار كوخبا كانوا جميعاً من اليهود المختونين. من ناحية أخرى، كان في أعقاب دمار القدس أن تزايد عدد المسيحيين من الأغيار في فلسطين.

على أساس من هذه الخلفيّة يمكننا الآن نقل اهتمامنا إلى تحليل مختصر للطوائف المسيحيّة اليهوديّة:

{{الإبيونيّون آ}}

كانت هذه الجماعة تلتزم بكل أوامر التوراة، فتمارس الختان وتحفظ السبت والأعياد. وكانوا يتبعون الشكل الفريسي من اليهوديّة؛ فقد قبلوا بالتوراة، الأنبياء والكتابات على أنها نصوص مقدسّة. وحين كانوا يصلّون، كانوا ييممون وجوههم نحو جبل الهيكل، بالطريقة اليهودية المتعارف عليها. بل لم ينظروا إلى القدس على أنها ” بيت إقامة الله ” فحسب، إنما تطلعوا إلى أعادتها إلى الحياة، في نوع من الترابط مع عموم الشعب اليهودي. ولا حاجة بنا للقول، إن لسانهم كان الآراميّة اليهوديّة، وأن أسفارهم المقدسة – التوراة العبريّة التقليدية. وقد رفضوا بولس ورسائله، معتبرين أنه آثم قاد المسيحيّة بعيداً عن اليهوديّة34.

كان عندهم ميل للنسك. فقد رفضوا شرب الخمر؛ لكننا لا نعرف إن كانوا يأنفون عن تناول اللحم أيضاً. وكانوا يمارسون قطعاً كثيراً من الوضوء الطقسي. فمن ناحية، كان الوضوء سمة ممارساتهم الدينيّة اليوميّة؛ ومن ناحية أخرى، كان الوضوء مطلوباً بعد المضاجعة الجنسيّة. كان لهذه التطهرات غرضاً ثنائي الوجه: التنقي وفق المعنى اليهودي ( من الوساخة )، ووفق المعنى المسيحي ( من الإثم )35.

كانوا يعتبرون يسوع نبيّاً، ومسيحاً؛ لكنهم لم يقبلوا بألوهيته أو أنه ولد من عذراء. عوضاً عن ذلك، كان تعاليمهم تقول إنه كان ابن مريم ويوسف، وأنه كائن بشري. لكن لأنه كان إنساناً كامل القداسة، الإنسان الذي أكمل التوراة بكل تفاصيلها، فقد وجد انه مستحق لأن يصبح المسيح – إنجاز يمكن لأي إنسان تحقيقه نظريّاً. أخيراً، كان لديهم إنجيلهم الخاص – النسخة ” العبرانيّة ” من الإنجيل بحسب متى36.

{{الإبيونيّون ب}}

يتحدّث يوستنيانوس الشهيد ( الحوار XL) عن مدرستين فكريتين بين المسيحيين اليهود. واحدة منهما تنأى بذاتها عن المسيحيين الأغيار. الثانية تسعى إلى التآخي معهم، ولا تطلب منهم الالتزام بطريقة الحياة اليهوديّة. ويمكن أن يوستنيانوس يشير هنا إلى طائفتي الإبيونيين ذاتيهما اللتين كان أوريجانس يفكّر بهما، حين ميّز بينهما على أساس القبول بالولادة من عذراء أم لا37. بأية حال، فقد كان هؤلاء طائفة من المسيحيين اليهود الذين شبكوا أيديهم بايدي المسيحيين من الأغيار، آخذين منهم، إلى درجة ما على الأقل، لاهوتاً تجذّر في المفاهيم غير اليهوديّة – فكرة المسيح-الإله. ويبدو لي أن هؤلاء كانوا جماعة تقدّم فيها شهادة لا تخلو من أهميّة: التقرير الذي بين أيدينا من أوسابيوس وهيبوليتوس بأن الإبيونيين يحفظون كلاً من السبت و” يوم الرب ” ( الأحد ). وأعتقد أن هذا إنما يشير فقط إلى الإبيونيين من الجماعة الثانية.

{{النصارى:}}

هؤلاء كانوا أيضاً يهوداً ملتزمين، لكنهم قبلوا باللاهوت الخريستولوجي ككل.

كانوا يؤمنون أن يسوع هو ابن الله، المولود من العذراء ومن الروح القدس. كما قبلوا برسائل بولس. إذن، من منظور لاهوتي، إذن، كانوا يسيرون على الخطى ذاتها التي للمسيحيين الأغيار38.

قد يكون ما ميّز هذه الطائفة على نحو خاص، عدائيتها للحكماء اليهود – ” الكتبة والفريسيين “. وشاهدنا الرئيس في هذه الناحية إيرنيموس. فحين يعلّق على إشعياء 14:8 – ( ” فيكون لكم قدساً، وحجر صدم وصخر عثار لبني إسرائيل، وفخّاً وشبكة لساكني أورشليم “) – يقول إن النصارى يطبقون هذا النص على مدرستي ( ” بيتي ” ) شمّاي وهليل، ” اللذين يفسران التوراة وفق تقاليدهما ومشناءتهما، ويحرفان النص المقدّس… هذان البيتان لم يقبلا بالمخلّص، فصار بالتالي صخر عثار لهما”39. هذه العدائيّة تظهر أن النصارى كانوا قد اغتربوا بالكامل عن الشعب اليهودي، رغم التزامهم بالميتزفوت؛ لأن اليهود الوحيدين الذين بقوا على قيد الحياة بعد دمار الهيكل كانوا الفريسيين.

يعتقد بعض الباحثين أن ” النصارى ” هم ذاتهم الأبيونيون ب، كون الطرفان يؤمنون بالولادة من عذراء. لكن أوريجانس يقول دون لبس إن الجماعتين الإبيونيتين على حد سواء ترفضان رسائل بولس، في حين نعرف أن النصارى كانوا يقبلون بها. وأجد من الصعب القبول بأن أوريجانس كان مخطئاً في قضيّة من هذا النوع. كذلك ينقصني كثيراً الدليل على أن الإبيونيين ب كانوا معادين للحكماء اليهود وهو ما تحدثنا عنه آنفاً.
4) الغنوص المسيحيّون اليهود:

عدد ضخم إلى حد ما من الجماعات المنشقة في فلسطين والأقطار المجاورة خلال السنوات الأولى من الحقبة المسيحية، والتي يمكن وضعها تحت هذا العنوان، من مظاهرها الخارجيّة ككل. لكننا لسنا في موقع يؤهلنا لأن نصنف الفوارق بينها بنوع من التفصيل. مع ذلك يمكننا الإشارة إلى أربعة عناصر كانت مشتركة بينها. وهذه العناصر هي:

آ) الالتزام بشرائع التوراة، وبالشعب اليهودي – على الأقل، وفقاً لرأيهم الخاص.

ب) الإيمان بيسوع كمسيح، أو كنبي ( ربما كانوا أولئك الذين عزوا إليه قوى ما فوق بشريّة، أو إلهيّة ).

جـ) العناصر الغنوصيّة، المعبّر عنها، أولاً، في مفهوم أن المسيح كان تجسيداً لقوة روحيّة أصليّة أقامت أساساً في آدم، ثم انتقلت إلى الآباء ( إبراهيم ونسله )، وأخيراً أظهرت ذاتها في الوجود الجسدي ليسوع؛ ثانياً، في ميل إلى تمجيد العناصر الطبيعيّة كما كانت تتخيّل وقتها: الماء، الهواء، التراب والنار ( مثل إقليمنضدس المنحول )40؛ وثالثاً، في ضرب من اليهوديّة، والذي كان يرى أن الكون مكوّن من مبدأين متعارضين، الخير والشر، المحكوم عليهما بالصراع الأبدي. ولا يمكن حل النزاع إلا في مستوى عال – ملكوت السماوات.

تظهر بعض من هذه المذاهب الغنوصيّة نوعاً من التشابه مع الثيوصوفيا السرانيّة من النوع الذي كان مثاله لاحقاً الشيور قوما. وهذا يتجلّى بأوضح ما يمكن في سفر الكسائي. هذا الرائي أوحي له رؤيا رأى فيها يسوع الابن مع الروح القدس، وكان كل منهما بشكل عمود ارتفاعه 96 ميل. دوائر أخرى تظهر التأثير الغنوصيّة الوثنيّة والأديان السرانيّة الهلينيّة المشرقيّة – دون استبعاد لبعض عناصر مشبعة بالتعددية الإلهيّة ومذهب الأكوان المتعددة، تماماً كما نجد بين الغنوص المسيحيين الأغيار. وربما أن بعض النصوص من التلمود ذات العلاقة بالمينيم إنما تشير إلى هذا النوع من المنشقين على وجه الخصوص.

د) رفض جزء من الكتاب المقدّس. ويمكن أن نميّز تيارين هنا. أحدهم يعبّر عن ذاته في أدب أقليمنضدس، الذي يتضمن عملين منسوبين لأقليمنضدس الروماني، والذي هو بحسب التقليد المسيحي واحد من أساقفة روما الأوائل. هذان العملان، التمييزات والعظات، وكلاهما مسيحي كاثوليكي، يجسدان عملاً أكثر قدماً. ” مواعظ بطرس ” المكتوب على ما يظهر حوالي العام 140 في فلسطين من قبل يهودي مسيحي41. إنه يتحدث عن المراعاة التامة لليهوديّة، وضد التمازج مع المسيحيين من الأغيار؛ كما يفتح باب الجدل النقدي ضد بولس، مع أنه لا يذكره بالاسم.

نشأت هذه الوثيقة ضمن طائفة أعتقد عناصرها بالتوراة، ” التي كانت موجودة أثناء الخليقة، ومن ثم أُظهرت من جديد على جبل سيناء “. لقد قبلوا بالأنبياء أيضاً؛ أما ما رفضوه فقد كان القرابين. من هنا، فقد قالت تعاليمهم، إن المقاطع التوراتيّة التي تنظم القرابين لم تكن مقاطع أصليّة من التوراة، بل إقحامات متأخرة.

يخبرنا إبيفانيوس عن طائفة أخرى لم تقبل بكل الكتاب المقدّس ( يخلط بينهم وبين الإبيونيين ). لقد آمنت هذه الطائفة بالأسفار الخمسة الأولى من التوراة، لكنها رفضت الأنبياء والكتابات، تماماً كما لو أنهم كانوا سامريين. الأكثر من ذلك، أنهم أنكروا أبطال التاريخ اليهودي بعد موسى ويشوع، بمن فيهم داوود وسليمان، بغض النظر عن الأنبياء. بل رفضوا في التوراة ذاتها مقاطع بعينها اعتبروها ” تزويرات ” – أي، ليست من أصل موسوي.

{{الكسائيّون:}}

معرفتنا عن هذه الطائفة تأتي بشكل رئيس من هيبوليتوس وإبيفانيوس42. لكن أياً منهما لا يخبرنا شيئاً عن الشكل الأصلي للطائفة، تاركين المجال رحباً لاختلافات بين الباحثين المعاصرين. المشكلة الأساسيّة هي، هل بدأ هؤلاء الانشقاقيّون كمسيحيين يهود، أو كانوا في الأصل يهوداً فحسب؟ يتضمّن سفر الكسائي كما يستشهد به هيبوليتوس مقاطع خريستولوجيّة، كما أشرنا من قبل. كذلك فهو يسجل صيغة ليتوروجيّة رددها أعضاء الطائفة أثناء التعميد: ” باسم الإله العلي، وباسم ابنه، الملك العظيم “. السؤال هو، أكانت هذه الكلمات عناصر أساسيّة في سفر الكسائي، أو أنها كانت إضافات لاحقة؟

كما سبق وحكينا، الرأي البحثي حول الكسائيين لا ينقصه الانقسام. يعتقد معظم الخبراء أنهم بدأوا كطائفة مسيحيّة يهوديّة، أما العناصر الخريستولوجيّة فلم تكن موجودة في النسخة الآراميّة الأصليّة من سفر الكسائي، لكنها أضيفت حين عملت نسخة يونانيّة من السفر43. ووفقاً لهيبوليتوس، جاء أحد الألسيباديين، الذي يرجع أصلاً إلى بلدة أفاميا السوريّة، إلى روما في بداية القرن الثالث مع كتاب حصل عليه من رجل مقدّس يدعى الكسائي والذي تلقاه بدوره من أحد الملائكة. يخمّن برانت ( وأعتقد أنه كان محقّاً تماماً ) أن الطائفة في زمن معين أثناء القرن الثاني احتكت بالمسيحيين، وانجذبت إلى المسيحيّة. ونعرف من إبيفانيوس أن كثيراً من الشيء ذاته حدث للأبيونيين والمسيحيين اليهود الآخرين، إضافة إلى من بقي من الأسينيين. وهكذا فإنه عندما قام بعض المؤمنين بنشر مذهبهم بين مسيحيي أوروبا، كان من الطبيعي أن يدخلوا إشارات خريستولوجيّة في النسخة اليونانيّة من سفرهم.

” ظهر ” الكسائي في منطقة الأردن شرق البحر الميت في السنة الثالثة لحكم الإمبراطور تراجان، أي، في العام 100. وراح يبشّر بالالتزام بطريقة الحياة اليهوديّة بكليتها، ويقول إنه نبي. أقوال له جرى نقلها إلى اللغة اليونانيّة وقد دونها إبيفانيوس، الذي كانت محاولته لتفسير ذلك غير صحيحة. لقد قام باحثان يهوديّان معاصران بفك رموزها على نحو صحيح تماماً عبر واحدة من أقدم الشيفرات: التشراق، أي، الأبجدية العبرانيّة إذا قرأت معكوسة. وإذا ما فكينا التشفير، يمكن أن نقرأ الرسالة كما يلي: ” سوف أشهد لأجلك في يوم الدينونة العظيم “.

يحض هذا الشخص الذي أعلن نفسه نبيّاً أتباعه بأن يتوجهوا شطر القدس في صلواتهم. عنصر هام آخر في تعاليمه هو التوبة عن الآثام عبر الارتماس الطقسي ( بملابسهم، وبمياه جارية ). قد يكون برانت محقاً حين يقترح أن المقصود بذلك كان أن ينوب عن القرابين، فقد كان الهيكل مدمراً أثناءها44. قد يكون محقاً أيضاً في تفسيره لما يلي من سفر الكسائي: ” يا أبنائي، لا تتبعوا منظر النار… بل اذهبوا خلف صوت الماء “. وهذا تعبير واضح عن العدائيّة للقرابين؛ لكن برانت يقترح أن الأمر موجه أكثر ضد القرابين المنتشرة للوثنيين، أكثر منها القرابين التي تصفها التوراة؛ وكانت دعوة للمهتدين من الأغيار بأن لا يشاركوا فيها. ( أميل إلى الاعتقاد بأن الكسائي كان ضد القرابين مبدأياً، كما كان كثير من اليهود قبل دمار الهيكل – حتى قبل ولادة المسيحيّة ).

يحرّم الكسائي الارتماس يوم السبت. ويتضمن مذهبه بعض العناصر الفلكيّة وبعض التأثير الغنوصي، خاصة في موقفه من الطبيعة. لكن بتعابير عريضة يمكن القول إن هذه الطائفة بدأت حياتها كحركة يهوديّة، ولم تتطوّر إلى شيء مختلف إلا لاحقاً.

مقولتان في تعاليم الكسائي لهما أهميّة خاصّة في التاريخ اليهودي. الأولى النبوءة الخاصّة به، التي قيلت على ما يظهر في العام 11:

” بعد ثلاث سنوات من غزو تراجان للبارثيين سيكون ثمة حرب بين ملائكة الشر، وسوف يتم تدمير كافة ممالك الشر “.

هذه نبوءة حول نهاية الأيام المرتبطة مع الحرب بين روما وبارثيا، مقولة تظهر أيضاً في المصادر التنائية من القرن الثاني.

النقطة الثانية متعلّقة بقاعدة قدمها الكسائي، يقدمها إبيفانيوس. وبحسب هذا الأمر، يمكن للمرء انتهاك الوصايا تحت الإكراه، بل يمكن للمرء في أيام الاضطهاد أن يظهر الإجلال للأوثان في سلوكه الشخصي الخارجي، شريطة فقط أن يبقى مخلصاً لإيمانه بينه وبين ذاته. وكدليل على ذلك يورد حالة أحد الفيناس، وهو كاهن في العاصمة الفارسيّة سوسا في أيام الإمبراطور داريوس، الذي أجبر بالقوة على الانحناء لأرتيمس، وأذعن كي ينقذ حياته.

نحن نعرف الآن أن الغنوص المسيحيين سمحوا بهذا النمط من الفعل أثناء الاضطهادات ضد المسيحيين. كان ثمة آراء متباينة بين اليهود. قال بعضهم: ” دعهم يقتلونك، أفضل من أن تنتهك وصيّة واحدة “. الهالاخا وافقت على هذا إلا إذا كان ثمة هجوم مباشر على اليهوديّة ككل. في مثل تلك الأوقات ” حتى طريقة ربط خيط الحذاء ” كان لا بد من الدفاع عنها ( سنهدرين 74 ب ). من ناحية أخرى، كان ثمة من علّم كما يلي: ” اجتنبوا الاستشهاد، باستثناء من أجل ثلاث وصايا أساسيّة “؛ والحاخام إسمعيل الذي قال إنه مسموح دائماً انتهاك الشريعة إذا كانت حياة المرء في خطر. ( أعاد التقليد تفسيره بحيث يعني: بشكل خاص، حين لا تكون ثمة مسألة تضليل للآخرين ).

السؤال التاريخي الذي يطرح ذاته، أي نوع من الاضطهاد حفّز على تعاليم إلكسائي؟ إذا سرنا خلف المدرسة الفكريّة التي تنظر إلى الكسائيين الذين كانوا منذ البداية مسيحيين يهود، فسوف لن تكون هنالك مشكلة: الاضطهاد حصل في ظل تراجان، بين الأعوام 105 و110، حين كان يتم تعقب المسيحيين اليهود إضافة إلى كل المسيحيين الآخرين. لكن إذا قبلنا بنظريّة برانت التي كانت ستجعل الطائفة يهودية صرفة في ذلك الوقت، فسيبقى السؤال بالتالي دون إجابة. وأؤكد أن برانت يقدّم التي تقول إنه تزامناً مع الاضطهادات ضد المسيحيين، كان هنالك إجراءات اتخذت أيضاً ضد اليهود. لكن لا يوجد كسرة من دليل يدعم هذا التخمين. من ناحية أخرى، تماماً كما اعتقل الحاخام إليعيزر بسبب مينوت في ذلك الوقت، فقد وجهت الشكوك ذاتها ضد الكسائيين.

أفضّل أن أقترح نظريّة أخرى. كما أفهم الأمر، يمكن ربط القضية ” ببوليموس πόλεμοσ كويتوس “. ففي السنوات 116-117، حين كانت حركة المقاومة في اليهوديّة ناشطة تماماً، لم يكن ممكناً للآمر الروماني المحلي أن يفرض إجراءات قسريّة ضد اليهوديّة دون إذن السلطات العليا؟ إذا كان ذلك ما حدث بالفعل، فسوف يكون دليلاً إضافيّاً على الزعم بأنه في ذلك الوقت كانت الطائفة جزءاً لا يتجزّأ من الشعب اليهودي في وطنه الخاص.

{{خلاصة:}}

ما الذي دفع بحكماء يافنه إذاً لوضع المسيحيين اليهود خارج الحظيرة اليهوديّة؟ بل لماذا نظروا إليهم أحياناً على أنهم أسوأ من المسيحيين الذين لم يكونوا يوماً يهوداً؟

حتى وقت دمار الهيكل، لم يأخذ الفريسيون أية إجراءات عقابيّة ضد اليهود الذين آمنوا بيسوع، حتى لو أنهم بين الفينة والأخرى اعتبروهم خطأة. والواقع أن الكاهن الأكبر أرسل بولس الطرطوسي إلى دمشق للقيام بخطوات ضد المسيحيين اليهود، وفق ما يقول سفر أعمال الرسل. بل يزعم يوستنيانوس الشهيد، في الحوار مع اطريفون، أن السنهدرين في القدس اعتاد أن يرسل وفوداً ومرسلين إلى الدياسبورا لإدانة المسيحيين. من ناحية أخرى، يمكن أن نقرأ في سفر الأعمال أن الربان غملائيل دافع بنجاح عن الرسل ضد حكم الموت الذي أراد الصدوقيّون والكاهن الأكبر فرضه عليهم45. على نحو مشابه، يخبرنا يوسيفوس كيف أن أونياس بن أونياس الصدوقي دعا السنهدرين إلى الحكم على يعقوب، أخي يسوع، بالموت، في حين أظهر ” رجال القدس ” – أي، حكماء الفريسيين – تذمراً هائلاً. فقد ذهبوا بالمسألة إلى أغريبا الثاني، وطلبوا منه توقيف تلك الأمور التي تجري على قدم وساق. بل قاموا بخطوة لاحقة، حين أرسلوا احتجاجاً إلى ألبينوس، الحاكم الجديد لليهوديّة46.

لكن كان ثمة عاملان أديا إلى تبدّل راديكالي للجو. الأول كان أن المسيحيين اليهود أداروا ظهورهم للمسألة القوميّة عند الشعب اليهودي، في أوقات الأزمات القوميّة. وفي تقرير أورده أوسابيوس47، يخبرنا هيجيسبوس كيف أن الكنيسة الأم في القدس تركت المدينة محاصرة عام 68، وذهبت إلى بيلا. والثاني، حين رسمت خطوط المعركة ضد الاحتلال الروماني في ثورة بار كوخبا، رفض المسيحيون اليهود أن يحسبوا أنفسهم على الطرف اليهودي.

ثانياً، أدى دمار القدس والهيكل إلى شعور بالانبعاث القومي ومن ثم رص قوي للصفوف. وكان سيبدو أن الأمة لم يعد باستطاعتها إعطاء الحريّة التي سمحت من قبل بوجود مدى واسع من الطائفيين والانشقاقيين. ( قد يكون هذا سبب اختفاء الصدوقيين والأسينيين )48.

ثالثا، بمرور الوقت، مالت الطوائف المسيحيّة اليهوديّة لأن تختلط الواحدة بالأخرى. والأبيونيّون أنفسهم انقسموا، حيث اقترب أحد الأجنحة أكثر ( الأبيونيون ب ) من المسيحيين الأغيار.

لذلك من الممكن القول إن بركة ها مينيم ككل كانت موجهة أصلاً ضد تلك العناصر التي ضمت الأيدي إلى المسيحيين الأغيار، ورققت يهوديتهم إلى درجة كبيرة فحسب. ربما لم يكن ثمة أحد ضد الإبيونيين آ بأية حال. وإذا نظرنا عن قرب إلى النصوص التي تظهر بعض حكماء يافنه ( حاخام جوشوا، الربان غملائيل ) وهم يواجهون المينيم، فسوف نجد أن الأخيرين هم على الدوام شعب فصل ذاته عن الشعب اليهودي، خاصة عن آماله المستقبليّة. ونقرأ ، على سبيل المثال، عن موقف الحاخام جوشوا بن حنانياه في قصر الإمبراطور، حين يدلّه أحد المينيم ( يظهر أنه مسيحي يهودي ) إلى الإشارة بأن الله أدار ظهره إلى شعبه ( حاغيغاه 5 ب ). والواضح أن هذا المذهب في رفض ” إسرائيل القديمة ” كان عائقاً لا يقهر. قصة مشابهة تتضمن الربان غملائيل ذاته49. وحين نقبل بهذا الرأي فنحن سيكون لدينا تفسير لكل تلك الحوادث التي نجد فيها الحكماء يتواجهون مع المسيحيين اليهود في القرنين الثاني والثالث. وسنكون قادرين على الافتراض أن هؤلاء هم المنشقون الذين لم يتخلّوا عن هويتهم اليهوديّة50.

بأية حال، من المرجح أن عملية الاندماج بين هذه الطوائف المختلفة خلقت وضعاً لم يعد باستطاعة الحكماء اليهود فيه التفريق بينها؛ وفي تكتيلهم جميعهم معاً، تم إخراجهم من الحظيرة اليهوديّة. لكن الحقيقة تبقى أن ” الطوائف ” الموالية لم توضع قط في المستوى ذاته الذي للآخرين.

ماذا كان إذن غرض بركة هامينيم؟ بعتقد معظم الباحثين أنها صممت من أجل إبعاد المينيم عن الكنيس، وربما أنهم على حق في ذلك. لكن الأصح ربما القول إن ذلك كان النتيجة النهائية، لا الهدف الأصلي. ومن المرجح أن النية الأساسية كانت في جعل كل اليهود يعرفون حقيقة أنه يجب النظر إلى المينيم كمرتدين، وبالتالي لم يعد ممكناً اعتبارهم يهوداً.
مهما كانت الطريقة التي ننظر بها إلى الأمر، سوف نظهر أن بيت دين الربان غملائيل في يافنه أخذت خطوة محتومة، خطوة كان سيكون لها نتائج تاريخيّة بعيدة المدى. لقد أعلنوا بتعابير لا لبس فيها أنه لم يعد ممكناً إعتبار المسيحيين اليهود جزءاً من الجالية اليهوديّة ولا من الشعب اليهودي51.

{{تفاسير من المترجم:}}

ليس من السهل على المثقف العادي ولوج عالم المصطلحات الدينية أو العلمانيّة اليهودي. ومنعاً لأي تفكير بالاستعراض الثقافي، رأينا أنه من الواجب شرح بعض مصطلحات النص، التي قد تبدو عصيّة على غير المهتمين باليهود، تراثاً وحضارة وديناً.
الأغيار:

يستخدم أحياناً المصطلح ” أمم “. كانت في البداية تعني أمة أو قبيلة، وقد وردت في سفر التكوين ( 2:12 ). גוי ( غوي ) بالعبريّة ( جمع غوييم ) صارت تستخدم عند غير اليهود بنوع من الإشارة إلى عنصريّة بني إسرائيل، مع أن المعنى الأصلي للمصطلح حيادي بالكامل. تطور المصطلح ليعني غير اليهود ( باللاتينيّة gentilis ). وفي النص السابق يستخدم على الدوام ليعني المسيحيين من غير القادمين من أصل يهودي.

{{غاؤون:}}

كلمة يهوديّة تعني العالم في الدين من العصور الوسطى. والمعنى الحرفي لغاؤون هو سعادته.

{{تانا}}

هم الحكماء الذين وردت آراؤهم في المشنا، التي تعود إلى الأعوام 70 إلى 200. هذا يعني أن الحقبة التنائية استمرت نحواً من 130 عاماً. قبل التنائيم كان لدينا طبقة مشابهة من العلماء، اسمهم الزوغوت؛ أما بعدهم فلدينا الأمورائيم ( مفردها: أمورا ).

{{توسفتا:}}

نصوص من الشرع الشفوي اليهودي من حقبة المشناه.

{{سيفري:}}

تشير إما إلى أحد نصي المدراش هالاخا، أو إلى التفاسير الكتابية اليهوديّة التقليديّة، اعتماداً على سفري باميدبار ( العدد ) أو دفريم ( تثنية ).

{{هالاخا وأغاداه أو هاغاداه:}}

بتبسيط شديد، الهالاخا تعني الجانب التشريعي من التراث اليهودي، والأغادا أو الهاغاداه تعني الجانب الروائي أو القصصي، الذي غالباً ما يكون ميثولوجياً.

{{يافنه:}}

مدينة يهودية قديمة، وسط إسرائيل حالياً.

{{بيلا:}}

بلدة طبقة فحل شمال غرب الأردن حالياً، وتبعد عن عمّان 78 ميلاً. اشتهرت بأنها مع بويريا ( شرق اللاذقيّة جنوب أنطاكية ) كانتا عاصمتي شيعة النصارى التي انقرضت. هل يمكن أن نربط بالتالي بين نصيري ( الاسم القديم للعلوي ) ونصراني؟

{{بوليموس كويتوس:}}

بوليموس ( باليونانيّة: حروب ) كويتوس، ونقصد بالتالي حروب لوقيوس كويتوس، الذي كان قد غزا مناطق اليهود في بلاد ما بين النهرين، ثم أضحى رئيس الجيش الروماني في فلسطين. قام الرجل بحصار ليدا حيث كان اليهود قد تجمعوا؛ وبدا الكرب وقتها لا يحتمل حتى أن الربان غملائيل الثاني، الذي كان مع المحاصرين، أباح للجمهور حتى الصوم أثناء الحنوكاه؛ مع أن غيره من الحاخاميم، مثل جوشوا بن حننيا، أدانوا هذا الإجراء.

{{شيور قوما:}}

جزء من الأدب الهالاخي، يهتم أساساً بمعايير الله؛ لكن العلماء يختلفون فيما بينهم حول منشأ هذا النص، إن في الزمان أو في المكان.

{{ميتزفوت:}}

كلمة عبريّة تستخدم دينياً من أجل الإشارة إلى الوصايا التوراتية التي يصل تعدادها إلى 613 وصيّة؛ وقد أضاف الحاخميم إليها سبع وصايا حتى يصبح العدد 620.

{{أزكاروت:}}

المقاطع من الأسفار التي تحتوي لفظ الجلالة، خاصة يهوه.

{{خرستولوجيا:}}

كلمة من جذر يوناني تعني العلم المتعلّق بالمسيح.

{{يشو بن بانتيرا أو بانديرا:}}

التسمية التي تطلقها اليهوديّة التقليدية على المسيح، يسوع بن مريم. وتفسيرها كما يلي. يشو مأخوذة عن اسم يسوع باليهودية، يشوع أو يشيعياهو؛ يشو هي اختصار لثلاثة أحرف عبريّة، معناها: ليمح اسمه وذكره. بانديرا أو بانتيرا، مأخوذ عن باندير اللاتينيّة، التي تعني قواداً.

{{بارثيا:}}

وتعني، كما هو واضح، فارس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق