«المشكلة هي أنتم… والحل نحن» / إياد العبدالله

«الإخفاق سببه أنتم، المشكلة هي أنتم»؛ يضمر هذا القول عادة أن «الحل هو نحن». لقد وضعت الحداثة العرب والمسلمين أمام سؤال التقدم والتأخر منذ القرن التاسع عشر. فالسؤال: لماذا تقدم الآخرون وبقينا نحن متخلفين، كان بأحد معانيه، سؤال عن الذي «عندنا» والذي «عندهم». سيستجيب أغلب النشاط السياسي والثقافي في ذلك القرن لهذا السؤال، باحثاً عما «فينا» و«فيهم»، وواضعاً أسباباً متعددة ومختلفة عن أصل هذا التأخر. وسترث الأحزاب الجماهيرية في زمن لاحق هذه الإشكالية، وإن بلغة مختلفة وأكثر جذرية وتسييساً. أغلب هذه الأحزاب والقوى، وبالتالي الثقافة التي حايثتها، كانت ذات نفسٍ تغييري. هذا الواقع يجب استبداله، أو تقويمه على الأقل. وما يقف في وجه هذا الهدف عوارض كالتخلف أو الغرب أو الإسلام… إلخ.

 

بوجه ما، لم تكن هذه المسميات الأخيرة، في سياق الممارسة والتنظير في السياسة العربية، إلا إشارة إلى وقائع أو جهات اجتــماعية وسياسية أو أخلاقية يجب أن تتحمل هي وزر تخــبط الواقع. الإسلاميون يجدون أن العلمانية بما هــي بذرة غريبة وفاسقة هي المشكلة، ليكون الإسلام بالتالي هو الحل. وكذلك علمانيــون يــرون في الإسلام هو المشكلة، وهنا العلــمانية هي الحل. أهل الديــموقراطية يرون في الاســتبداد المشــكلة، فالديــموقراطية تالياً هي الحل.

 

والنظم الحاكمة ترى بكل من سبق هو مشكلة، وبعضهم طابور خامس بنظرها، ولا حل بالتالي إلا هي. وليس للحل هنا، عند هؤلاء مجتمعين، أي مستند تجريبي واقعي محسوس يمكن الركون إليه والسير بهديه والمقارنة، ولا هو ناتج تفكير منطقي يعتدُّ بيقينية نتائجه. بل إنه ينجرّ إلى القياس على لحظة ذهبية أو مثال ذهبي تتحول إلى مثال يقاس عليه كل سابق ولاحق عليها. هذه اللحظة الذهبية التي وجدتها الإسلامية في الإسلام الباكر، سبق وأن عاشتها الشيوعية العربية في استذكار ثورة أكتوبر في روسيا، وكذلك العروبة في توهم مساحة تاريخية كان فيها للعرب ما كان من عظمة ومجد، قبل أن تنساق هذه العروبة في ما بعد إلى «تذهيب» مرحلة هذا الحاكم أو ذلك الحزب الذي سيغدو امتداداً خارقاً، أو استعادة خلاقة لما سبق من تاريخ مجيد!

 

ليس «الحل» بالتسمية المنزهة عن الأغراض، لمجموعة من المخارج والسياسات التي تروم وضع حد لحالة التقهقر والتأزم التي أمست عنواناً لجوانب مختلفة من جوانب الحياة في هذا الجزء من العالم؛ بل إنه ـ أي الحل ـ ترتيب أيديولوجي يكمن في أساسه نزوع الهيمنة والتسلط على المجتمع، ونزوع إلى تأويل العالم وأحداثه، وفق مطابقة أيديولوجية تمعن، غالباً، في تبسيط كل شيء إلى درجة البلاهة والسذاجة ولا تحتفي إلا بالتعبئة والحشد. فالأمور واضحة ولا شيء يدعو إلى القلق والبحث، ومن لا يراها على هذا النحو هو إما في ضلالة أو خيانة. والتردي الذي نعيشه يكمن وراءه هذا الرجل/ الحاكم، أو تلك الطبقة أو الطائفة أو ذلك المشروع أو الحزب أو الغرب، لا شيء آخر يستحق الذكر! لا مطابقة أيديولوجية من دون عدو يختزل كل الكوارث، وتاريخ ذاتي تتوزع عناوينه بين النقاء والطهارة والتضحية، وسعي إلى بناء تضامنات قطيعية كورالية تنأى بأفرادها عن إمكانية الشك والتساؤل والبحث في احتمالية أن يكون موضع الخلل ليس في هذا الشخص أو تلك الجماعة أو الفكرة وحسب، ولربما هو الفشل في بناء فضاء دستوري عام، سياسياً وثقافياً وأخلاقياً، والجميع مسؤول عن هذا الفشل إلى هذا الحد أو ذاك.

 

«الحل»، بما هو مطابقة أيديولوجية، مشغول بهستيريا الحقيقة وإنتاجها أو اكتشافها أو اختراعها وتصديرها. وقد وفرت الظروف في المنطقة العربية، لهذه الحلول جميعها أن تتكرس كواقعة سلطوية تحتكر المعرفة والأخلاق ومصائر البلاد والعباد، وعلى رغم هذا تتشابه عناوين الأزمة إلى حد التطابق غالباً، بين هذا البلد أو ذاك! فلماذا ما زالت عصية على المساءلة والسخرية؟

 

عن جريدة الحياة 29/1/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق