المشهد التشكيلي العراقي من مرحلة العزلة الى مرحلة الاحتلال / سعد القصاب

المشهد التشكيلي العراقي من مرحلة العزلة الى مرحلة الاحتلال / سعد القصاب

بات التطلع إلى المشهد التعبيري الذي ينطوي عليه المحترف الفني العراقي، أمرا يثير الحيرة والالتباس معا. انه متعدد بامتياز. يبدأ من حالة التبرير ولا ينتهي إلى عقد المقارنات. كثير الانشغال بلحظته الجمالية لكنه مهموم أيضا بمقاصد السياسة. لم تشفه رحابة الغربة من صدمة الاحتلال، فيما امتثالية العزلة لا تدله على الجديد في الداخل: الوطن. هذا المشهد التعبيري لا يزال صنيعة الفنانين وتجاربهم. هم ليسوا هنا والآن فقط، بل هناك ومن قبل. تعيين لا يمكن بلوغه وإدراكه إلا عند الاستعانة بدلالتين مكانيتين، "الداخل" و"الخارج". المحترف الفني العراقي يضمّهما معا، في مشهد يفترق إلى زمنين مختلفين، وطني وعالمي. تجارب تتمسك بالحداثة لفنانين داخل وطنهم، وأخرى معاصرة، ما بعدية، لفنانين في المهجر. بعضهم آثر البقاء في مشغله وبعضهم الآخر، الأكثر، اضطر للرحيل إلى المنفى. المسألة تتعدى أي خيار جمالي، بل هو بأسباب ثلاثية: الحرب والسياسة والاحتلال. 

في التسعينات من القرن المنصرم، ما بعد حرب الخليج الثانية، وبعد انحسار دور المؤسسة الفنية الرسمية وتضاؤل دعمها للعملية الفنية، حقق انتشار قاعات العرض الأهلية في بغداد، أثرا لافتا احتفظ بأهميته بين أوساط الفنانين والمثقفين وجمهور الفن. كان العراق وقتئذ بلدا محاصرا، يشهد أوضاعا ثقافية واجتماعية واقتصادية بالغة السوء.

"حوار"، "بغداد"، "اينانا"، "دجلة"، "أثر"، "الإناء"، "الميزان"، "الاورفلي"، "أكد"، "نظر": قاعات العرض هذه، لم تكن مشاريع تأسست بدعم أو رعاية من جهة رسمية ثقافية أو غيرها، بل بأثر جهود ذاتية وفردية لأصحابها. دافعهم شغف التعاطي مع الشأن الثقافي والفني. كانت أماكن خاصة لتجمع الخلاّقين والمثقفين، ونافذة اطل منها متابعو الحركة التشكيلية على خبرات وأساليب جمالية وفنية، سواء عبر المعارض الشخصية أو الجماعية التي كانت تعرض بين أروقتها. كما إنها أوجدت فرصة لاقتناء العمل الفني، ما جعلت الفنان العراقي قادرا على البقاء.

 

مقتنو الاعمال الفنية، غالبا، هم مراسلو الوكالات والصحافيون الأجانب، موظفو لجان التفتيش الدوليون، ديبلوماسيون غربيون، تجار فن، رجال أعمال عرب وأوروبيون. من القادمين الذين تعاملوا مع بغداد بوصفها مدينة تعيش على حافة الهلاك بأسباب قسوة الحصار الدولي. زخم النشاط الفني وانحساره محليا صار كأنه البديل من ضآلة، بل من انعدام المشاركة الفنية في غالبية المهرجانات والبينالات والأنشطة الفنية، العربية منها أو الدولية.

في تلك السنوات العجاف، لا مكان يدل إلى "الآخر". إذ أصبح الفنانون كأفراد قرية قصية، حدودها نهاية الأرض بينما عاداتهم ليست إلا خبراتهم الوحيدة.

أمام واقعة العزلة هذه، كانت المؤسسة الأوروبية الثقافية الوحيدة في بغداد هي المركز الثقافي الفرنسي، الذي يقع في شارع ابي نؤاس المحاذي لنهر دجلة في جانب الرصافة. بعض أنشطته الفنية المقامة بشكل شبه دوري، اتخذت لحظة فضول عند الفنانين لمعرفة ما يشغل الثقافة الأوروبية، الفرنسية منها خصوصاً، حيث شهدت قاعة العرض فيه معارض لفنانين فرنسيين، عدا استضافتها معارض لفنانين عراقيين من أجيال مختلفة. شكّل وجود ذلك المركز نافذة للاطلاع على تجارب تشكيلية أوروبية، لكنها قلما أثارت حماسة الفنانين في بغداد، فهي أيضا حداثية، لا تخلو رؤيتها من هاجس التجريب والتوقع.

لكن الفنان الذي كان يواجه عوزا اقتصاديا، كان أيضا على مبعدة ثقافية مما كان يشهده الفن من انتقالية، ومن قطيعة مع الإرث الصوري للحداثة على المستويين الإقليمي والعالمي، بظهور حركات معاصرة تحيي نزاعاً لا يهدأ لتكريس حساسية جمالية مفارقة وانبعاث فن جديد تختلف فيه الموضوعات والتقنيات والأفكار. كانت تسميات مثل الفن المفاهيمي، الفن التركيبي، فن الحدث، فن الفديو، وما هو بعد حداثي من اتجاهات أسلوبية، في جانب كبير منها، تسميات غامضة ومربكة. لقد كانت الثقافة العالمية المعاصرة حاضرة بشكل يكاد أن يكون تعريفيا وليس كمعرفة راسخة.

تداخل التأثير الإنساني للحصار مع التأثير النفسي والفني والثقافي للفنان، حيث الشعور بالعزلة، وغياب الاتصال مع فضاء أرحب من فضاء فني بات محليا وضيقا، تداعت فيه الاهتمامات الفنية والثقافية بأثر إجراءات الحصار على الصعد كافة. كان ثمة هاجس يلح للبحث عن منفذ للنظر إلى الخارج. 

وحده الطريق الذي شهد رحلة الذهاب الى العالم والإياب منه، هو طريق بغداد – عمان البري. ذلك أن العالم لم يسمح للفنان العراقي بالذهاب إلى الأبعد إلا بوصفه لاجئا سياسيا. وحدها مدينة عمان استضافت معارض للفن العراقي تضاهي ما أقامته بغداد. كانت مدن مثل بيروت ودمشق والقاهرة وبعض مدن الخليج العربي بعيدة ولم يكن ممكناً بلوغها إلا بمشقة تامة.  

عقد التسعينات، كان أيضا تاريخا من حكايات يحتفظ بها عدد من الفنانين المنفيين حول كيفية إقناع مكاتب الهجرة بقبولهم لاجئين. أصبح الفنان العراقي وحيدا إلا من أعماله التي حملها معه، بعد ذلك، عند الوصول إلى بلدان المهجر.

 

ما تبقّى من الحداثة

 

 

التجربة الوحيدة التي تعاطت رؤية ما بعد حداثية، تمثلت في إقامة معرض شخصي للفنان عادل عابدين، في إحدى قاعات العرض الأهلية، بغداد، عام 2002. كان المستوى الأكثر إثارة في هذه التجربة، يتمثل في عمل تركيبي مؤلف من 75 قناعا نحتيا مدوّرا، مستنسخا لوجه الفنان، ومن مادة الجبس، مطليا بلون رصاصي كدلالة بصرية عما هو محايد، يتوزع بارتفاع أحد جدران القاعة، فيما كاميرات وشاشات عرض موزعة في اتجاهات أربع في مركز الصالة تراقب فضاء العرض وموجوداته، وأصداء التعبير لدى المتلقي. إيحاءات المشاهدة المفترضة، وحضور المتلقي عند إشغاله حيزا في فضاء العرض ذاته، وفكرة المعرض الذي سمّاه الفنان "ارض"، تتمثل لحظة تعبير لفنان يراقب بدوره عالماً بات تقنيا بإسراف، استبدل فيه سحر المشاهدة بالاستهلاك، واستبدلت متعتها البصرية بحس التفسير.

 

معرض عابدين كان التجربة الأخيرة التي تعدت لوحة الحامل في المشهد التشكيلي في بغداد.

ثمة اتجاهان مكرسان في هذا المشهد، بدأا معا من تمسكهما بالنوع الفني، اللوحة، العمل النحتي، وقطعة الخزف. لا تجارب فنية تتجاور فيها هذه الأنواع، وكأن لحظة مغادرتها انتفاء لصفة الفن عن التجربة. تلك كانت حكمة أصولية للدرس الفني تلقاها طالب الفن ويجب عدم التفريط بها. أشير إلى أساتذة للفن كانوا، أيضا، فنانين كباراً.

في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، كان هناك النحاتون محمد غني حكمت، صالح القرغولي، وإسماعيل فتاح الترك، والخزّافان سعد شاكر وفالنتينوس، والرسامون فائق حسن، حافظ الدروبي، وكاظم حيدر. لقد كانوا رواداً للحركة التشكيلية ورعاتها المعنويين.

تختلف الصياغة الأسلوبية لهذين الاتجاهين، جراء انشغال كل منهما بطبيعة صياغة قائمة على مادة العمل الفني. أمر شديد الوضوح في فن الرسم. الأول لا يتعدى تمثل الحس التجريبي بمواد تقليدية، قوامها الإصباغ اللونية، قماشة اللوحة، وفرشاة الرسم. وهو اتجاه قاده دائما الجيل الستيني، وفي مقدمهم رافع الناصري، علي طالب، محمد مهر الدين، سعدي الكعبي، علي النجار، عامر العبيدي، سالم الدباغ، الذين أكمل بعضهم دراسته الفنية في الخارج، حيث الأسلوبية في العمل الفني قائمة بدافع التجريب الفردي، الطليعي، بمنحى تجريدي أو يكاد يقترب إلى التجريدية التعبيرية والغنائية. إن ما يؤثره اتجاه كهذا، صناعة عمل فني، لا تتقدم فيه المواد الوسيطة بل شخصية الفنان وخبرته أثناء توسط ممكنات مخيلته البصرية، برموزها الخاصة ومفرداتها الصورية في تشكيل لوحة يعرّف بها التعبير وليس التقنيات. بخلاف الرؤية الثانية، التي كان الفنان والمنظّر الراحل شاكر حسن آل سعيد (1926-2004) عنوانها الملهم، حيث التجربة واقعة جمالية، يتضافر فيها الخطاب/ المعنى بوصفه مادة للاستلهام، بينما المواد الوسيطة، غير التقليدية، غالبا، استعارة يتمثلها العمل الفني في تأكيد فرادته الطليعية والتجريبية. وحيث الأكثر إيثارا هو معالجة السطح التصويري للوحة بكونه دالا بصريا لذلك المعنى وتأمله. اتجاه تبناه كثيرا الجيل الثمانيني، من أسمائه محمد صبري، فاخر محمد، عاصم عبد الأمير، هناء مال الله، علي جبار، كريم رسن، ضياء الخزاعي، محمود العبيدي، إيمان عبدالله، قاسم سبتي، هاشم حنون، حسن عبود، وعلي رضا. كانت الاستلهامات لهذا الجيل تحيل على توظيف خطب جمالية بصناعة فردية، تستثمر مرجعيتها بدافع انتقائها من التراث البصري للفن العراقي، من السومريين حتى "جماعة بغداد للفن الحديث". كان ذلك أشبه ما يكون بمتحف خيالي يحتفظ فيه كل فنان منهم بطريقة عرض خاصة به.

لكن يبقى التفاوض حاصلا ما بين هذين الاتجاهين لتعيين المشهد التشكيلي، عند استدعاء مفردتين غامضتين ومفارقتين في آن واحد، هما الأصالة والمعاصرة. لقد أصبحتا لازمتين تتكرران في مقابلات الفنانين أو عبر تلك المتابعات النقدية التي توثّق للعديد من المعارض المقامة.  

 

المتحف والفن والحرب

 

 

على مبعدة مئتي متر من المتحف العراقي يقع "مركز الفنون" – مركز صدام للفنون سابقا، الذي يتوسط شارع حيفا. كان هذا الشاخص المعماري بطبقاته الست، قد استضاف بينال بغداد العالمي لدورتين 1986، 1988.

 

تعرّض هذان المتحفان على مرأى من جنود الاحتلال الأميركي بعد التاسع من نيسان عام  2003 الى عمليات نهب وحرق وتدمير. ضم "مركز الفنون" مجموعة متحفية تقدَّر بأربعة آلاف عمل فني في مجالات الرسم والنحت والخزف والغرافيك، شغل عرضها أربع طبقات من المبنى. لقد كانت خلاصة لتاريخ الحركة التشكيلية العراقية منذ مئة عام، لم يعد منها إلا القليل حتى اليوم. 

أول المعارض التشكيلية، بعد تلك الإحداث، معرض للنحت أقيم بين خرائب "مركز الفنون"، بينما أقيم معرض فني آخر في إحدى قاعات العرض. كلا المعرضين كان ضربا من محاولة للوجود أو أشبه بتقرير عن حالة بقاء على الرغم من الدمار الذي عصف بالمدينة. فيما كان الأسى والمرارة أبعد كثيرا من أن تبلغهما لحظة للتعبير. مدينة تُحرَق وتُسرَق مؤسساتها، وأناسها يُقتَلون في الشوارع.

لكني ارغب في الإشارة انتقائيا، إلى ثلاثة معارض شخصية أقيمت في بغداد بعد الاحتلال. فرصة الانتقاء، هي دالة على واقع عاشه الفنان العراقي في زمن فجائعي. الأول، أقيم في نهايات عام 2003 في إحدى القاعات الأهلية، حمل عنوان "أقنعة النص" للفنان قاسم سبتي.  لوحاته لم تتجاوز إبعادها 30 × 40 سم، وكان محتوى انشغال المعرض حادثة تمثلت في حرق مكتبة كلية الفنون الجميلة، شاهدها الفنان عن كثب، علماً أن الكثير من المكتبات الوطنية ومراكز المخطوطات تعرضت للمصير نفسه. استعان الفنان بطريقة الكولاج لتنفيذ أعمال، مادتها غلف سميكة للكتب. لا أثر لعناوين، ولا لإشارات، أو حتى لمعالجات لونية أو خطية، سوى بناء إنشائي، بصري، لسطوح هي ذاتها مقتطعات الغلف، بعضها ما تبقّى من ذلك الحريق. افترض الفنان في تجربته هذه، أن النص ذاته قد غيّبته الواقعة، وان المعارف والمعنى باتا مختفيين خلف قناع لا يدل إلا على ما تبقّى من وجود مشوه جراء الحرائق. ذكر الفنان في دليل معرضه: "لا أبالغ إذا قلت إنها البداية الحقيقية لفن ما بعد الاحتلال! فحين تلتهم سرفات الدبابات أسفلت الطرق وأرصفتها بهمجية واضحة يكون الاشتغال على مفاهيم غير تقليدية للفن ردا مناسبا على أولئك الذين تركوا مكتباتنا ومتاحفنا ومراكزنا الفنية عرضة للخراب!". "فن ما بعد الاحتلال" ليست تسمية ملزمة!

كانت بغداد قصدا إنسانيا في ذروة الغياب. أهلها لم يعودوا يقرأون فجائع التاريخ كحدث بل يعيشونها كواقع يومي. تداعيات ومشاعر يتم استذكارها في عناوين معارض الفنانين لذلك الوقت. معرض الفنان شداد عبد القهار المقام عام 2005، جاء تحت عنوان "أناشيد  لبغداد". كان ثمة دلالة وجدانية لا تخلو من رثاء تضمنها المحتوى البصري للمعرض. أكثر من ثلاثين لوحة بأبعاد متماثلة 60×120 سم، فيما كان الأسود الصبغة اللونية التي احتفظت بسيادتها على السطح الصوري للإعمال. كان خطابا بصريا مباشرا. فالحزن سمة المدينة السائد، وحدتها، من أماكنها الخربة حتى وجوه ساكنيها المثقلة بالشجن. أودع الفنان تجربته حسا عاطفيا يطغى على أدائية رؤيته السابقة، التي كانت تفصح عن ولعه بالتنويع اللوني الصريح.

ملامح المدينة في حاضرها، أمكنتها التي حجبت بالجدران الكونكريتية، أو طرقها التي لا تدل على شيء…، مشهد بل فصل آخر جاء بعد القتل والتهجير لمدينة لم تعد تتوافر على أفقها. هذه وقائع مثّلت هاجسا يلح على خيار الفنان. أقام احمد نصيف معرضه الشخصي عام 2008 بعنوان "كونكريت". كان الفنان يتمثل الدعامات الخراسانية التي انتشرت في جميع طرق بغداد ومناطقها، بلونها الرمادي، الكابي، وارتفاعها المستطيل، الصادمة للنظر، والمانعة أي إطلالة على واجهات المدينة، بل البديل المكرس من مشاهدها التي اختفت خلفها. تجربة المعرض لا تماثل رسوم جدران الشوارع في مدن أخرى، ولا تؤشر الى السخط أو تستدعي المحاكاة الساخرة، بل كأنها مدوّنة صورية عن وقائع يومية لفنان يفترض أن حالة العزل ذريعة لرؤية تقيم في الجهة المضادة. في لوحاته سمة تجريبية تشكل مشهدا يفترض للواقع معنى آخر يوصي بالحرية. 

كان الموقف السائد في السنوات الثلاث بعد الاحتلال، لا يخلو من إصرار مبرر لدى التشكيليين لإعادة الاحتفاء بالأنشطة الفنية، والمعارض، الشخصية منها والجماعية. كانت حال قاعات العرض الفنية شاخصة في مناطق يصعب الوصول إليها، عدا كون الطرق المؤدية إليها محاطة بالدعامات العازلة من الاسمنت المسلح والأسلاك الشائكة، ما جعل العديد منها تغلق أبوابها.

المركز الثقافي الفرنسي الذي لاقى المصير نفسه الذي تعرضت له المؤسسات الثقافية العراقية، من أحداث سرقة وتدمير، تقدم بفكرة تنظيم معارض مشتركة لفنانين عراقيين لمدة عامين منذ 2004. جاءت دعوته على النحو الآتي: بعد تكبده المصائب، استعاد البلد ثقته في مستقبله، ولقد حان الوقت لإعطاء الكلمة للخلاّقين. وقد تم بالفعل تنظيم 14 معرضا مشتركا، في خمس قاعات للعرض، شارك فيها 60 رساما ونحاتا.

كان العديد من الفنانين المشاركين لم يغادروا بلدهم  بعد. منهم من ينتمي إلى جيل الستينات، وتعدّ تجاربهم مشاهد راسخة في المحترف الفني العراقي. بعضهم الآخر، بدأ إعلان وجوده في سنوات العقد التاسع من القرن الماضي. غسان غائب، نزار يحيى، ستار كاووش، محمد قريش، حسن إبراهيم، جبار عبد الرضا، كاظم نوير، أحمد نصيف، جعفر محمد، هادي ماهود، ستار درويش، قيس السندي، من الذين بدأوا يحتفظون برهانات فنية جديدة، لا تنتمي سوى إلى حسهم التجريبي وتطلعاتهم التي احتفظت بقدر من الجدة. تجارب تجاذبتها الرصانة الأسلوبية ولحظات تعبير عاطفية ووجودية تماما، وعاينت هويتها في العمل التشكيلي كأنها وظيفة فنية بامتياز.

لكن بأثر من شعور الفنانين بالعزلة، والإحساس العميق باللاجدوى، بعد أفول مشروع قاعات العرض الفنية، وتردي الوضع الأمني، والتهجير القسري، وظهور الصراع السياسي الطائفي الغريب، وغياب المؤازرة والدعم حتى من مؤسسات رسمية معنية بالعمل الثقافي الفني، ومحو الفضاء الذي يمكن عبره التطلع للاهتمام بما هو خلاّق…، أسباب دفعت بالكثير من الفنانين التشكيليين الى التفكير في الهجرة، بين ستينيين، وثمانينيين، وفنانين شباب. سمّاها البعض الهجرة الثانية، بعدما كانت الهجرة الأولى قد حصلت في التسعينات من القرن الماضي.

 

عن لحظة التعبير الجديدة

 

 

الفنانون العراقيون في الداخل، من الذين آثروا البقاء، باتت تجاربهم التشكيلية تفصح عن خيار ذاتي، يتمثل في ان ما يتم انجازه من فن، هو كذلك، مكسب خاص، ووحيد، لا يسمح الواقع الملتبس الذي يعيشونه في بلدهم، بالتعامل معه حتى حدود المغامرة. ظاهرة تتحقق بأسباب العزلة، حتى باتت فكرة المعاصرة لديهم ليست دلالة مفهومية، قدر ما هي زمانية وظرفية تماما، إذ ان ما ينجزونه الآن بالنسبة اليهم  معاصر أيضا، فيما تبقى تلك الأساليب الما بعد الحداثية عرضة للتأجيل. ذلك ما أظهرته المعارض الشخصية المقامة. لكن لا متحف للفن في بغداد، ولا فضاء إبداعياً يحتفي بإنتاجهم سوى عدد محدود من القاعات، كما أن جمهورهم قد غادرهم باستثناء القلة من المعنيين، وحيث الجدل الثقافي يبدو عند حافات الهمس أمام عويل السجال السياسي المهيمن ورطانته.

 

لا ارغب في تعيين المشهد التشكيلي العراقي كأنه جدلية بين تجارب لا ترغب بمغادرة الحداثة، وتنشغل بمعالجات السطح التصويري للوحة الحامل في الداخل، وبين تجارب معاصرة يقدم عليها فنانون عراقيون هاجروا إلى المنافي، وبدأت تعلن حضورها في بلدانهم الجديدة، منشغلة بأساليب الما بعدية، بأثر التطلع ومجاراة ما هو حاصل ومهيمن في عالم الفن، كون أصحاب هذه التجارب أمام جمهور ومؤسسات واهتمام ثقافي آخر في مدن مختلفة تحفل بالمغاير والغريب.

لكن مثل هذه التجارب تدعو إلى اعتبارها لحظة تعبيرية مضافة إلى المحترف الفني العراقي، حتى وان تكن خارج مكانها الوطني. إن الفنانين العراقيين في تلك المنافي لا يزالون يحدقون إلى خريطة وطنهم. معارض لا تغيب عن عناوينها كلمات المنفى أو الوطن.

في حوار سابق لي، مع الفنان علي النجار، ذكر عن طبيعة حال الفنانين في واقعهم الأوروبي الجديد، في أن هذا الواقع يحتضنهم إنسانيا كغرباء لكنه يبقيهم على مبعدة منه ثقافيا.

على رغم ذلك أصبح الفنان العراقي في منفاه، منشغلا بمكاسب بصرية وتقنية جديدة، وهو يسعى بجهد الى تعيين هذا الانشغال، الذي تفصح عنه المعارض المقامة في فرنسا، ألمانيا، ايطاليا، أسوج، هولندا، الدانمارك، بريطانيا وأميركا، كأماكن يعيش فيها ويجاور أثرها المديني والثقافي. لكنه أيضا، بطريقة أخرى، أمام أسئلة مختلفة، عابرة لوصفتها الوطنية.     

أما بعد…

لا شك في أن الزمن العالمي قد تجاوز أسئلة كان يحملها الفنانون العراقيون، قبل وصولهم إلى تلك البلدان، تضاهي خبراتهم الداخلية. لكن ثمة استفسارات لم يفصَح عنها بعد. هل تنتمي تجاربهم الى فن المنفى أم تنضوي تحت فنون البلدان التي هاجروا إليها، وما الذي يتبقى من تقويمات ناقد وجمهور غربيين، وهل الفنانون شهود عالم معولم لم يعد يفترض الاكتراث بكينونة كانت تدعى… الهوية؟ ¶

 

عن ملحق النهار الثقافي

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق