المضاء والمعتم

 أحاول أن أستقطر الضّوء من لحم الكلمات البارد. أحاول بهدوء، لا أنتظر معجزة في هذا اللّيل، ولا أنتظر من لغتي ولا من جسدي تلك القدرة الخارقة على مقارعة الغيب. أصلا أعترف لكم أنّه ما من ضوء مطلقا يمكن أن يخرج من جسد الكلمات البارد هذا. وإن كان فإنّه ضوء أعمى نجس لعين، ضوء قذر مبذول للسّفلة، صرت أفهم ذلك البرد الحال في مفاصل الحروف وأستطيبه. قطرة قطرة صرت أترقّب أن يسقط فوق جسدي وأن يمحو بقيّة الفرح الكالح الغبيّ الذّي أقام لسنوات في جسدي وجعلني أقبل كلّ حقارات العالم. لماذا كنت أحفل بكلّ تلك الكلمات القذرة التّي كان يعمّها الضّوء وتلك الأسنان القاطعة التّي اسمها النّور وذلك الصّدأ الذّي يسمّيه النّاس الحبّ؟ لماذا كنت أفرح بصورة تصنعها الكلمات النّاعمة وأهرب من صورة أخرى تنسلّ من السّواد متسربلة في ليلها الخاص؟ 

 مكّنني ذلك الضّوء من الانضمام إلى “نخبة المشاهير الدّنيئة.[1] وأعطاني دون شكّ هويّة جديدة. بها يقرّر الآخرون أنّني حيّ رغم أنّني لا أعتقد أنّني حيّ وأنّني حاضر رغم أنّني أعتقد أنّني غائب بعمق وأنّني نافذ في الزّمان رغم إحساسي بكوني لست غير ركام جثث “مدوّدة”. الحياة حتّى في الموت فكرة لم تخطر لي على بال. ولا أفهمها ولكنّني مجبر على تفهّمها وعلى الانضواء تحت غيمة الخسارات السّوداء التّي يطلق عليها القرّاء الشّهرة.

 الضّوء تلك الكومة من الحقارة ذات اللّون الأبيض، كيف اهتممت بكتابتها كلّ هذا الوقت؟ كيف تركت الفسق والإباحيّة ورفضت تأمّل تلك الجثث الكبيرة التّي يحويها جسدي؟ كيف أمضيت كلّ تلك السّنوات في كتابة كتب كاملة عن امرأة واحدة وبيضاء؟ وعن قمر واحد أبيض؟ وعن شجرات سبع رسمتها أمّي أمام البيت مثل وشم؟ لم لم أهتمّ بكتابة فصول عن اللّواطييّن؟ لم لم “أتبوّل مع البغايا المنتشيات في وجه الأموات”؟ لم لم أجعل نصوصي قصصا خياليّة دنيئة وأجسادا تهرّئها الحمّى؟ لم لم أجعل كلماتي حفرا[2] أو سباخ ملح؟ أو مياها عفنة أو هواء صدئا؟ لم ظلّ نصّي بعيدا عن “التّجربة الدّاخليّة[3]” وطقوسها القاسية وشذوذها الجارح وهمجيتها وتجديفها وانحرافها؟ لم كنت أتعقّب النّور كما يتعقّب كلب مسعور سيّده؟

 الكتابة عن الضّوء ليست إلاّ متابعة تتوهّم فعل الإغواء أمّا في عمقها فهدوء ضاجّ بمعرفة ساكنة. تقرأ الحواس وتدرك لكنّه إدراك مرئيّ فاتر بارد محايد هرم. تتحوّل اللّغة إلى جلد أو إلى جرح بجسد ميت و”ما لجرح بميّت إيلام[4]” أو تتحوّل إلى نهر جاف أو إلى حان دون خمر. لا استكشاف هناك ولا هلع ولا خوف ولا خلع ولا قتل ولا إغواء ولا انحراف. ولا معارف عاصية ولا ثورات وإنّما استعادة لا غير لمهنة “موظّفي اللّه[5]” التّي تدّعي إدارة المقدّس وتصريف الأصول. 

 حين تكون مضاء لا تخاف ولا تحزن، لا تحبّ ولا تكره، لا تتعرّق ولا تستمني، لا تفرح ولا تتألّم، لا تنكح ولا تنكح، لا تمرض ولا تبرأ… في الضّوء تنمو العطالة. يصبح لكلّ برق زمانه الطّويل. ولكلّ فعل مكانه العريض. ولكلّ لحن آلته الواضحة. ولكلّ نهد فم. ولكلّ قضيب مهبل خاص. تتحدّد في الضّوء مساحة الفعل ويستحوذ تماما على الفضاء الحميميّ الخاص والذّاتي ويفتكّ كلّ النّصوص ليسلّط عليها قراءته البيانيّة الواضحة. لا يبقى شيء إلاّ وقد غرس فيه الضّوء أنيابه. في الضّوء لا نعضّ بالفم كلّه ولا نعضّ بالأنياب، لا نستعمل الأظافر، لا نتمخّط، لا نتبول، لا نرضع ولا نرضع، لا نبكي… في الضّوء لا نموت ولا نحيا. بل نستعرض حياتنا، نتصّور أي نعرض أجسادنا للتّصوير، نتقبّل التّهاني أو التّعازي، نتزوّج أو ندفن أزواجنا أو آباءنا أو أبناءنا. نعيش في الجوار حيث كلّ شيء منضبط وجميل ورائع ومقبول وعادي ومتوافق مع عادات النّاس. في ذلك الضّوء يتجلّى الخسران والتّفريط والانسحاب من العالم. وفيه نستمرئ حالة الوضوح والسّهولة والكسل العاطفي والجمالي ونعتاد “العودة إلى الأصول”[6] وحداثة السّلف. ما من قلق في الضّوء بل راحات من الآلام تتطاول وتتطاول. لا فجائع بل أعراس. لا اضطراب ولا توتّر ولا مرض بل جسد حيّ جميل متماسك قويّ فاتن شابّ مثير للإعجاب. أمّا الثّبات فليس مجرّد غرفة صغيرة بل جغرافيا حقيقيّة تتشكّل منذ آلاف السّنين دون أن تعي ثباتها ودون أن تفكّر في القطع والتّأسيس[7] ودون وعي بأنّ ما ينطرح أمام الضّوء “يفقد بمرّ الزّمان والتّكرار امتلاءه الرّوحي وثراءه التّراجيدي”.[8]

 نعي ذلك ولا نهرب من الضّوء. متعة كبيرة أن تعرض نفسك. الآلهة نفسها تعرض جسدها كاملا مبذولا بكلّ طريقة. والأنبياء أيضا يعرضون أنفسهم تماما كما كانت تعرض الجواري أو كما تعرض اليوم البغايا على جادة الطّرق. كذلك هم الكتّاب بغايا العصر الجديد لا يتركون طريقة إلاّ عرضوا بها أنفسهم في الضّوء. يتخفّى بعضهم بأقنعة فعلي أحمد سعيد يسمّي نفسه أدونيس وعبد الفتاح بن حمّودة يسمّي نفسه إيكاروس وآدم فتحي يترك تماما إسمه ويتسمّى بآدم لكنّ هذا ليس إلاّ إمعانا في التّعرّض للضّوء وهو التّجلّي الأقصى للرّغبة في العرض أو السّتربتيز المرضي. وجورج باتاي نفسه استعمل عديد الأقنعة لنشر أعماله الأولى فسمّى نفسه لورد أوش في رواية قصة العين وسمّى نفسه بيار أنجيليك في السيّدة إدواردا وهي الرّواية التّي صوّر فيها الربّ في ملامح مومس في ماخور.

وهذان الإسمان وإن أوهمانا بالهروب من الضّوء فإنّهما لم يحيلا إلاّ على رضوخ للعادة فباتاي الموظّف هو كغيره راغب في العرض لكنّ الرّقابة تحاصره وهو يخشى على وظيفته. وبالطّبع لم يستمرّ القناع طويلا إذ عاد باتاي إلى الضّوء عارضا اسمه في أغلفة كتبه بكلّ الطّرق. ما يغفر لباتاي قليلا أنّه عكس كثيرين مثل كويلهو مثلا كان على وعي عميق بفكرة القطيعة مع الضّوء بل نجده ينزّل أدبه في أفق الكآبة والألم والظّلام والعربدة والاحتراق والقبح ومناهضة الفاشيّة مع رفض المال النّاتج عن عرض الإسم الذّي صار شهيرا.[9]

 إنّ الضّوء بهذا المعنى ليس مجرّد فضاء مستقلّ عن الذّات بل تكمن خطورته حين يتمكّن من الذّهن ويصبح أشدّ خطورة حين يتمكّن من اللّغة ويلمس بيده البيضاء كلّ مجالات الدّنيويّ ليصيّره مقدّسا. بهذا المعنى يصبح ما هو مضاء من سيرة محمّد مثلا سنّة أمّا ما هو قابع في الظّلام من سيرته وسيرة والده وأمّه وأعمامه وأخواله فغير ذي قيمة. ويصبح ما يقع في دائرة الضّوء من سيرة علي ابن أبي طالب مبادئ تشيّع دون ما يقع في الظلّ من تلك السّيرة التّي يبدو مخفيّها أكثر عمقا من ظاهرها.

ويصبح ما هو مضاء من القرآن بديلا عن المعتّم. وهنا يقترن المضاء بكتب لا حصر لها تسيّج القرآن وتحجب حتّى ما هو مضاء فيه أمّا مخفيّه فدونه حدود وحدود. ما هو مضاء يصدأ و يتعفّن و يتآكل ويدوّد مثله مثل غيره لكنّنا بتأثير الضّوء لا نرى فيه إلاّ البرّاق الفاتن، نعتاد سلطته التّي استمدّها من الشّيوع، وسطوته التّي استمدّها من القدم أو من التّكريس السّياسي ونقبل عنفه وقسوته وفكرتنا الأولى عنه والتّي لا تتغيّرعادة. فالشّابي مثلا شاعر في دائرة الضّوء ولذلك فإنّنا لا نرى ما هو صدئ في خطابه وماهو عفن ومتآكل ومدوّد وهو كثير. لا نرى إلاّ الشّاب الذّي يعدو في الذّاكرة والحال أنّ ذلك الشّاب ما عاد شابا أبدا وأنّ كتابه ليس ذلك النصّ المعجز الذّي كان النصّ الشّعريّ الرّسمي لنظامين سياسيين تعاقبا على تكريسه باعتباره ميتا إمعانا في إقصاء الأحياء أكثر منه استحقاقا أدبيّا صرفا.

 في الضّوء لا مجال للفسق والإسراف والهوس الجنسي والضّجر والخوف والتّجارب المشوّشة والبحث عن اللذّة. لا يكون الإيروس إلاّ معطوبا أو معطّلا أو مهدّدا بالسّلط كلّها. لا إشباع في الضّوء بل الصّبر والإمساك والتحفّظ والحرص على العرض وقراءة النصّ العموميّ والصّوم والتّطهّر والحجّ لمن استطاع إليه سبيلا والزّكاة. أمّا الدّنيء والشّائن والجبان واللّذوي واللاّ سويّ والسّاحر والمجنون والشّبقيّ فمحكوم عليه بالخفاء.

 لم نعلم بشعراء يكتبون في الضّوء. بل لا نكاد نقف على وداعات نهاريّة في شعر الغزل. وإنّما زمنه بداية الظّلام أو الإصباح. ولا نعلم بالقطع أزمنة المدائح الكبرى والمراثي والهجائيات ونحسب أنّها إنّما تدبّرها الشّعراء في أزمنة متطاولة يغلب عليها اللّيل. بل إنّ بعض النّصوص الأساسيّة في الثٌّقافة العربيّة إنّما كتبت في ليلين اللّيل الحقيقيّ وليل العمى ولنا في المعرّي وفي طه حسين دليلين وافيين. وما كتب في اللّيل بعيدا عن الأضواء كثير جدا وهنا أذكر القرآن الذّي نعلم يقينا أنّ أولى آياته نزلت في الغار وهو عتمة شبيهة باللّيل وكذلك النّصوص الكبرى في السّرد القديم مثل ألف ليلة وليلة وهو نصّ ليليّ بوضوح كذلك فنّ الحبّ لأوفيد والنّصوص الحديثة مثل أزهار الشرّ لبودلير والمرأة العارية لجورج باتاي والأعمال الكبرى المؤثّرة في تاريخ الفنّ التّشكيلي وأغلبها إنّما صوّر بليل.

 ما كتبته في مديح الضّوء أستعيده الآن وأضحك من رغبتي التّي كانت عاتية في عرض الشّاعر مثل بضاعة في السّوق. من أجل ماذا أهملت تماما تجاربي الأولى كلّها؟ من أجل ماذا لم أقرأ مخيّلتي ولم أتجوّل في حدائقها المعتمة؟ لماذا تجاهلت مشاعري الجنسيّة؟ لماذا انصرفت في شعري إلى التأمّل في ما هو مكتشف ومضاء ومعلوم ومكتوب؟ لماذا كتبت دائما عن الحبّ الوحيد والمرأة الواحدة البيضاء الشريفة والوفيّة والجميلة تحديدا؟ لماذا أهملت الخفيّ والعميق الجارح والمؤثّر والجريء؟ لماذا اعتنيت بالشّريف وتركت المخزي والقذر والمعاق والمعطوب والمجنون؟ لماذا كتبت المضاء وتركت المعتم؟

 

سوسة في 25 نوفمبر 2012 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] استعمل جورج باتاي هذه الكلمات ويستعمل أيضا الشّهرة الشّائنة.

[2] يقول جورج باتاي: “أؤلّف للذّين ما إن يشرعوا في قراءة روايتي يسقطون كما في حفرة”.

[3] اسم رواية لباتاي.

[4] بيت للمتنبّي.

[5] أصل العبارة مأخوذ من عنوان لكتاب: Drewermann, Eugen,(1993) Fonctionnaire de dieu, Albin Michel.

[6] بن سلامة فتحي: الإسلام والتّحليل النّفسي، ترجمة وتقديم رجاء بن سلامة، رابطة العقلانييّ العرب، دار السّاقي بيروت – لبنان، الطّبعة الأولى، 2008.

[7] يمكن التّوسّع في هذه الفكرة في كتاب: Certeau, Michel de, (1987-2003) La fainlesse de croire, Points-Essais, p.p 187-226.

[8] خضر العادل: أزمة المسلم الأخير ونهاية التّديّن، دار ورقة للنّشر، الطّبعة الأولى، 2011، ص 9.

[9] من كتبه نذكر قصّة العين، السيّدة إدواردا، وأمّي، وزرقة السّماء وغيرها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق