المضامين العنصرية في السينما المصرية

تتعالى أصوات المثقفين والسياسيين العرب في هذه الفترة متذمّرين من العنصرية المتزايدة تجاه العرب في الخطاب السياسي والثقافي الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً، وهذه الادّعاءات مبرّرة في الغالب، ولكنها في الوقت نفسه تغفل النظر إلى الذات وإلى طريقة التعاطي العربي مع الآخر، وهذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه في دراستنا هذه.

قد يقول قائل إننا في غنىً عن هذا النوع من الدراسات في هذه الأوقات بالذات، ولكن أليس إسهام الخطاب الثقافي العربي في تشكيل رؤية عنصرية تجاه الآخر دافعاً للآخر لتشكيل رؤية عنصرية تجاه العرب. ونشير إلى أننا سنشمل الطائفية ضمن مفهوم العنصرية. وقد اخترنا السينما المصرية لهذه الدراسة لكونها العنصر الثقافي الأكثر انتشاراً والأكثر وضوحاً والأكثر تأثيراً، وما ينطبق على السينما المصرية قابل للتعميم على سينمات أخرى وعلى وسائط ثقافية أخرى، ولكننا سنكتفي بها في هذه الدراسة الموجزة، لذا نرجو ألا يشعر أحد كما هي العادة بأن الدراسة موجّهة ضدّ المصريين أو أن فيها تحاملاً .

يمكن تصنيف المضامين العنصرية في السينما المصرية ضمن ثلاثة محاور أساسية، الموقف من الأعراق الأخرى، الموقف من الديانات الأخرى، الموقف من العرب ذوي الجنسيات الأخرى. فإذا أردنا البداية مع الموقف من الأعراق الأخرى يمكن أن نجزّئه إلى محورين أيضاً الموقف من الأعراق “الصديقة” والموقف من الأعراق “العدوّة”. فبالنسبة للأصدقاء، ولنأخذ الأصدقاء الروس (أبناء الدول التي شكّلت في يوم من الأيام الاتحاد السوفييتي) على سبيل المثال. نلاحظ أن ظهور الروس في الأفلام المصرية لم يبدأ إلا في عندما انهار الاتحاد السوفييتي وصار الروس مثالاً للجريمة والجنس، وهذا هو المظهر الذي ظهروا فيه في السينما المصرية ابتداءً من عام 1991، في حين أننا لا نجد لهم أيّ أثر في أفلام ما قبل ذلك، في وقت كان وجود السوفييت ملحوظاً في مصر حين كانوا أهمّ حليف اقتصادي وعسكري لمصر، وكان خبراؤهم موجودين لتنفيذ المشروعات الاقتصادية والصناعية والعلمية الأهم، فمن بين عدد كبير من الأفلام التي تحدثت عن فترة إنشاء السد العالي لم تظهر شخصية سوفييتية واحدة. ولنأخذ مثالاً على صورة سكان الاتحاد السوفييتي السابق في الأفلام الحديثة سنأخذ فيلم “الرهينة” كمثال، ففي هذا الفيلم يلعب صلاح عبد الله دور عالم مصري قبطي تختطفه المافيا في أوكرانيا وتدعي أنها جماعة إسلامية تنتقم من الاضطهاد المسيحي للمسلمين، ويحاول شاب مسلم يلعب دوره أحمد عز إنقاذه، في حين أن زعيمة الخاطفين (تؤدّي دورها اللبنانية نور) لا تتوانى عن الحفاظ على حياة العالم حين تتلقى عرضاً أكبر للحفاظ على حياته واستغلال خبرته لتشغيل مفاعل نووي مهجور، في إشارة إلى تشيرنوبل، ولا تظهر هي أو أي من الشخصيات الروسية أو الأوكرانية هنا أيّ نوع من التعاطف أو المشاعر الإنسانية تجاه الرهينة الأخرى ( كلاوي )، وهو مصري قبطي آخر مصاب بمرض في الكلى ويمضي يومه كاملا في التأوه. وأظن أن لا داعي لذكر مثال عن الجانب الجنسي من صورة الروس في السينما المصرية فهي واضحة جداً ويكاد لا يظهر ملهى ليلي بدون ظهور فتاة روسية .

ويمكن أن نأخذ مثالاً آخر على الأعراق الصديقة يتمثل في الصين، فالصينيون يظهرون كعنصر كوميدي في الغالب، لشكلهم أو لعاداتهم، أو لغتهم، وكل هذا في تناول سطحي قائم على أفكار مسبقة مغلوطة، ففي فيلم فول الصين العظيم مثلا يسافر الشاب محيي (محمد هنيدي) إلى الصين ليشارك في مسابقة للطبخ، وفي أوّل يوم له في الصين يجري مقابلة مع التلفزيون الصيني، فيسأله المحاور سؤالاً طويلاً جداً يستمر في طرحه حوالي الدقيقة ليفاجأ الشاب بأنّ ترجمة السؤال كله (اسمك إيه)، ويقع الشاب بعد ذلك في غرام المترجمة الصينية ويتعرف على عائلتها التي تعيش وفق تقاليد الكونغ فو، ويقومون بالخوارق التي غالباً ما تصاحب الرؤية النمطية لمقاتلي الكونغ فو من طيران وشعاع صادر من العينين وما إلى ذلك، وكل هذا للتندر والضحك. وفي أحيان أخرى نجد الصينيين طمّاعين ويحاولون السيطرة على جميع الصناعات حتى الصناعات المرتبطة بالتقاليد المصرية، فمثلاً في فيلم عبده مواسم يصمم عدد من الشبّان المصريين فوانيس رمضان بشكل حديث وعصري، ويذهبون لبيعها لأحد التجار ليجدوا عنده عدداً من الصينيين، وحين يجد الصينيون أنّ صفقة الفوانيس مع هؤلاء المصريين ستتمّ يخفضون سعرهم، وعندما تتمّ الصفقة مع المصريين يستشيطون غضباً ويهينون التاجر والمصريين .

وبما أنّ معظم ما يقال عن العنصرية في أمريكا يتّجه تجاه العرق الأسود، لا بدّ أن نتوقّف أمام تعامل السينما المصرية مع هذا العرق، فهم منذ ظهور السينما المصرية عنصر للتندّر، فهم غالباً بسطاء لدرجة السذاجة، وغالباً غير متعلمين ، وغالباً ما يعملون بوّابين أو فرّاشين أو خدما، وأبرز مثال على هذا أفلام على الكسار. والآن وبعد أكثر من نصف قرن على ذلك النوع من الأفلام نجد العنصر الأسود في هذه السينما لا يزال على حاله، فهم عنصر فكاهي فقط، ففي فيلم “اللي بالي بالك” لمحمّد سعد، تغادر الزوجة فيحاء الغرفة في أحد المشاهد، فيقول محمد سعد (إيه الشمس اللي منورة الدنيا دي)، فيدخل بعدها الخادم الأسود فيقول سعد (إيه الليل اللي هجم ده). وفي فيلم أبو العربي لهاني رمزي، يسافر أبو العربي إلى اليونان، ويذهب إلى ملهى ليلي لمقابلة رجل مصري اسمه نور، فيجد حارساً أسود على الباب، فيسأله عن نور فلا يجيب فيقول له ( طب إنت نور … نور وقطع يمكن).

فإذا كان هذا حال هذه الأعراق الصديقة، فما بالك بالأعراق التي تعدّ عدوّة؟ تختلف صورة الأعداء بين الأفالم الكوميدية والأفلا م الدرامية، ففي الأفلام الكوميدية هم عادة طمّاعون ماكرون ولكنهم ليسوا بذكاء المصريين. يحاولون شراء الناس بالمال، أو تخويفهم بالقوّة والتفوّق العسكريّ و العلمي، و يهزمهم دائماً الجانب الطيّب في نفوس المصريين، والأمثلة على ذلك كثيرة مثل أفلام ( ليلة سقوط بغداد ) و(عاوز حقي)، ويكون العدوّ عادة إسرائيلياً أو أمريكياً، وغالباً في حال كان إسرائيلياً لا يصرَّح عن جنسيته. أما في الأفلام الدرامية فيكون العدو غالباً إسرائيلياً، و يعتمد غالباً على إغراء الأنثى لاستقطاب الشبان المصريين، ويهزم أيضاً بطيبة المصريين ووطنيتهم، ومثال ذلك فيلم فتاة من إسرائيل، حيث تحاول الإسرائيلية (غادة عادل) إيقاع المصري (خالد النبوي) في حبّها لكنها تفشل. وفي أحيان أخرى يكون العدو أمريكياً وهدفه إفساد المجتمع المصري من الداخل، ويعتمد أيضاً على الأنثى ليصل إلى أهدافه، ففي فيلم حالة حبّ تستغلّ الأمريكية (دنيا) الشابّ المصري (شريف رمزي) لترويج حبوب مخدّرة بين الشباب المصري، وبمجرد افتضاح الشبكة التي ينشئانها تهرب تاركة الشابّ بعدها لمواجهة مصيره وحيداً .

وربما يخرج فيلم الآخر ليوسف شاهين نوعأ ما من هذا التنميط، ولكن رؤية الأمريكي أيضاً سلبية في هذا الفيلم، فنبيلة عبيد تلعب دور أمريكية متزوّجة من رجل أعمال مصري، وهي دائماً تعيّره بمصريته وتذكره بتفوقها كأمريكية، وتقف ضد ارتباط ابنها بمصرية فقيرة، وتتعاون مع أخيها الأصولي، وتكون النتيجة موت الابن وزوجته .

والأفلام التي نشاهد فيها عنصرأ أجنبياً إيجابياً نادرة جداً، وغالباً إن كان للشخصية دور إيجابي لا بدّ من إظهار ناحية سلبية، ففي فيلم حرب أطاليا يتعاون أحمد السقا مع ضابط إيطالي لإيقاع عصابة كبيرة ولكنه يدفع له رشوة ثمن هذا التعاون. وربما يكون الفيلم الوحيد الذي تظهر فيه الشخصيات الأجنبية كبشر طبيعيين هو فيلم اسكندرية نيويورك ليوسف شاهين .

وإذا أردنا النظر للأديان المختلفة في السينما المصرية نجد غالبة الشخصيات من المسلمين، والديانة الأخرى الأكثر ظهوراً هي المسيحية، وعادة تظهر الشخصية المسيحية كشخصية ثانوية لا تلعب دوراً رئيسياً في الخطّ الدرامي، أو على الأقل لا تشكل مسيحيتها أي دور في سير الأحداث، يكون الهدف الوحيد منها هو إظهار التآخي بين المسلمين والمسيحيين، وأحياناً إحداث بعض المفارقات الكوميدية الناجمة عن جهل المسلمين بالعادات المسيحية، فمثلاً في (فيلم ثقافي) يذهب أبطال الفيلم الثلاثة إلى جنازة والد صديقهم المسيحي ليطلبوا منه استعارة الفيديو لمشاهدة فيلم إباحي، وحين ينهض أحد الشبان ليتكلم مع صديقهم يفاجأ بالقسّ يناديه ليتحدّث عن الفقيد. وهناك أمثلة كثيرة أخرى على ذلك. والأفلام التي يلعب المسيحيون فيها أدواراً مهمّة بمسيحيتهم قليلة، نذكر منها فيلم الرهينة الذي سبق الحديث عنه. أما الأفلام التي يكون فيها المسيحيون أبطال الفيلم فهي شبه معدومة، وغالباً تكون الشخصيات الرئيسية مسيحية لمعالجة موضوعات يخاف صناع الفيلم فيها على حياتهم إذا عالجوها من خلال مسلمين، وبالتحديد موضوعات الجنس والإيمان ، وبالطبع فإنّ المثال الأبرز على ذلك هو فيلم (بحبّ السيما)، فرغم أنّ كاتب الفيلم ومخرجه مسيحيان إلا أن شيئاً لن يتغير في مضمون الفيلم لو كانت الشخصيات مسلمة، وهو يطرح قضية الجنس من خلال ليلى علوي التي تلعب دور سيدة مسيحية متزوجة تقيم علاقة مع رسام مسلم، ومن خلال زوجها ( محمود حميدة ) تُطرح قضية الإيمان والإلحاد .

أما إذا نظرنا للطريقة التي تصوّر فيها السينما المصرية العرب غير المصريين نجدهم غالباً إما عناصر كوميدية، أو يعملون أعمالاً مرتبطة بالجنس، أو بخلاء وطمّاعين وأغبياء إلى حد ما، وبحاجة للمصري لينقذهم من المشاكل التي يقعون فيها بغبائهم، ففي فيلم (اللمبي) يعمل بطل الفيلم ليلة واحدة كحارس شخصي لراقصة مغربية، وأثناء جلوسه في منزلها يفاجأ بثلاثة رجال يدخلون إليها الواحد تلو الآخر ليمارسوا الجنس معها معاً. وفي فيلم “فول الصين العظيم” يكون أحد الطباخين لبنانياً ولا داعي لوجوده إلا لإثارة الضحك. وفي فيلم “شورت وفانيلة وكاب” يلعب سليم كلاس دور وزير عربي يذهب إلى مصر لبحث مشروع السوق العربية المشتركة ضمن اجتماع للوزراء العرب، ويظهر الوزراء جميعاً أغبياء متسلطين، متعجرفين، متعصبين لدولهم، في مشهد كوميدي. وفي حين تقع ابنة الوزير (نور) في حبّ شابّ مصري (أحمد السقا) لا يتوانى الوزير عن استخدام أية وسيلة متاحة لمنع زواجهما. وفي فيلم عندليب الدقي يلعب محمد هنيدي دور أخوين أحدهما مصري والآخر إماراتي، والإماراتي لا يرى في أخيه المصري إلا شخصاً طامعاً في ثروته، ولا يثق به، ويصدق سكرتيرته حين تخبره أن أخاه حاول إقناعها لمساعدته لانتحال شخصية أخيه لإبرام صفقة مع جهة أجنبية مشبوهة، ولا يصدق أخاه حين يخبره أنّ الحقيقة عكس ذلك، وتحاول الجهة الأجنبية قتل الإماراتي حين يكتشف الحقيقة، ولكن الأخ المصري ينقذ أخاه ويمنع إبرام الصفقة .

وبالطبع هناك استثناءات تكون غالباً في أفلام وطنية أو عسكرية من نوع الطريق إلى إيلات. ومن الأفلام النادرة التي تظهر فيها شخصيات عربية في دور رئيسي في فيلم مصري ويتم التعامل معها بشكل بعيد عن التنميطات السابقة فيلم الباحثات عن الحرية للمخرجة إيناس الدغيدي .

وكما قلنا في بداية حديثنا فإن ما ينطبق على السينما المصرية ينطبق على بقية الأنواع الدرامية العربية على مختلف جنسياتها، وإذا كان هذا حال نظرتنا للآخر فإنّ من السهل على أيّ كان أن ينعتنا بالعنصرية وكراهية الآخر، سيما وأنّ هذه القيم وإن كنت أعلم أنها لا تعبر بالضرورة عن التفكير السائد إلا أنها قد تسهم في تغيير التفكير السائد وتنميطه بنمطها، مما يزيد من التيارات العنصرية والطائفية في مجتمعاتنا .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق