المفكّر والرّئيس على هامش الإفراج عن قاتل فرج فوده

أقدم الرّئيس المصري محمّد مرسي على اتّخاد جملة من القرارات عقب تولّيه منصب الرّئاسة، من بينها قرار الإفراج على قاتل المفكّر العلماني الشّهير فرج فوده، بعد عشرين سنة من السّجن –من جملة المدّة المحكوم عليه بها-.

ومعلوم أنّ القاتل ارتكب جريمته في حقّ فرج فوده سنة 1992، عندما أفرغ رصاصات من رشّاشه في صدر المفكّر وأرداه قتيلا. وعلى إثر سماع خبر الإفراج هذا، ينتاب المرء إحساسا بالضّيم، وبالغبن جرّاء ما ينتاب هذا القرار من لبس في انتصاره للقاتل ضدّ المقتول (المفكّر)، وردّ الاعتبار له بما يوحي أنّ الأمر يتعلّق بإنصاف مظلوم، ورفع الظّلم الذي لحقه، خاصّة وأن السّياق العام الذي اتّخذ فيه القرار بما هو سياق نهوض شعبي وجماهيري، يضفي على قرارات الرّئيس طابع الشّرعيّة وتمثيل الإرادة الشعبيّة.

ففي زحمة قرارات هامّة ومصيريّة مثل قرار إحالة قائدين عسكريين على التّقاعد وإلغاء الإعلان الدستوري المكمّل، يأتي قرار الإفراج عن قاتل فرج فوده ليتغذى من شرعيّة هذه القرارات، ومن مناخ المرحلة المتّسم بالسّعي العام إلى إقرار الإنصاف وإحقاق العدالة، ولذلك سيبدو القرار لشريحة واسعة من المجتمع عادلا ومنصفا، خاصّة أتباع وأنصار الرّئيس الذين تربّوا على العداء للاتّجاه الفكري الذي يمثله فرج فوده.

وبغض النّظر عن كون القرار يندرج ضمن صلاحيّات العفو الممنوحة للرّئيس، فإنّ شرعيته تبقى ناقصة على الأقل من النّاحية الأخلاقيّة، ذلك أن العفو كصلاحيّة إذا عطل حكما عادلا في حقّ من ارتكب جريمة القتل النكراء يصبح مناقضا لمبدأ العدالة الذي يتأسس على إنصاف الضحية وعدم إفلات الجاني من العقاب، هذا فيما يخص جريمة القتل العادية، أما وأن الأمر يتعلق بقتل مفكر، فإن الجريمة هنا تتعدى البعد الجنائي لترقى إلى الجريمة السياسية خاصة وأن الضحية كان من الخصوم السياسيين والفكريين للتيار الذي ينتمي إليه الرئيس، حتى وإن كان القاتل ينتمي إلى جماعة أخرى أكثر تطرّفا قد لا تكون لها علاقة تنظيميّة بجماعة الإخوان، غير أنّ العلاقة الفكريّة بين الجماعتين تبقى قائمة بهذا القدر أو ذاك إذ هما معا يندرجان ضمن النّسق العام للأصوليّة.

وهنا يتحوّل القرار من عفو عادي ومقبول إلى قرار هدفه الانتقام من خصم حتى وهو في عداد الأموات، لم يكن يتوسل في صراعه الفكري والسياسي سوى كلماته ومقالاته وكتبه.

وبناء على ذلك يكون قرار العفو عن قاتله هو نوع من استئناف المعركة معه، ومع التيّار الذي يمثّله في المجتمع، مع اختلاف جوهري هذه المرّة وهو أنّ المعركة ضدّ فرج فوده وضدّ التيّار الذي يمثله تقاد هذه المرّة من موقع السّلطة، حيث سيصبح الصراع بين الطّرفين غير متكافئ. إنّ الخلفيّة الفكريّة لقرار العفو واضحة، وهو ما يجعله مشوبا بشوائب التعسّف والشّطط في استعمال السّلطة، يستفزّ الخصوم، ويرتقي إلى درجة من الاستبداد السّياسي الذي قد يتطوّر ويستفحل ليصبح عامّا وشاملا.

ويبدو أنّ الرّئيس لم يتصرّف من خلال هذا القرار كرئيس للمصريين جميعا، بل تصرّف كرئيس لجماعة الإخوان المسلمين فقط أو في أحسن الأحول كرئيس للجماعات الدينيّة. ولم يراع أن البلاد تجتاز مرحلة دقيقة في تاريخها، تستدعي العمل على تعبئة جهود كلّ شرائح المجتمع، وقواه السياسيّة، من أجل البناء لمرحلة تاريخيّة جديدة تتأسّس على ديمقراطيّة فعليّة، وحقيقيّة بمشاركة الجميع دون تهميش أو إقصاء لأيّ طرف، وهو ما يستدعي تجنّب كلّ ما من شأنه أن يِؤدّي إلى التّفرقة، والتّشرذم، والصّراعات المدمرة التي تستنزف الطاقات دون جدوى. وبدل الاتجاه إلى توحيد الجهود انطلاقا من إدراك دقّة المرحلة، اختار الرّئيس أن يتّخذ قرارا يوجّه من خلاله رسائل لا تبعث على الاطمئنان، وتثير مخاوف لدى قوى ذات وزن في المجتمع المصري، المتمثّلة في التيّار العلماني باتّجاهيه الليبرالي واليساري، الذي يضمّ أحزابا متعدّدة، وجمعيّات حقوقيّة، ونسائيّة فضلا عن التكتلات المتعددة لشباب الثورة من 6 ابريل وكفاية وغيرهما.

قد يكون الرئيس أراد من خلال قراره هذا مغازلة التيار الإسلامي الواسع الذي يضم جماعته وجماعات أخرى خاصة السّلفيين الذين فازوا بمقاعد مهمّة في الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة، ولكن الرئيس ينسى أنه ما كان ليصل لمنصبه لولا التّضحيات الجسام التي قدمها شباب الثورة في سبيل إسقاط نظام الاستبداد، في الوقت الذي تردّدت جماعته كثيرا قبل أن تقرّر الانخراط في المظاهرات العارمة للشّباب وعموم الشّعب المصري، بل إنّ جماعته كانت تفاوض رموز النّظام السّابق وهو في أوج ترنّحه من أجل مقاعد محدودة فيما كان يرتّب له للحفاظ على بقائه، وفي الوقت الذي سقط فيه العديد من الشّهداء، الأمر الذي يجعل أي تعامل أو تفاوض معه نوعا من الاصطفاف إلى جانبه، وإضفاء الشرعيّة عليه ضدّ رغبة الثّورة والثوار، وفي وقت كان قد فقد كل شرعية، وفقد أهمّ أسس الوجود والاستمرار. فالنّهج التفاوضي المؤسّس على براغماتيّة مفرطة لدى الجماعة، ما كان ليؤدي إلى نجاح الثّورة وبالتّالي وصول السيّد محمّد مرسي إلى منصب الرّئيس.

فكيف له أن بتجاهل كلّ هذه الحقائق، ويتّخذ قرارا يستفزّ به شريحة واسعة من الثوار، ومن الشّعب المصري، عبر المسّ بأحد الرّموز الذي قدّم حياته فداء من أجل الشّعارات، والأهداف التي قامت الثورة من أجلها، والمتمثّلة في الديمقراطيّة، الكرامة، العدالة، والمساواة. لم تقم الثورة إذن من أجل أيّ من الأهداف الرئيسيّة التي تنادي بها الجماعة، لم تقم من أجل تطبيق الشريعة، ولا كانت مظاهراتها مؤطرة بشعار ” الإسلام هو الحل ” فكيف تجرأ الرّئيس على اتخاذ قرار العفو عن شخص يناهض بالمطلق أهداف الثورة، بل وقام باغتيال رمز قضى حياته في التنظير والدّفاع عن أهدافها، ومواجهة خصوم هذه الأهداف والغايات.

نعم كان فرج فوده خصما عنيدا للتيّار الأصولي بكلّ أجنحته وتفرّعاته، ولم تكن وسيلته في ذلك سوى تفنيد أطروحات هذا التيّار من خلال مجهوده النظري والفكري، وكان مبدئيا إلى حدّ بعيد في مواجهته دون مواربة أو انتهازيّة، وهو ما دفعه إلى الاستقالة من حزب الوفد عندما قرّر ذات مرّة التحالف مع جماعة الإخوان في الانتخابات، معتبرا ذلك يمس بأخلاقية العمل السّياسي النبيل الذي يقوم على وضوح في الأهداف والأفكار والأسس.

استطاع فرج فوده أن يبرز تهافت الخطاب الأصولي ويقوض أسسه المرجعية وينزع طابع القداسة عنها، وذلك بإخضاعها لنوع من الحفر الإركيولوجي في طبقاتها المتراكمة التي تداخلت فيها الحقائق بالأساطير، فكان لزاما التمييز فيها بين ما هو حقيقة و ما هو أسطورة.

وفي هذا الإطار انصبت جهوده على مرحلة حسّاسة من التاريخ الإسلامي التي يعتبرها الخطاب الأصولي مرجعية وذهبية بالنسبة إليه، وهي فترة الخلفاء الراشدين. حيث وقف عند الصّراعات السياسيّة التي ميزتها والتي جعلتها فترة عدم استقرار وتطاحن سياسي ومناورات لامتناهية وحروب أهلية انتهت باغتيال ثلاثة خلفاء راشدين. وقد كشف عن تورط هؤلاء أنفسهم في مجمل هذه الصراعات المحتدمة من أجل الاستفراد بالسّلطة والحكم. والواقع أن كتابيه ” قبل السقوط ” والحقيقة الغائبة” يشكلان مجهودا تنويريّا متميّزا ينتظم ضمن أهم لحظات التنوير، التي عرفها الخطاب العربي الحديث والمعاصر، بل إنّ جهوده ومساره النّضالي في هذا المجال يجعله في الصدارة ضمن رواد العقل في تاريخ المعرفة إلى جانب سقراط وجاليلي وصادق جلال العظم وسبينوزا ونصر أبو زيد وغيرهم من مضطهدي وشهداء الكلمة.

ويكفيه أنّه دفع هو الآخر حياته من أجل أن يكون للعقل مكانه المستحق في الفضاء العربي والإسلامي. ولو كنا نعيش في مناخ يقدّر عطاء المفكّرين لاستحق فرج فوده أن ينصب له تمثال أو تذكار، أو تسمى إحدى الجامعات باسمه تقديرا لوزنه ومكانته كمثقف ومفكّر اتسم عطاؤه بالجدّة والجرأة والشّجاعة.

يا لها من مفارقة، عندما يكون من نتائج ثورة عظيمة العفو عمّن قتل مفكّرا. ليس للقاتل من دين لدى ثورة تستهدف إحقاق العدل، سوى إعادة النّظر في محاكمته وفق معايير المحاكمة العادلة، إذا افترضنا أن محاكمته السّابقة حادت عن هذه المعايير. أما العفو عنه فهو بمثابة تزكية لجريمته واحتضان ضمني لأفكاره، سيشجع مستقبلا كلّ جاهل أو إرهابيّ على ارتكاب جريمة مماثلة في حقّ مفكّر آخر دون خشية العقاب. العفو الذي أقدم عليه الرّئيس، ينتصر للجريمة ضد العقل والاستنارة، ويعرض الثورة المصرية العظيمة لخطر الارتداد والسّرقة من قبل خصومها وأعدائها، بل بدل ذلك، تستحق قرارات تحفظ مسيرتها وتؤمن لها النّجاح والانتصار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق