المقاومة بوسائل أخرى… نعم / خميس الخيّاطي


 هناك بديهية لم يقتنع بها الساسة العرب من الماء (الخليج) إلى الماء (المحيط)، هي أن المجتمع السياسي الإسرائيلي بغالبية أطيافه يرفض السلام جملة وتفصيلا. فهو يماطل، يتصنع الأعذار ويبدل عنوان المسرحية ويغير المسارح وحتى المتفرجين، فيما المضمون واحد: السلام، لا… والسبب بسيط جدا ومعروف لدى ساستنا ومثقفينا وأصحاب الإستراتيجيات الإستشرافية لدينا…
وهو أن السلام هو الخطر الذي يهدد إسرائيل، فيجعلها كآيتها دولة «شرق أوسطية» في حدود معروفة وعاصمة متفق عليهما خاصة من طرف الجيران الفلسطينيين أولا والعرب ثانيا. بما أن إسرائيل يهددها السلام لا الحرب، فهي تعمل كل ما في وسعها حتى لا يكون الخيار المطروح إلا خيار المواجهة العسكرية، لأنها تعرف مسبقا، أنه مهما كانت النتائج على أرض الواقع، فهي الرابح الأول داخليا ودوليا. دوليا، تظهر إسرائيل كالعادة بمظهر الضحية اعتمادا من جهة على «تسويق ذاكرة المحرقة النازية» ومن ناحية أخرى على قوى الضغط السياسي التي يكونها «اللوبي» اليهودي في البلدان الغربية، فلا تطالبها هذه البلدان حكومة ورأيا عاما في أغلب الحالات إلا بالتروي في رد الفعل على «العدوان»… داخليا، تتوطد العلاقة بين أفراد المجتمع وتنمحي الفوارق ولو لفترة قصيرة، علما أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري في الأساس على عقدة «مسادة» وقوامها «لا نموت بعد اليوم» مستندين إلى الأيديولوجية الصهيونية، مستخلصين العبرة مما حدث للأقلية اليهودية في ثكنة «مسادة» قبل الميلاد…
 
منطق «الكيلو يطيح الرطل»
 
لا جدال في أن إسرائيل تمثل في منطقة الشرق الأوسط كيانا يهودي المذهب إلى حد العنصرية، عسكري الذهنية حتى النخاع، ديمقراطي البنية لمواطنيه اليهود مع فتات لما ننعته بعرب 48، وإنها دولة على المستوى العالمي – مبهمة المواصفات، حدودها غير محددة وعاصمتها غير متفق عليها لأنها ذات صبغة استعمارية استيطانية توسعية… ومما ساعد إسرائيل في هذا النهج العسكري التوسعي هو أنها وحتى تكون حالة «طبيعية»، رغم الحروب التي خاضها العرب ضدها منذ 48 وخسروا البعض منها إن لم نقل كلها، خلقت من حولها قوى مقاومة لها تشبهها في الجوهر. فالفروق طفيفة بين مكونات الهوية الإسرائيلية ومثيلاتها لدى «حزب الله» و»حماس» (لا يجب أن ننسى أن «حماس» في البدء هي صنيعة إسرائيلية لمحاربة «فتح»)…

ثلاثتهم يعتبرون أن لا حوار إلا بين الـ»كلاشنكوف» والـ»عوزي». بالنسبة إليهم، الصدام المسلح هو الأنجع لأنه قائم على منطق:»الكيلو يطيح الرطل»… وهو منطق سليم إلا أن «حماس» و»حزب الله» لا يستندان إلى واقع داخلي وخارجي متماسك كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل، وذلك رغم الشروخ وهي كثيرة والتي تلتئم بسرعة ما دام الوضع استنفاريا… نعم، تنجح المقاومة المسلحة الفلسطينية واللبنانية في بعض عملياتها العسكرية، إلا أنها لم تربح الحرب نهائيا ضد العدو الصهيوني. الأسباب عديدة نذكر منها على المستوى الفلسطيني الصراع الحاد بين السلطة الفلسطينية بالضفة ووزارة «حماس» المقالة بغزة… كان الثوري الفيتنامي «هو شي منه» (1890-1969) يقول أن «وظيفة كل شيوعي نظيف هي العمل على تقريب الإخوة الأعداء وهما الإتحاد السوفياتي والصين الشعبية» والأمر ذاته اليوم بين السلطة الفلسطينية وحماس إذ الانقسام القائم، هو موضوعيا في صالح إسرائيل…

 

إسرائيل دولة قائمة على الأيديولوجية الصهيونية التي تقول بـ»حق العودة» والاستقرار لكل يهودي مهما كان مسقط رأسه… هذه «العودة» و»الاستقرار» ما كانا ليحصلا بـ»سهولة» منذ 1948 لولا أخطاء العرب العسكرية منها أو السياسية… حتى هذه الساعة ورغم اعتراف بعض دول أمريكا اللاتينية بالدولة الفلسطينية، لم يكون العرب «قوة ضغط» ثابتة في المحافل الدولية حتى أن الأمم المتحدة تراجعت عن اعتبار «الصهيونية نوعا من العنصرية»… فها هي اليوم تطلع بحيلة «الاستيطان»، كما طرحت بالأمس «يهودية» الدولة، لتعرقل المفاوضات وتؤجل السلام استشعارا بالخطر الحقيقي… فحينما يفجر مقاوم فلسطيني نفسه بين مواطنين إسرائيليين، فإن الفعل «شرعي» ما دامت جميع الأبواب مغلقة… وإن كانت أرباح العملية الانتحارية آنية في إلحاق الضرر بالعدو، فإنها على طول المدى وفي الجوهر خسارة لأنها تعزز أكثر الانغلاق الإسرائيلي الذي بدوره يعزز الانغلاق الفلسطيني… وهكذا تكتمل الدائرة ويغيب الحل. فمفهوم «المقاومة» منحصر في العمليات العسكرية بجميع أصنافها مع «تعكيز» في الدبلوماسية وتجاهل للجانب الثقافي…
 
«الحوار» مقاومة أيضا…
 
حينما أختار الراحل حمادي الصيد في عام 78 لأيام قرطاج للعرض خارج المسابقة فيلم «نحن يهود عرب إسرائيل» للسويسري «إيغال نظام»، قامت الطامة من أهل المشرق لاتهام المهرجان بالخيانة في حين الفيلم يطرح إشكالا تعاني منه إسرائيل وهو التفرقة بين «السيفارديم» (اليهود العرب) و»الاشكينازيم» (يهود أوروبا الشرقية)… كانت نية الراحل إقحام الفعل الثقافي كجنس من أجناس المقاومة لمعرفة الشرخ الإسرائيلي وتوسيعه… وهو ما قام به عدة سنين بعد ذلك في حواره مع «تيو كلان» رئيس الجمعيات اليهودية بفرنسا… وقبل ذلك بسنتين، أقيم بمدينة «روايان» الفرنسية لقاء بين مثقفين فرنسيين وإسرائيليين وعرب عرضت فيه مجموعة من الأعمال السينمائية منها «شهادة إسرائيلية من أجل الفلسطينيين» (74) لـ»إدنا بوليتي» وأقيم لقاء آخر في مدينة «فيتال» بعد ذلك وبعلم من الفلسطينيين وبمساهمتهم… ولم يكن هناك اتهام بالتطبيع ولا بالتخوين إلا من بعض الأطراف في العالم العربي، فيما انقلبت الآية اليوم، فأصبح نقل الآثار الأدبية العربية إلى العبرية «تطبيعا»… لم تكن اللقاءات التي تمت مفاوضات بقدر ما كانت محاورات… والحوار يعني المواجهة على أسس ثابتة من الانتماء لجانب الصف الفلسطيني لتفكيك منطق الطرف الإسرائيلي واستبيان الوهن والتأثير على الرأي العام…

 

إن فعل ديوان لمحمود درويش أو رواية لإميل حبيبي أو فيلم لأيليا سليمان أو رسم لناجي العلي على الراي العام الإسرائيلي والغربي لهو فعل قد تكون نتائجه بطيئة وغير واضحة ولكن حينما تحصل، فهي لن تنمحي أبدا… إن اعتبار نقل الآثار الفنية العربية إلى الراي العام العدو أو لقاء ممثلين مستقلين من نخبة المجتمع ألإسرائيلي 'تطبيعا» وخيانة، لهو في حقيقة الأمر كسل فكري وسياسي وعدم ثقة في مواجهة العدو والصداح بالوجود الفلسطيني في قلب طاحونته تكملة للمقاومة المسلحة المشروعة… أن تدعم حضور فيلم إسرائيلي في مهرجان مثل مهرجان «كان» كما فعلت مع فيلم «إستير» لعاموس غيتاي (85) ومن تمثيل محمد بكري، فهي صيغة من صيغ فرض الوجود الفلسطيني من جانب عرب 48… أن تحاور الروائي «عاموس عوس» أو تحضر احتفاء بالفيلسوف «ياهوشفع» أو تساعد المخرج «يال سيفان»، فذلك ليس «تطبيعا» لإنه بفعلك وبقناعاتك الثابتة تمارس مقاومة ثقافية، مقاومة لا تخضع لقوانين المواجهة العسكرية بوجهي الهزائم والانتصار، لأن نتائجها غير مرئية الآن وهنا وحالا. لكنها تعتمل كماء النار في الذهنيات. وإن ارتسمت فيها، فلن تبرحها أبدا… وهو ما لا يرتضيه ساسة إسرائيل ولا من يشبههم من أهلنا…

 

– إعلامي تونسي

الصباح التونسيّة 17 – 12 – 2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق