المقدَّس كملاذٍ نفعيّ

إنّ المقدّس ( الله)، كفكرة مثالية ومغلقة عن الكمال، وكملاذ نفعيّ رديء وباهظ، هو الإفقار المستمرّ والإنهاك الدائم لقدرات العقل البشريّ. إنّه بالأحرى انحطاطه المزري. كذلك يفعل المدنّس (الشيطان) من الجهة المقابلة؛ جهة الخمول والبلادة المفرطتين. المقدّس والمدنّس، الخير المطلق والشرّ المطلق، كلاهما، آفة مزمنة. يبدو أنّ البشرية لا ترغب حقّاً في التخلّص منها- من وبائها المزدوج المعتوه! من هذا الحيوان القذر النهم الذي يتلوّى مثل دودة داخل كلّ نفس مؤمنة متقدّسة مقابل كلّ نفس مدنّسة ترى في المقدّس عدوّها الأوحد؟! وما التناقض البهلول سوى هدر الجهد النفسيّ والعلميّ والوجدانيّ في محصلة تناقصية عقيمة. إنّ المقدّس – مطلقاً – أي بلا حدّ ولا نقد ولا تحيين ولا إعادة قراءة، يعتبر من أسوء كوابيس البشر عن أنفسهم الدنيوية المحطّمة، وطموحاتهم الميتافيزيقية المتطرّفة. المقدّس ربّ المرضى والعاجزين. يشكّل العجز تربة خصبة لكلّ كابوس متعالٍ وكلّ أمل مسحوق. العجز كمستوى أقصى للضعف وغياب القدرة الخلاقة على نحت الأجوبة في وجه الحياة الغامضة لكن المتحوّلة والمتجدّدة على كلّ حال. يغدو الأمل بحياة أفضل ضرباً من الخجل المنهك. ولدرء خجل البشر من أنفسهم يوكلون إلى المقدّس المطلق كلّ فعل وكلّ شأن. تشكل البداية أساس كلّ خرافة. نحن ، أي البشر، خطّاءون وعلينا طلب المغفرة.

لم يعد المقدّس، حيث الألوهة الكاملة، محفزاً ومنبع طاقة ومحرّض خيال مبدع. يفقد المقدّس قدرته على إلهام البشر حين يحوّل البشر قداستهم المستأجرة إلى تعالٍ عن الطبيعة؛ الطبيعة التي هي عناصر الحياة الأرحب والأقوى، الطبيعة الكلية التي هي (المقدّس الوحيد) في تجلّيات لا تحصى. إنّه الفكر المقعد – ملجأ خائري النفوس وضعيفي العزيمة. بدل أن يكون العالم – كمظهر من مظاهر الألوهة المطلقة – سرّاً يدفع العقل إلى البحث والتساؤل والخلق، يتحوّل الكائن في العالم متقلّصاً – كوجود تعدّدي لا يعرف غير التبدّل والتجدّد – إلى جواب نهائيّ أخرس. إنه الإيمان المنغلق الذي يربّي الضعف ويحوّل الضعف إلى منظومة أخلاقية أساسها العفّة وتجنّب الخطيئة. مع الضعف يحلّ الخوف كحمّى مرافقة، ليكملا معاً القانون الأخلاقيّ لكلّ مؤمن مريض بإيمانه. يخسر الإيمان قوّته الرحبة حينما يؤسّسها على الضعف إزاء الخالق الأوحد، ويحطّم الخوف رغبة المغامرة حينما يصم الإنسان كآلة تصنع الشرور. الأديان فكرة صالحة للكسل والتطفّل، فكرة طفيليّة لا تصل النضج ولا تولد نفسها إلا في استمرار الطفولة – كنقص جسديّ وفكريّ يوجبان الحماية والرعاية الدائمة – باستيرادها من العدم الإلهيّ كاستنفاع سقيم من تأليه ما ورائيّ جامد.

يتحوّل الكسل إلى اطمئنان متعال؛ إنّه عدم الحاجة إلى ناقص (الإنسان كائن ناقص إزاء الله) طالما أنّ الكمال كلّه هناك فيما لا يُطال ولا يُحدّ ولا يُمسّ. الطمأنينة مريحة لأنّ ما يمنحها الطاقة سحرٌ لامرئيّ، سحرٌ بلا جهد، وإن بنيت الطمأنينة هذه على النسيان، على غياب الحياة الفعلية لصالح حياة متخيّلة. الإنسان المدنّس خطأ، الربّ المقدّس جواب على الخطأ، والجواب يتركّز على الأخلاق، أي على طلب المغفرة والعون. إنّ نسبة الضعف إلى الإنسان هي كنسبة الخطأ إلى الجسد. ما يقمع الإنسان هو الضعف وما يشوّه الجسد هو العار. يشفى الإنسان من الضعف بالعبادة ويتطهّر الجسد من العار والخطيئة عبر المغفرة. لكنّ المغفرة مستحيلة. فمن يطلبها حدٌّ مطعون بالضعف ومن يفترض أن يلبّيها كيان بلا حدّ. كيف يعقل أن تكتمل مغفرة حدّاها لا يلتقيان. إنّهما يقيمان على الضدّ. وفي عالم تحرّكه أضداد سالبة يغدو طلب المغفرة عنواناً لطلب ما هو مستحيل. ثمّ إنّ المغفرة لا تخلق الصواب من الخطأ. المغفرة لا تصحّح الخطأ ولا تمحو الألم والضرر الناتجين عن الخطأ. فإمكانية التصحيح تنعدم عند لحظة اللجوء إلى طلب المغفرة. تشكّل المغفرة طريقة للنسيان لكن باسم آخر. البشر يأنفون من النسيان. النسيان مخجل. لذا تغدو المغفرة طريقة مجدية ومغرية للتغلّب على النسيان في حين أنّها ليست سوى قناع كامل لنسيان كامل. إنّه سردٌ طويل لتطفّل مقيت، وانفصام للعقل بين حدّ الحياة التي هي العمل والمواظبة الشكّاكة والمسعى المستمرّ نحو شروط حياة أفضل من جهة، وحدّ التقديس الذي يحوّل العمل إلى قربان متناسل وأحلام البشر إلى هالات وأطياف بلا جسد حقيقيّ حيث لا يتحوّل الغد إلى اليوم ويبقى الحاضر مؤجّلاً ومحبوساً في أبنية معرفة أبديّة لا نفاد لها.

الديكتاتوريون المخلّدون، إضافة إلى الآلهة الأبدية، وحدها تشكّل منعرج البؤس إلى الكمال. لذا تراهم واثقين ومؤمنين. الإيمان أيضاً معادل أخلاقيّ ودنيويّ للثقة الدينية المقدّسة هذه. إنّ من أخطر مشاكل البشر ثقتهم بأنفسهم وبعقائدهم المتحجّرة. يغدو الأمل الحياتيّ البسيط والضروريّ حقيقة مخجلة. ولدرء الخجل- رغم كونه سمة طفولة مدهشة – يطرح الكمال كعوزٍ فكريّ ضرير، ويحلّ الربّ المقدّس كملاذ نفعيّ باهت يصلح لكلّ زمان وكلّ مكان. إنّه الانشغال الأكثر ضرراً كطموح يشغل الجميع، في حين أنّه لا يعني أحداً قطّ. إنّ الخنوع السعيد غير الواعي وغير المختار لأيّ إله – رغم تغطّيه بإله مطلق- يحوّل الخانعين إلى وحوش نهمة ضدّ الإله نفسه وباسمه يتمّ تبرير أشدّ التصرفات سوءاً وأكثر الجرائم بشاعة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This