المكابرة على العدالة في دارفور تضرّ العرب وتخدم إسرائيل / راغدة درغام

فلسفة المثابرة التي قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إنها عقيدة يؤمن بها وسترافق إدارته للسنوات المقبلة، هي أيضاً سياسة حكيمة ومفيدة يجب الاقتداء بها في أكثر من ميدان ومكان.

قد تبدو المثابرة تمريناً مملاً ومتعباً يراهن البعض على هجره بمرور الوقت ضجراً أو إحباطاً. لكن الوجه الآخر للمثابرة هو انهاك وارباك ومفاجأة مَن راهن على زوالها بما يؤدي إلى الوصول إلى الهدف المدروس بصبر وبتماسك وبحكمة مكتسبة.

واليوم هناك أكثر من ملف يجدر بالإدارة الأميركية أن تتحلى بالمثابرة في شأنه لتنفيذ استراتيجية يتم التوصل إليها بعد انتهاء فترة الاستطلاع والاستماع الجارية والتي يجب ألا تطول وتترك الانطباع بأنها في حد ذاتها سياسة الإدارة الجديدة. فهناك أمور ملحة لا تتحمل العلك والتدليك حتى تنضج، وهناك مسائل لا يمكن التطرق إليها من دون وضوح الخيارات والشراكات الاستراتيجية، إن كانت مع الصين وروسيا أو السودان و “طالبان” وإسرائيل وفلسطين والعراق وأفغانستان وإيران. وهناك ضرورة للدول الأخرى أن تفكر بجدوى ومنافع المثابرة بدلاً من اعتباطية الرفض والكيل بالمكيالين انتقاماً من الازدواجية والتي تطبق المثل القائل باقتطاع الأنف لتلقين الوجه درساً في الانتقام.

وفي هذا الإطار على القمة العربية في الدوحة الأسبوع المقبل التفكير ملياً في انعكاسات احتمال احتضانها للرئيس السوداني، ضاربة بعرض الحائط قرار المحكمة الجنائية الدولية والتي تصرفت بتكليف من مجلس الأمن – في الوقت الذي يجب على الدول العربية أن تقوم بدفع المحكمة الجنائية إلى إعلان استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض ضد المدنيين في غزة دليلاً على ارتكابها جرائم حرب – كما استنتجت منظمة “هيومان رايتس ووتش”. فهذه المكابرة على المحكمة الجنائية بالوقوف مع الرئيس عمر البشير الذي أصدرت المحكمة مذكرة بتوقيفه بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، إنما تسيء إلى العرب قبل ان تسيء إلى إسرائيل التي يتمسك العرب بضرورة عدم افلاتها من المحاسبة. فلبعرب، بهذه المكابرة، ينسفون إحدى أهم أدوات محاسبة إسرائيل في سابقة لم يسبق أن حلموا بها. فلقد حان زمن الكف عن المكابرة تملصاً وهروباً إلى الأمام وحان وقت المثابرة.

منظمة “هيومان رايتس ووتش” عرّت الفظائع التي تم ارتكابها في دارفور وثابرت على المطالبة بالمحاسبة لسنوات. هذا الأسبوع اصدرت المنظمة تقريراً من 17 صفحة بعنوان “أمطار النار: استخدام إسرائيل غير القانوني للفوسفور الأبيض في غزة”. قالت فيه “إن اطلاق إسرائيل المتكرر لقذائف الفوسفور الأبيض على مناطق مزدحمة بالسكان في غزة أثناء الحملة العسكرية الأخيرة، كان قصفاً عشوائياً ويدل على وقوع جرائم حرب”، وان “الجيش الإسرائيلي استخدم هذه الذخائر عن عمد أو لامبالاة في خرق لقوانين الحرب”.

القادة العرب الذين استقبلوا الرئيس عمر البشير هذا الأسبوع، بمن فيهم الرئيس المصري حسني مبارك الذي كان في انتظاره في المطار، يقولون إنهم ليسوا طرفاً في “اتفاقية روما” التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي ليسوا ملزمين بقرارات المحكمة. يقولون إنهم لا يتوجهون إلى المحكمة الجنائية الدولية بطلب رسمي للتحقيق في ما ارتكبته إسرائيل في غزة، لأنهم ليسوا اعضاء في المحكمة. ومعروف أن الأردن وجيبوتي وجزر القمر هي وحدها الدول العربية الموقعة على اتفاقية انشاء المحكمة الجنائية الدولية.

واقع الأمر أن في وسع القمة العربية – لو شاءت – تكليف الدول الثلاث بطرح تجاوزات إسرائيل في غزة أمام المحكمة، لا سيما أن لديها الآن وثيقة منظمة عالمية تصف التجاوزات بأنها جرائم حرب. إذا وقع الخيار على هذا الأمر، يجب على القمة العربية عدم التفكير بما في ذهن بعض أعضائها، وهو استخدام قمة الدوحة لشن حملة ضد المحكمة الجنائية الدولية وضد قرارها بحق البشير واطلاق تهم على نسق “المؤامرة” ضد السودان وغض النظر عن إسرائيل تكراراً.

الخيار الآخر، بحسب مطلعين وعالمين بالأصول القانونية للمحكمة، هو أن تضغط الدول العربية على الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون كي يحيل طلب القمة إلى المحكمة الجنائية الدولية كما فعل في شأن دارفور. وهذا بدوره يستلزم الدعم والاحترام الكاملين من قبل العرب لقرارات المحكمة من دون مساومة على المادة 16 في مجلس الأمن لتأخير تنفيذ قرارها ضد البشير لفترة سنة.

حكومة السودان لا تريد المادة 16، لأنها إذا طلبتها، فإنها تقر بأن رئيسها يقبل الإدانة بارتكاب جرائم حرب، لذلك، إن ما تريده هو أن يطلب آخرون تطبيق تلك المادة، ثم ترضخ لها من دون التزام.

الأمين العام بان كي مون خائف من انتقام حكومة السودان من المنظمات الإنسانية ومن موظفي الأمم المتحدة وجهودها للإغاثة الإنسانية، ولذلك فهو يشق نافذة بين الحين والآخر على ترغيب الرئيس السوداني باتخاذ اجراءات داخلية تروّض الأوضاع وتنفّس التحقين، لكنه تكراراً يجد الأبواب توصد في وجهه لسببين رئيسيين هما: أولاً، العراقيل القانونية التي تحول دون رغبته إما بلقاء البشير أم بقيام الرئيس السوداني بإجراءات قانونية داخلية فات عليها الأوان. وثانياً، رفض الرئيس السوداني رفضاً قاطعاً اتخاذ أي اجراء ضد وزيره المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب أحمد هارون، وذلك خوفاً من ارتداد هارون وقبيلته الكبيرة والقوية عليه وعلى نظامه.

الأوروبيون يبحثون عن طرق لتنفيس التصعيد لا سيما أن عمر البشير يتحدى الاسرة الدولية والمحكمة الجنائية ومذكرة التوقيف ويتوجه من مطار دولة إلى أخرى ويلقى تشجيعاً من قادة أفارقة بينهم رئيس جنوب افريقيا السابق ثابو امبيكي الذي قال للمدعي العام لويز مورينو اوكامبو إن افريقيا تعالج خلافاتها بالتوافق وليس في المحاكم، فيما يقوم الرئيس السوداني بطرد منظمات الإغاثة الدولية التي تساعد شعبه.

رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة القس النيكاراغوي ميغيل ديسكوتو بروكمان تخطى صلاحياته بتصرفات ومواقف أجبرت رئيس الدول الموقعة على اتفاقية روما لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية كريستشان ويناويز إلى ارسال رسالة صارمة احتجاجاً وإعراباً عن القلق البالغ، طالب فيها أن تكون مواقف رئيس الجمعية العامة منسجمة مع مواقف الدول الأعضاء المطالبة بإنهاء الإفلات من العقاب واحترام المحكمة الجنائية الدولية التي وقعت 107 دول على انشائها.

ثم هناك الصين التي لها مصالح نفطية ومالية في السودان ومع النظام في الخرطوم والتي يعتمد عليها الرئيس السوداني لحمايته على رغم أنها أثبتت عدم قدرة على توفير الحماية الكاملة داخل مجلس الأمن وفي وجه المحكمة، فأعضاء المجلس منقسمون ولا يوجد ما يكفي من الأصوات لصالح البشير أو لحمايته. والصين لا تريد أن تكون في الواجهة وتستخدم الفيتو في أوضاع محرجة.

أما الولايات المتحدة فما زالت تدرس استراتيجيتها اثناء رئاسة أوباما، علماً أنه عندما كان مرشحاً أعلن مواقف صارمة دفاعاً عن دارفور، بما في ذلك اجراءات عسكرية على نسق فرض حظر الطيران.

بعض المصادر يقول إن السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة المتشددة في شأن دارفور سوزان رايس تدرس كل الخيارات المتاحة، بما في ذلك العودة إلى مذكرة المبعوث الأميركي للإدارة السابقة إلى دارفور ريتشارد وليامسون التي اقترح فيها ثلاث خطوات لكبح الرئيس السوداني، وهي: قيام الولايات المتحدة بتعطيل كل وسائل الاتصالات في الخرطوم لمدة يومين لإثبات ضعف السودان وهشاشته، وممارسة الضغط المتزايد في مرفأ السودان من حيث يتم تصدير النفط وكسب الإيرادات وذلك عبر ايفاد سفن بحرية إلى قرب المرفأ كخطوة أولى، ثم تفتيش بعض السفن الذاهبة والعائدة منه، ثم فرض حصار لمنع الصادرات النفطية. وتقوم الولايات المتحدة بتحديد أهداف الطائرات العسكرية التي تقوم برحلات محظورة إلى دارفور كي تكون الخطوة الأولى تدمير بعضها على الأرض ليلاً ثم تدميرها كلها في حال استمرت المكابرة السودانية ورفض تسليم المتهمين.

وللتأكيد فإدارة أوباما لم تتخذ القرار العسكري، بل هي ما زالت تدرس خياراتها، بما في ذلك هذه الاقتراحات، وما يبلغه أقطاب هذه الإدارة إلى المهتمين بهذا الملف وذوي التأثير في الحكومة السودانية، هو أن الضغوط ضخمة من المنظمات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية، وأن لا مفر من مواجهة الواقع. واقع عدم الافلات من العقاب لما حدث في دارفور. وعليه التحذير عسى أن تقوم الحكومة السودانية أو المؤسسة العسكرية بإجراءات تصون السودان من اجراءات عسكرية مطروحة على طاولة الخيارات.

الصين تلعب أوراقها حالياً بطريقة قد تعطي المؤسسة الحاكمة في السودان الرسالة الخاطئة، ذلك لأنها لا تتعاون ولا تساعد أوروبا والولايات المتحدة في ملف السودان، فيما تحسب حساباتها الأوسع، لا سيما تلك المتعلقة بالاقتصاد وبالعلاقة الثنائية مع الولايات المتحدة. لكن الموقف الصيني لربما هو في نهاية الأمر تضليل للسودانيين، لأن الصين لن تتمكن من المواجهة بمفردها فيما لا تتوافر في مجلس الأمن الأجواء اللازمة لها لحشد المعارضة للمحكمة الجنائية أو لإجراءات لاحقة في حال استمرار المكابرة.

الولايات المتحدة عازمة على حياكة شراكة استراتيجية مع الصين وروسيا، وهي تدرك الآن أنها كانت في سبات عميق فيما كانت الصين وروسيا تصيغان بينهما شراكة نفوذ وطاقة ونفط وسيطرة في أكثر من منطقة، في شبه امتداد للحرب الباردة التي استمرت بها إدارة جورج بوش ايضاً انما باستئساد وليس بإجراءات. اليوم تريد الولايات المتحدة في عهد أوباما شراكات استراتيجية ذات قواعد جديدة عنوانها الاساسي الاقتسام انما مع الاحتفاظ بأدوات النفوذ والسيطرة. تريد تجنب الظهور بمظهر المنافس المدني او المهيمن العسكري وان ترتدي حلة الشراكة – انما حتى حدود مثل التمسك بالدولار كعملة عالمية ورفض التفكير بعملة بديلة كما ألمحت الصين وقبلها روسيا.

كيف ستنعكس هذه الشراكات الكبرى على كيفية تناول القضايا والنزاعات الاقليمية؟ هذا هو السؤال الذي يستحق التمعن لا سيما عندما تجتمع القيادات العربية او الأفريقية. ففي قمة الدوحة يجب التفكير بفلسفة المثابرة التي تحدث عنها الرئيس الاميركي لترى كيف يمكن تطبيقها من أجل المصلحة العربية المشتركة ومن أجل الضغط على اسرائيل للحؤول دون مشاريعها لإجهاض قيام دولة فلسطين المستقلة الى جانب اسرائيل. وهذا ما قاله الرئيس باراك أوباما عندما سئل في مؤتمره الصحافي ماذا سيفعل إزاء ازدياد التملص من خيار الدولتين، قال انه مؤمن بالمثابرة وان إدارته ستصر على المثابرة بعناد حتى تحقيق المبادئ والأهداف التي تؤمن بها.

على القمة العربية الالتفات الى هذه الناحية والبناء عليها كما يجدر بالقمة العربية البناء على تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش» وأن تصر على الامين العام بان كي مون كي يوضح ان كان يرى ان ما قامت به اسرائيل جريمة حرب – أو أقله ان يحيل المسألة الى المحكمة الجنائية الدولية.

فلا منفعة من شن الهجوم على مؤسسات العدالة أولاً لأن التهمة خطيرة وثانياً لأن مؤسسات العدالة هي في مصلحة العرب وليست ضد مصلحتهم، شأنها شأن الشرعية الدولية. فإذا ثابرت الحكومات والمؤسسات والهيئات الشعبية والنخبوية العربية على الإصرار على إجراء التحقيقات في غزة وفلسطين وحيثما قامت اسرائيل بالتجاوزات ستجد نفسها في نهاية المثابرة أمام مفاجأة عادلة عكس ما ستقودها اليه المكابرة على العدالة

عن جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق