المكتبــات الحديثــة تطــرد القديمــة فــي القاهــرة / منصورة عز الدين

 يحلو لهواة التقسيمات والحدود الواضحة أن يختاروا عام 2002 باعتباره العام الذي شهد التحول الرئيسي في سوق الكتاب والقراءة في مصر.

في هذا العام صدرت رواية «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني لتحظى بنجاح غير مسبوق على مستوى المبيعات، وتلفت نظر الناشرين الكبار إلى أن الأدب يمكنه أن يحظى بمقروئية عالية، لكن الأهم أن 2002 شهد افتتاح مكتبة ديوان بحي الزمالك، تلك المكتبة التي أعلنت عن نفسها بعبارة اعتبرها البعض وقتها من قبيل المبالغات الدعائية المحضة. إذ رأى المسؤولون عن ديوان أن مكتبتهم ستغير ثقافة القراءة في مصر، وهو ما كان.

الأمر طبعاً ليس بهذه البساطة، فثمة عوامل كثيرة ومصادفات موضوعية تضافرت لصنع لحظة مناسبة لانتعاش القراءة ولو جزئياً. غير أننا هنا لسنا في وارد الحديث عن الأسباب، بقدر ما نرغب في تناول النتائج المترتبة على «تغير ثقافة القراءة»، وعلى شيوع المكتبات الصالونية على النمط الغربي.

هذه المكتبات غيّرت بالفعل من فكرة المكتبة نفسها، تلك التي لطالما تعاملنا معها باعتبارها مكاناً نذهب إليه لشراء كتاب ما والمغادرة فوراً، وتعامل أصحابها معها في الغالب، كمخازن تُرَص فيها العناوين كيفما اتفق دون أي اعتبار لعامل الجاذبية أو السياق النفسي المصاحب.

يستطيع القارئ أن يذهب لأي من هذه المكتبات لتناول قهوته وهو يقرأ كتابه، يمكنه أن يشتري كتاباً ويجلس لقراءة آخر، بل يمكنه حتى أن يتجول بين أرفف الكتب المرتبة جيداً ويسحب أحدها للقراءة في المقهى الملحق دون أن يضطر لشرائه ودون أن يجد من يلاحقه لدفعه للشراء. مثّلت هذه المكتبات على تنوعها واحات للقراءة في صحراء كاملة من عدم الاهتمام بهذا الفعل بل وحتى السخرية منه. كما أشعرت روادها على اختلافهم بأنهم جزء من عائلة أوسع، مجتمع خاص ومعولم يتشابه أفراده، يرشحون الأعمال لبعضهم البعض دونما سابق معرفة، ويقفون في حفلات التوقيع للحصول على توقيع كتّابهم المفضلين.

شيئاً فشيئاً، أصبحت المكتبات الحديثة لاعباً رئيسياً في سوق الكتاب في مصر. لاعب مؤثر يمكنه أن يرفع مبيعات كتاب بعينه، ويعتم على آخر. اختيار كتاب ضمن ترشيحات «ديوان» للقراءة كفيل برفع مبيعاته بدرجة كبيرة، كذلك اختياره ككتاب للشهر في مكتبة الكتب خان. طريقة وضع العناوين في المكتبة تدرجاً من الواجهة إلى الأرفف البارزة نزولاً إلى أرفف الأركان المنسية تلعب، هي الأخرى، دوراً مهماً في حظوظ البيع من عدمه. سلاسل مكتبات ديوان تختار العناوين التي تعرضها وفق معايير صارمة، وهي التي تطلب ما ترغب في عرضه من الناشرين. مكتبات الشروق تولي الأهمية الأكبر، بطبيعة الحال، للكتب الصادرة عن دار الشروق للنشر، وعناوين البيست سيللر والكتّاب الأكثر شهرة. في «كتب خان» تحرص كرم يوسف صاحبة المكتبة على نوع من التوازن بين الكتب ذات القيمة الأدبية الجيدة والأخرى مضمونة البيع، وعبر السنوات الماضية نجحت، عبر شغفها بالكتب، في خلق درجة من الثقة بينها وبين المترددين على مكتبتها، تجعلهم يقبلون فوراً على العناوين التي ترشحها لهم، الأمر الذي ساهم في ترويج عناوين جيدة غالباً ما كانت لا تحظى بالرواج اللائق وسط طوفان الكتابات الخفيفة المكتسح.

نهاية عصر؟

منذ ثماني سنوات تقريباً، وفي بداية ظهور المكتبات على النمط الغربي، أفاق المثقفون على اختفاء مكتبة الكتاب الفرنسي لصاحبتها إيفيت فرازلي، والتي ظلت طوال عقود، بموقعها في عمارة الإيموبيليا بوسط البلد، المصدر الأهم للكتب الفرنسية في القاهرة. بعد وفاة فرازلي نشأت الخلافات بين الورثة وشركة الشمس مالكة العقار، وبعد ماراثون في أروقة المحاكم، أفسحت المكتبة العريقة مكانها لمحال اللانجيري والأحذية. انتقل بها الورثة إلى ضاحية المعادي، وخرجت إلى درجة كبيرة من دائرة التأثير.

وقتها سارع كثيرون لرثاء المكتبة معتبرين إغلاقها المؤقت وترحيلها من مكانها نهاية عصر، مرددين أنه في السنوات الأخيرة، ومع تراجع عدد القراّء بالفرنسية، تغيّرت نوعية زبائنها من المثقفين الفرانكفونيين وسيدات المجتمع الراقي، إلى تجار الموبيليا الباحثين فقط عن كتالوجات الأثاث. كانت فرصة مناسبة تماماً لترديد أكليشيهات معتادة عن التدهور المجتمعي، والانحسار الثقافي. لم يدرك أحد وقتها أن الفكرة الأساسية تكمن في أننا نعيش في لحظة مغايرة تحتاج لنوعية مختلفة من المكتبات ونظرة جديدة لفكرة المكتبة وثقافة القراءة ككل.

من رددوا مقولات أن تراجع عدد قراء الفرنسية هو ما أدى للخسائر التي مُنيت بها مكتبة إيفيت فرازلي لم يستطيعوا تبرير الإقبال على الكتب الأجنبية بما فيها الفرنسية في مكتبات ديوان وكتب خان وغيرها من المكتبات الحديثة، خاصة أن جزءاً كبيراً من قراء هذه المكتبات، لا سيما في بداياتها، هم من خريجي المدارس الأجنبية والأجانب المقيمين في القاهرة.

ومؤخراً جاء الدور على مكتبة دار المعارف، لتحظى باهتمام المتابعين والمثقفين، بوصفها صرحاً عريقاً مهدّداً بالاختفاء، أو بتعبير الناقدة والصحافية عبلة الرويني «تاريخ يُطاح به أمام أعيننا دون أدنى إحساس بالخطر أو دون أدنى إحساس بالأسف أو بالأسى».

والحكاية أن فرع مكتبة دار المعارف بوسط البلد «شارع عبد الخالق ثروت» ظل مغلقاً طوال الأشهر الماضية دون أي معلومات باستثناء لافتة «مغلق للتحسينات» المعلقة على الواجهة. مما أدى لإثارة شائعات كثيرة يصب معظمها في خانة الخصخصة وبيع الفرع، أو تأجيره في أفضل الأحوال. لتتضح الصورة مع إعادة افتتاح المكتبة بعد تطويرها، حيث قام هشام أبو حجازي صاحب مطبعة «الجزيرة إنترناشيونال» بتجديد المكتبة بعد أن أصبح الوكيل الوحيد الذي يورد لها العناوين. كأن دار المعارف بكل تاريخها في النشر والتوزيع، ومع تراجع حضورها في السنوات الأخيرة، سوف تتحوّل مكتباتها، ممثلة في فرع عبد الخالق ثروت، إلى مجرد مكتبة لتوزيع العناوين نفسها الموجودة في المكتبات الأخرى.

المسكوت عنه في ما يحدث أن المكتبات التابعة لدور النشر ذات التاريخ العريق تعيش حالياً واحدة من أسوأ فتراتها، إذ تعتمد، في غالبها، على اسمها وتاريخها فقط (كثير من المكتبات المصرية القديمة هي مكتبة ودار نشر في الوقت نفسه). ويمكننا هنا أن نستدعي مكتبة الأنجلو المصرية التي أسسها صبحي جريس عام 1928 واختصت بنشر وتوزيع الكتب الجامعية والكتب الأجنبية. ومكتبة النهضة المصرية التي أُفتتحت عام 1930 ونشرت لعباس العقاد وطه حسين وزكي نجيب محمود ومحمد حسين هيكل وآخرين. ثمة أيضاً مكتبات متخصصة مثل مكتبة المتنبي التي تأسست عام 1970 والمتخصصة في بيع كتب التراث والقواميس، ولا يتردد عليها الآن إلا علماء الأزهر والقلة المهتمة بكتب التراث. ومكتبة البابي الحلبي (تأسست سنة 1859 على يد السوري أحمد الحلبي تحت اسم «الميمنية») التي اشتهرت في الماضي بإصدار «ألف ليلة وليلة» و«رجوع الشيخ إلى صباه»، وغيرها من العناوين الشهيرة، أصبحت تعتمد، هي الأخرى، على طلاب الأزهر الذين ينقبون بداخلها عما يحتاجون إليه من عناوين يعلوها الغبار.

استنساخ وشبهة احتكار

يرى كثير من المثقفين المنحازين للنمط القديم من المكتبات، خاصة المكتبات المتخصصة في كتب التراث والمعاجم والموسوعات وخلافه، أن المكتبات الحديثة ساهمت في تهميش المكتبات القديمة دون أن تقدم بديلاً مشبعاً. يحب هؤلاء أن يتهموا المكتبات الحديثة بأنها مستنسخة من بعضها البعض، تعرض العناوين الجديدة فقط، ولا تهتم بالصناعة الثقافية الثقيلة، وتسهم في تسييد الكتابات الخفيفة.

وهي اتهامات صحيحة جزئياً فقط، فنجاح المكتبات الحديثة أنعش صناعة الكتاب ككل، وأفاد الكتّاب خاصة من الأجيال الجديدة لأقصى حد، إلا أنه، وبشكل غير مباشر مثّل تهديداً للمكتبات القديمة والمتخصصة، لأنها «أي المكتبات الحديثة» طرحت صيغة أكثر جاذبية لفكرة بيع الكتاب وخلقت معها شرائح جديدة لم تكن تلتفت كثيرا للكتب المكتوبة بالعربية، في حين ظلت المكتبات القديمة تعاني من قلة الإقبال عليها.

لكن هؤلاء المتهِِمين، يتناسون، أن الشرائح التي اجتذبتها المكتبات الصالونية على النمط الغربي، هي في معظمها شرائح مختلفة تماماً عن المتعاملين مع المكتبات القديمة والمتخصصة، والتي تعاني بضاعتها من الكساد حتى قبل ظهور المكتبات المعولمة. كما يتناسون أن المكتبات القديمة رفضت مواكبة الزمن، إذ عليها أن تطور من نفسها على النحو ذاته دون أن يعني هذا أن عليها أن تغير من نوعية كتبها.

غير أن الأمر لا يقتصر فقط على المنافسة بين المكتبات الحديثة، والمكتبات التقليدية، لكنه يمتدّ أيضاً لمنافسة شرسة بين المكتبات الحديثة وبعضها البعض، حيث يصح الآن تقسيم هذا النوع من المكتبات إلى مكتبات مستقلة مثل «كتب خان»، و«بدرخان»، و«البلد» مثلاً، ومكتبات كبرى ذات فروع متعدّدة مثل سلاسل مكتبات الشروق وديوان، وبطبيعة الحال تستحوذ المكتبات الكبرى على جزء لا يستهان به من السوق الأمر الذي قد يشكل خطراً على المدى البعيد على المكتبات الأصغر. غير أن أصحاب المكتبات المستقلة لا يقرأون المشهد بالضرورة على هذا النحو، فالكاتب إيهاب عبد الحميد صاحب مكتبة «بدرخان» بالشراكة مع المخرج علي بدرخان يوافق على أنه « لدينا حتى الآن سلسلتان كبيرتان من المكتبات، هما الشروق وديوان، وهما تتنافسان فى سوق محدود للكتب، من هذه الزاوية يمكن اعتبارهما «خطراً» على المكتبات الصغيرة، لكن من زاوية أخرى فإن ظهور المكتبات في حدّ ذاته يوسع من قاعدة القراء، باعتبار أن «الوفرة» يمكن أن تخلق «الحاجة»، لذا فزيادة عدد المكتبات الكبيرة تسحب بيد من السوق، لكنها تعطى باليد الأخرى للسوق نفسه. لذا أنا شخصيا أسعد مع افتتاح المكتبات الجديدة، وإن كنت أقلق من افتتاح مكتبات فى مناطق متخمة بالمكتبات، أثار قلقي مثلا أن تفتح مكتبة الشروق على بعد خمسين مترا من مكتبة ديوان الزمالك. لكن عموما السوق تحكمه عوامل أخرى، وحسابات عديدة».

لا يشعر عبد الحميد إذاً بالخطر من سلاسل المكتبات الكبرى رغم شراسة المنافسة، إلا أن آخرين، معظمهم من المتابعين، يشعرون بالقلق من نزعة «احتكارية» محتملة، خاصة إذا علمنا أن سلسلتي مكتبات الشروق وديوان تملكهما شركة واحدة! وثمة شائعات في الفترة الأخيرة مفادها أن هناك شركة ألمانية كبرى تدرس حالياً إمكانية دخول سوق بيع الكتاب العربي، عبر شراء/ إنشاء سلاسل من المكتبات على امتداد الوطن العربي، وعلى مسؤولية الشائعات ستكون القاهرة نقطة الانطلاق الأولى.

لكن مهلاً، أليس من السابق لأوانه استخدام لفظ «الاحتكار» عند الحديث عن سوق في بدايات علاقتها بثقافة بيع الكتاب على النمط الحديث؟!

 

عن ملحق السفير الثقافي


 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق