“المليونير المتشرد” مابين سؤالين :

يمكن القول إنّ فيلم “المليونير المتشرّد” شكّل علامة فارقة في تاريخ السينما، ليس لأنّه حصد الكثير من الجوائز ومنها جوائز الأوسكار، بل لأنّه من الأفلام النادرة في تاريخ السينما التي عبّرت عن عوالم الفقر والتشرّد، وعكست ذلك التناقض الحاصل بين طبقتين إحداهما تزداد غنى وارتفاعا في عالم الثروة والبذخ، والثانية تزداد فقرا وهبوطا باتجاه الجحيم المفتوح على احتمالات لانهائية المدى، بدءا بالسرقة وليس انتهاء بالجريمة وعوالمها. فقد تمكن الفيلم بطريقة بارعة من تبيان مدى الخواء والفقر الذي تعيشه الطبقة الدنيا من المجتمع الهندي، عبر عرضها بكامل عريها وانغماسها في تأمين الحدّ الأدنى من ضرورات الحياة، وذلك عبر تقنية سينمائية بسيطة ومعقّدة في آن، تقنية تحمل من البساطة دفئها، ومن التعقيد قباحة عوالم الفقر هذه.

وعبّر الفيلم عن ذلك التناقض الحاصل بين العالمين المذكورين، من خلال عنوانه الذي جمع ببراعة بين كلمتين من النادر أن يجتمعا على أرض الواقع، ليجعل منهما عنوانا يقترب من تخوم الخيال واللامعقول، جاعلا من اللامعقول هذا معقولا سينمائيا بامتياز بل وسحريا أيضا، إذ عمل على إعادة خلق العالم عبر التعبير عنه والسخرية منه في آن.

واستطاع الفيلم التعبير عن هذه العوالم بدقّة متناهية عندما اختار لبطولته ثلاثة أطفال، جاعلا من الطفولة والاعتداء عليها، والانتهاكات التي تحصل بحقّها، موضوعا أساسيا إلى جانب مواضيع أخرى، مستغلا بذلك ما تتركه الطفولة من أثر كبير في نفس المشاهد، ومستغلا القدرة التعبيرية للأطفال سينمائيا، عبر التعبير بدقّة معقّدة عن البراءة التي يحملها الأطفال، براءة تحمل إنسانية عالمهم وبساطته وسحره، مقابل عوالم سوداء تنتهك هذه الطفولة وتبتر سحرها.

يروي الفيلم قصّة طفلين أخوين فقيرين( سليم وجمال) – تنضمّ إليهما لاتكيا لاحقا – يفقدان أمّهما أثناء اعتداء ينفّذه مجموعة من المتعصّبين الهندوس ضدّ المسلمين الفقراء الذين يحيون في ظروف بالغة القسوة والفقر، ليجدا نفسيهما فجأة وسط العراء، الذي سيوزّع أيامهما المقبلة على أقدار مفتوحة على كل احتمالات الرعب والفجيعة، في عالم تحكمه ذئاب تتعيّش على لحوم الفقراء وأجسادهم.

يعيش الأخوان وحدهما في كوخ، معتمدين التسوّل ونبش أكوام القمامة والسرقات البسيطة، باحثين عن قوت يومهما، وفجأة بينما الأخوان في الكوخ والمطر ينهمر، يريان فتاة تقف تحت المطر، فيرقّ قلب الصغير جمال للفتاة بينما الأخ الكبير لا يبالي بها، فيدعوها جمال للاحتماء من المطر في الكوخ، لتبقى معهما إلى أن تأتي عصابة تتاجر بالأطفال وتستخدمهم في السرقة وعالم التسوّل تمهيدا لإدخالهم عالم الجريمة.

{{حبّ مجهض بقسوة الفقر والجريمة:}}

هنا تبدأ علاقة حبّ بريئة تنمو بين الفتاة وجمال، هذه العلاقة التي ستصبح الموجّه الأساسيّ لجمال في كلّ تصرّفاته وتوجّهاته، وهي التي ستبثّ في الفيلم روحا تستطيع أن تقدّم عالما روحيا موازيا لعالم الفقر والجريمة والقبح، وستساعد المشاهد على الصمود حتى نهاية الفيلم، متحمّلا عذاب هذا الفقر القاتل للروح وبؤسه وخواءه.

يطلب قائد العصابة من سليم إحضار جمال لفقء عينه حتى يصبح “مادّة دسمة ” للتسوّل، هنا يهرب الثلاثة باتّجاه القطار، ولكنّ سليم لسبب ما في نفسه يترك يد “لاتيكيا” ويرفض إنقاذها لتصعد معهما القطار، يتركها ليد العصابة التي ستهيئها لتكون” طفلة للبيع” أو راقصة أو عاهرة في أحد المواخير.

تمر سنوات يقضيها الأخوان في العمل والتشرّد والسرقة أحيانا، تارة نجدهما دليلين سياحيين، وتارة بائعين… ولكن تبقى “لاتيكا” في قلب جمال، دون أن ينساها أبدا، ليقرّر فجأة البحث عنها، فيعودان إلى مكان العصابة ويسألان عنها، ويصلان إلى الفندق، ليريا أنّ لاتيكا أصبح اسمها “شيري”، ولكنهما يجدان أصحاب العصابة بانتظارهما، فيقوم سليم بقتله باستخدام مسدس وسط دهشة “جمال” الذي يستغرب من أين أتى أخوه بالمسدّس؟ وكيف يملك الجرأة على القتل؟ وأين تعلّم ذلك؟ (هل مدرسة الفقر من علّمته أم مدارس القائمين على مدارس الفقر في البلاد؟).

يهرب الثلاثة وتتوطّد قصة الحبّ بين جمال ولاتيكا التي تدرك أنّ جمال عاد من أجلها وأنقذها من حياة البؤس والدعارة التي كانت تجهز لدخولها. ولكن تأتي السكاكين من حيث لا يدري المرء، فعالم الفقر مفتوح على كلّ شيء بما فيه خيانة الأخ لأخيه!!

يطرد سليم أخاه جمال، ويغتصب لاتيكا ويسلّمها لرجل العصابة الذي يعمل معه مقابل المال، ويتشرّد جمال ليعمل مقدّما للشاي في شركة اتصالات، إلى أن يعثر على رقم أخيه بعد مرور سنوات أخرى ويتّصل به وهدفه توبيخ أخيه، والبحث عن لاتيكيا حيث يقوم بمراقبة أخيه ليعرف أنّها في قصر رئيس العصابة، فيتسلّل إلى الداخل كعامل صحون، ويلتقيها تشاهد برنامج “من سيربح المليون”، هذا البرنامج الذي سيكون دليله الوحيد للوصول إلى لاتيكا لمعرفته الأكيدة أنّها تتابع حلقاته بعد محاولة فاشلة للهرب يكون أخوه فيها مرة أخرى هو العائق لصالح رئيس العصابة !!..

عندها يقرّر “جمال” المشاركة في برنامج من سيربح المليون.

{{
مابين سؤالين : سؤال المحقق وسؤال مقدم البرنامج : حياة من الرعب والفجيعة:}}

عندما يقترب “جمال” من الفوز بجائزة البرنامج الشهير “من سيربح المليون؟”، يرعب هذا الأمر مقدّم البرنامج الذي يستدعي الشرطة : إذ كيف يمكن لفتى وفقير في آن!! أن يعرف كلّ هذه المعلومات التي يعجز عن معرفتها الكبار وأصحاب المعارف، وهنا يقدّم الفيلم بطريقة ذكيّة نقدا مبطنا لهذه الثقافة القائمة على أن الأغنياء يحتكرون كلّ شيء بما فيها ادّعاء المعرفة، في الوقت الذي لا يفقهون أيّ شيء حقيقة. حيث لا يمكن للفقراء أن يحقّقوا أحلامهم أبدا، حتى لو كانت مجرّد الفوز بجائزة!

يبدأ التحقيق مع جمال لمعرفة الطريقة التي غشّ بها حتى تمكّن من معرفة الإجابة عن أسئلة المسابقة، وفق طريقة وحشية تبدأ بالضرب ولا تنتهي عند ربط الكهرباء بالرجلين بينما الجسد معلّق في فضاء الرعب، وهنا ما بين سؤال المحقّق وسؤال مقدّم البرنامج تبدأ الحكاية، حكاية لا يمكن اختصارها بجواب أو فيلم أو مشهد، حكاية تبدأ من سؤالي( المحقّق – مقدّم البرنامج) مبرمجي الخديعة وحرّاسها، حماة الأغنياء المتحكّمين بتوقيت الانفجارات ليحيا عالم “الفوق” من تأثيرات عوالم “التحت” المزعجة.

هكذا يغدو كلّ سؤال جرحا وفرحا في آن، جرح لأنّه يفتح الذاكرة على مشهد من طفولة معذّبة ومشهد قاسي تعرّض له جمال، وفرحا لأنّ هذا المشهد هو من علّمه الإجابة الصحيحة للفوز بجائزة المليون.

كل سؤال يغدو منفذا دراميا للدخول في حكاية ذكرى جديدة، إلى أن يصل إلى السؤال الأخير، حيث يطلب الاتصال بأخيه لمساعدته في حلّ اللّغز، ولكن هنا في هذه اللحظة يكون ضمير أخوه استيقظ، فيساعد لاتيكا على الهرب ويعطيها رقم هاتفه، لتردّ على جمال ويلتقي الحبيبان، ولكن هنا في هذه اللحظة يكون رئيس العصابة يتابع البرنامج الشهير فيسمع صوت لاتيكا على التلفزيون، فيدرك أنّها هربت، فيبحث عن سليم الذي يكون ينتظره بعد أن سرق أمواله وجمعها في بانيو الحمام فيقتل رجل العصابة ليقتل في دوره داخل بانيو مليء بالمال الذي عبده وسعى حياته بحثا عن امتلاكه انتقاما من حياة البؤس والتشرّد.

{{الأخوان : نسبية الشرّ والخير :}}

لعلّ أهم القضايا التي لعب عليها الفيلم هو عدم الركون إلى ثنائية خير وشرّ مطلقين، بل عبر المخرج ببراعة فذّة عن نسبية الخير والشرّ في داخل كلّ شخصية، إذ ليس هناك خير مطلق، وليس هناك شرّ مطلق، فنجد الأخ الأكبر سليم الذي علّمه الفقر أن يكون قاسيا ولئيما وشرسا، يسعى لأن يكون غنيّا بأيّ وسيلة حتى لو باع أخاه، جعلت منه الحياة القاسية شخصية وصولية، وعلّمته الدروب الصعبة التي خاض غمارها أن يدوس كلّ شيء في طريقه من أجل الوصول إلى المال، مقابل أخيه جمال الذي علّمه الفقر أن يكون متواضعا وأن يفهم ماذا يعني الفقر؟ وما هي أسبابه؟ فيسعى للتخلّص منها بأفضل الوسائل دون الخوض في غمار الوحل والجريمة مرّتين، شخص يحتفظ بإنسانيته في أقسى اللحظات، ونراه يرقّ قلبه عندما يشاهد فتاة لا يعرفها تقف لساعات طويلة تحت المطر، فيدعوها لتحتمي من المطر.

هكذا يتصارع الأخوان (الخير والشرّ)، فنجد الأخ الكبير القويّ (قويّ وكبير في دلالة واضحة على قوّة الشرّ دائما وتسيده في الحياة) يخوض غمار الجريمة، ويصبح قاسي القلب لا يرحم أحدا، فنجده يساعد رجل العصابة الذي يقوم بخطفهم في تدجين أصدقائه ومنهم أخاه، فنرى فيه رجل عصابة صغير يأمر ويبحث عن السطوة والقوّة وكلّ ما فقده، يصبح ذراعه الأيمن، إلى درجة يجهّز له الأطفال الصغار حتى يقوم بفقء أعينهم كي يصبحوا مادّة للتسوّل، إلى أن يطلب منه رجل العصابة أن يأتي له بأخيه الصغير جمال، كي يفقأ له عينه، عبر إيهامه بأنّ عالم الغنى والمال يبدأ من هنا من الدوس على القيم والأخوة، فيقتنع معه، ويذهب يجلب أخوه الذي يقف يغني معتقدا أنهم سيختارونه مغنّيا، دون أن يعرف ما يدبّر له ..هنا يستيقظ فجأة ضمير الأخ الكبير سليم، فيضرب رجال العصابة على غفلة ويهربان معا، وبصحبتهما الفتاة لاتكيا، ويهربان باتجاه القطار، ولكنّ مشهدا ما سيجعلنا نتوقّف عنده كثيرا وهو المشهد الذي سيترك فيه سليم يد “لاتيكا” بشكل متعمّد ويتركها لرجال العصابة، في الوقت الذي كان يستطيع فيه إنقاذها!!

فسليم شخصية يطغى عليها الشرّ ولكنها ليست شريرة بالمطلق، فالخير مزروع في دواخلها، ولكنّه غائب داخل شحوم من التراكمات والعذابات والإهانات والأحلام التي تسعى لتحقيق ذاتها بأيّ وسيلة، فنراه يستيقظ أحيانا من “شرّه” كمن يستيقظ من حلم ليعود إليه مجدّدا إلى أن يستيقظ استيقاظه الأخير لينقذ حبّ “لاتيكا وجمال” ويسمح لها بالهرب إلى أخيه مدركا أنّه سيدفع حياته ثمنا لذلك.

كذلك شخصية جمال فهي شخصية خيّرة، ولكنّ المخرج لا يركن لمطلقية الخير، فنراه يصوّره لنا شحّاذا وسارقا لأحذية المصلّين، وإلى ما هنالك من الشرور الصغيرة التي يرتكبها أيّ طفل بحثا عن لقمة تسدّ فاه الفقر الذي لا يرحم.

{{التناقض المدهش والتضاد الخلاق :}}

من اللعب الفنّية التي ساهمت في نجاح الفيلم، هو لعب المخرج على المتناقضات والمتضادّات التي ولّدت جدلا مبدعا، ساهم في إثارة الحيوية والإثارة داخل الفيلم، بدءا من العنوان” المليونير المتشرّد”، هذا التناقض بين عالمين عالم الغنى المفتوح على كلّ شيء وعالم الفقر المفتوح على لاشيء.

وهناك جدلية الخير والشرّ عبر نسبيتهما (جمال وسليم)، وجدلية إعلام الحقيقة وإعلام الزيف عبر برنامج يسعى لتخدير الشعوب بجعل المليون حلما لهم بعيدا عن معرفة أسباب حاجة الشعب لهذا المليون وتعلّقه به، عبر إخفاء الأسباب التي أدّت إلى هذا الوضع المأساويّ.

هذه الجدليات وغيرها ساهمت في إغناء الفيلم، لأنّ الجدل بين المتناقضات، ولو بشكل صامت أو صوري سينمائيّ، يثير الكثير من الحيوية، ويسمح للمشاهد بمشاهدة الرؤيتين المتناقضتين، فيرى محاسن كلّ منهما وعيوب كلّ منهما، يراهما في لحظة صراعهما، مشاهدا لحظة الخلق التي تجمع التحام المتضادّين، وافتراقهما ليولد من فنائهما رؤية جديدة أو فكرة جديدة.

{{
تلفزيون الربح وربح السراب :}}

من الأشياء الهامّة التي عبّر عنها الفيلم وفضحها هي دور التلفزيون في الترويج للكذب عبر بث أحلام الثراء الكاذبة عبر برنامج : من سيربح المليون؟ محوّلا الشعب إلى مجرّد متلقّ، تابع، مخدّر، يقبع أمام شاشة التلفاز، منتظرا تحقيق أحلام الغنى بشكل سريع، عبر انتظار الغيب الذي يرمي “مالا” مخرّبا بذلك نظام القيم التي تجعل من المال نتاج العمل وقيمه، وعاملا أيضا على تخدير العقل عبر منعه من التفكير وطرح الأسئلة من نوع : من أوصلنا إلى هنا؟ لماذا يتسمّر شعب بأكمله أمام شاشة تلفاز بحثا عن فرصة ربح وهمية أو ضئيلة بأحسن الأحوال؟

هكذا يسعى البرنامج إلى الكذب على الناس مرّتين: عبر إيهامهم بالربح وعبر تخديرهم بجعل الواقع القائم يبدو جميلا..طالما يدرّ عليهم ربحا سهلا ومالا دون عمل!!

أهمية الفيلم في فضحه كلّ ذلك، عبر تبيان أنّ البرنامج المذكور لا يغدو غير لعبة قذرة عبر تحالف بين رؤوس أموال وإعلام وظيفته التخدير، إذ يبيّن لنا العمل كيف أنّ مقدّم البرنامج، عندما يرى أنّ جمال يكاد يحصل على الجائزة، يقوم بإنهاء وقت البرنامج، واستدراجه لإعطائه إجابة خاطئة، ولكنّ جمال يدرك ذلك، وعندها يكاد مقدّم البرنامج يجنّ، فيطلب له الشرطة، بتهمة الغشّ!! لندرك أنّ هذا البرنامج الذي يعبده الناس بوصفه إلها ومنقذا من الفقر، ومعبّرا باتجاه الغنى، ليس سوى كذبة كبرى وقذرة في آن.

{{سرّ الفيلم في لعبته الدرامية :}}

نجاح الفيلم يكمن في التقنية الدرامية التي اتّخذها المخرج، إذ حقّقت هذه التقنية المبدعة حجر أساس نجاح الفيلم أو ورقة الجوكر الرابحة.

تمكّن المخرج من التقاط من “برنامج من سيربح المليون؟” لعبته الدرامية المشوّقة التي تجعل الأعصاب مشدودة ومستنفرة بانتظار معرفة الجواب الصحيح، ليضيف لها تشوّقنا للاطلاع على أسرار البطل وحياته الذي يشكّل له السؤال نافذة أو محرّضا ما للعودة إلى ذاكرته المعذّبة التي تختزن مشهد من حياته، كان سببا لمعرفة الإجابة.

هكذا من خلال هذه التقنية الموزّعة مابين سؤال المحقّق وسؤال مقدّم البرنامج (كما ذكرنا سابقا) تتفتح أمامنا أسرار الفيلم سرّا سرّاً، إلى أن يصل إلى سرّه الأخير.

واستطاع المخرج من خلال استخدام هذه التقنية أن يعود بنا إلى الوراء مستخدما “الفلاش باك”، وكلّ ذلك دون أن يفقد الفيلم أيّ شيء، بل على العكس ساعدته التقنية تلك أو اللعبة الدرامية في تكثيف المشاهد السينمائية بعيدا عن أيّ إطالة، إذ قلّما نجد مشهدا زائدا.

{{براءة الطفولة وعهر الفقر :}}

لعلّ مقولة الفيلم الأساس تكمن في تسليط الضوء على الطفولة والانتهاك الحاصل بحقّها في بلد يعتبر الأكثر فقرا والأكثر اكتظاظا بالسكان، وهذا نجح نجاحا بارعا في مشاهد متعدّدة لعلّنا يمكن القول إنّ أهمّها هو المشهد الذي يعرض في بداية الفيلم، عندما يغلق سليم على أخيه باب الحمام (حمام خشبيّ قديم مفتوح من الأسفل على حفرة يتجمع فيها البول والخراء)، مع لحظة قدوم “النجم” الذي يحبّه جمال، حيث يهرع الناس جميعهم لرؤيته والحصول على توقيعه، فما يكون من جمال إلا أن يقفز ببراءة في الحفرة، ليتلوث جسمه الصغير بالخراء، ويذهب حاملا صورة نجمه للحصول على توقيع، حيث تجبر الرائحة الخارجة منه الجميع على الابتعاد عن طريقه ليصل إلى نجمه الذي يوقّع له بسرعة ليخلص من رائحته التي ملأت المكان!!

هذا المشهد يختزن الكثير من الجمال والإبداع في داخله، فهو يعرض براءة الطفولة وصفائها محملة بأفظع دلالات الفقر والتلوث به (الخراء)، لحظة تجمع بين أدنى درجات المجتمع ممثّلة بصدقها ( الطفولة – الخراء) وأعلى درجات المجتمع (النجم- وغناه وأبّهته وطائرته).

في النهاية يمكن القول إنّ الفيلم يعتبر من الأفلام النادرة في تاريخ السينما التي عبّرت عن الفقر بطريقة إنسانية بعيدا عن أيّة إيديولوجية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق