الممارسات الفلسفية الجديدة

 تجربة المحترف:
يشرف برنار بنعطارB.Benattar ، على محترف للفلسفة بالمركز المهني للبيداغوجيا التطبيقية، يواظب على الحضور للمحترف مساعدون اجتماعيون، أغلبهم نساء من مختلف الأعمار. يدور موضوع اليوم حول : “مسالة الحميمية”. أية مسافة أخلقها مع الآخر الماثل أمامي؟ في ماذا أتدخل؟ وما حدود تدخلي؟ اكتست الأسئلة التي طرحت في البداية طابعا تشخيصيا ملموسا. عبّرت مشاركتان عن موقفين متعارضين. بدا من خلال صيرورة النقاش أنّ الاختلاف بينهما، هو انعكاس لخلافات تعود في الأصل لعملهما.

من الأجوبة التي قدّمت: “الحميمية استيعاب كلي وشامل لكن بتحفّظ”، جواب ثان: “ولوج حميمية الآخر لكي يعيد تملّكها”. جواب ثالث: ” إقامة علاقة مبنيّة على الثقة، رغم أننا جزء من دواليب مؤسسة تقوم هي ذاتها على المراقبة”…
تعاملت المشاركات بجدية مع الموضوع، فالأمر يتعلق بمحترف فلسفيّ يستوجب الابتعاد عن وصف اليومي، إقامة مسافة معه، والتعامل مع الموضوع في شموليته. يتدخل بنعطار بلطف، حين مرور إحدى المشاركات مرّ الكرام على مسألة يعتبرها جديرة بالاهتمام، يستعيد بعض القضايا، يتساءل، يثير المسألة من جديد، يستحضر أحيانا فيلسوفا ما، أو يستند على مثال مقتطف من الصحافة.

تمت، بعد الانتهاء من وجبة الغذاء، قراءة حوار مع P. Pachel منشور بمجلة “زقاق ديكارت”، التي يصدرها المعهد الدولي للفلسفة. يدور الحوار حول موضوع الحميمية الباطنية، توخّى بنعطار من هذه الحصة الدفع بالنقاش إلى أبعد مدى، تمّت قراءة النص في مجمله بالتناوب، وبصوت مرتفع. النص طويل وصعب، مع ذلك أفلحت بعض المشاركات في مناقشته انطلاقا من تجربتهن: اختراقهن لوجود الغير، وحدود مساعدتهن… لكن كذلك الكيفية التي “يعدن بها بناء حميمية الآخر بواسطة الكلام”، ويكشفن بها عن “الانسجام الكامن خلف الالتباس”، الكيفية التي يحاولن بها “استعادة الاعتزاز بالذات”.

اتسم النقاش بالدقّة والصرامة. إلا أنّ عقرب الساعة يدور، حيث أنهى المحترف أشغاله. اكتسبت المشاركات بعد هذا السفر الممتع، الذي أبعدهنّ لحين من الزمن عن انشغالاتهن المهنية، أساليب منظمة في التحليل. ” يختزل وقتنا (الكلام لمشاركة) بالكامل في الشغل، ليس لدينا متّسع من الوقت لإثبات الذات. هنا في هذا الفضاء لدينا من الوقت ما يكفي للتفكير في ما نقوم به، مسالة مهمة يكتسي على ضوئها الشغل معنى”.
يسهر بنعطار، قرابة عقد من الزمن، على تنشيط محترفات في فلسفة الشغل، (مددها متفاوتة، قد تدوم ساعات أو أياما) تتوجّه لمهنيين من مشارب مختلفة: رؤساء أوراش بالأشغال العمومية، مساعدين اجتماعيين، رؤساء مقاولات صغرى ومتوسطة، مشتغلين بدور الحضانة…استفاد بنعطار، بعد دراسة الفلسفة، من تكوين في سوسيولوجية الشغل، ولج بفضله العالم المهني. عني بالفلسفة عناية خاصة جاعلا منها أساس اهتماماته. تكمن بالنسبة إليه خصوصية المقاربة الفلسفية في كونها “لا تطرح الأسئلة فقط انطلاقا من تجربة كل واحد. إن تم استحضار التجربة المعيشة للمشاركين، فذلك فقط من أجل تنمية تفكير ينشد الكلية والشمولية، تفكير غير متمركز حول الذات”.
رغم أنّ المقاهي الفلسفية قد أضحت معروفة بما فيه الكفاية، إلا أننا نجهل في الغالب تعددية الممارسات الفلسفية وتنوعها، ممارسات انتشرت واتسع مداها، وعرفت نجاحا متزايدا: في المقاولة، بصحبة الأطفال بالمدارس، بالمستشفى، بالسجن، بدور الثقافة والجامعات الشعبية، بمآوي الشباب، ودور العجزة والاستشارات الفلسفية الفردية.

 انتشرت هذه الممارسات الفلسفية الجديدة، واكتسحت مناطق جديدة. قوبلت بالترحاب، لكنها اصطدمت كذلك بمقاومات شديدة، خاصة من لدن بعض مدرسي الفلسفة بالأقسام النهائية، وبعض الأساتذة الجامعيين. ألا نتخلى ـ في نظرهم ـ بعملنا هذا عن مستلزمات الفعل الفلسفي؟ بتعبير أكثر راديكالية، ألا تحمل هذه الممارسات الجديدة من الفلسفة إلا الاسم؟ 

 مقهى الفلسفة
فضاء الحرية:

توجد مقاهي الفلسفة، التي ازدهرت منذ ظهورها سنة 1992 على يد M.Sautet ، في صلب هذه التساؤلات. تعد أحيانا هذه المقاهي فرصة لعرض مبسط للآراء، إذ يغيب الإنصات المتبادل. لا بدّ من القول إنها تستقبل في الغالب جمهورا متعددا وغير متجانس. يقوم المنشط بدور مركزيّ، بغية احترام قواعد النقاش. لا يقتصر الأمر فقط على تنظيم التدخلات وتوزيعها، بل استدراج مجموعة ما للارتقاء بتفكيرها نحو بناء الإشكال، والصياغة المفاهيمية، والحجاج… للخروج من مستوى “الدوكسا”.
اكتست اليوم صيغة “مقهى الفلسفة” معنى رحبا جدا، فهي تشير للنقاشات الفلسفية التي تتم بمقهى معيّن، أو تلك التي تتم بفضاءات مغايرة كالسجن أو المستشفى، يغدو عندئذ المقهى الفلسفي فضاء للحرية والتداول بعيدا أشدّ البعد عن الفلسفة الأكاديمية.

 تتمثل في نظر مشيل طوزي، الأستاذ بجامعة مونبوليي والخبير في علوم التربية، إحدى الفوائد العظمى لهذه الممارسة الفلسفية الجديدة في إعادة النظر في مسألة الحدود بين الفلسفة واللافلسفة. متى نبدأ التفلسف؟ وهل من معايير لتحديد إن لم نكن بعد داخل الفلسفة؟ إننا بهذه الممارسات الجديدة، التي تتوجه لجمهور عريض نطوف على الحدود. عاصر ميشيل طوزي، فترة دمقرطة التعليم الثانوي ابتداء من الثمانينات من القرن المنصرم ، واجه على إثر ذلك الإشكال التالي : كيف ندرس الفلسفة لهؤلاء الوافدين الجدد؟ وما السبيل للتخلص من نخبوية تدريس الفلسفة؟ يعد اليوم ميشيل طوزي من الوجوه البارزة الممثلة لهذه الممارسة المعروفة باسم “نقاش فلسفي المقصد”. تم بإيعاز منه الشروع في عمل تحليلي جاد وضخم حول تدريس الفلسفة للأطفال، تجلى في أبحاث ودراسات أشرف عليها (أشرف إلى اليوم على ثمانية أطروحات في الموضوع) أو من خلال العمل الذي تقوم به المجلة الدولية لديداكتيك الفلسفة (Diotime). يقوم ميشيل طوزي، إلى جانب ذلك، بتكوين أساتذة المدارس الراغبين في تدريس الفلسفة للأطفال،. البعد السياسي حاضر دائما وبقوة في هذا المسعى، إنه الارتقاء بأكبر عدد من الأفراد إلى مستوى “المواطنة المتنورة”.

 الفلسفة صحبة الأطفال:
إن كان الفيلسوف مونتاني Montaigneقد أكد في محاولاته الفلسفية على ضرورة الشروع في دراسة الفلسفة منذ “الرضاعة”، فقد ارتأى معظم المفكرين عدم قدرة الأطفال على التفلسف بمعنى الكلمة، دليلهم في ذلك حجتان: الأولى إبستمولوجية. لا بد ـ في نظرهم ـ من تملك معرفة أولية تسعفنا في التفلسف. لهذا فإن تدريس الفلسفة وقف على الأقسام النهائية (وهو تميز فرنسي طبعا) كتتويج لمجمل المعارف المحصل عليها خلال المسار الدراسي. يرد ميشيل طوزي على هذه الحجة بأن الأطفال في هذه المرحلة ليسوا عديمي التجارب والآراء التي تشكل قاعدة التفكير بالنسبة إليهم. الحجة الثانية من طبيعة سيكولوجية: مفادها أن الأطفال لا يملكون قدرات معرفية كافية. ألم يذهب جان بياجي إلى أن التفكير المنطقي ـ الصوري لا يظهر إلا في سن الحادية عشر/ الثانية عشرة من عمر الطفل؟ يدحض ميشيل طوزي هذا الزعم، مستندا في ذلك على الدراسات الراهنة لعلم النفس المعرفي، وتحليل متن المناقشات الفعلية مع الأطفال.
هناك اعتراض فعلي يتمثل في الافتتان بسحر الطفولة، والبحث فيها عن عفوية فلسفية تلقائية. ترفض E.Chirouter هذا الزعم. درست شيروتي الفلسفة بالأقسام النهائية، تعمل حاليا بجامعة نانت Nantes تسهر منذ عشر سنوات على تنظم أوراش فلسفية صحبة أطفال بالمدارس: ” لا أعتقد بتاتا ـ كما تقول شيروتي ـ أن الطفل فيلسوف بالطبع. العفوي لدى الأطفال هو الدهشة أمام العالم، والقدرة على طرح الأسئلة بإلحاح. أما بالنسبة للقدرات التأملية فإنها تكتسب. ولأن الأطفال ليسوا طبعا فلاسفة، لذلك يلزم الشروع مبكرا في تعليمهم الفلسفة”.

 يعود الفضل للأمريكي ماتيو ليبمان M.Lipmann في التعريف بتجربة تدريس الفلسفة للأطفال، وهي التجربة التي رأت النور على يده في السبعينات من القرن الماضي بالولايات المتحدة، وانتشرت فيما بعد ببقاع مختلفة من العالم : استراليا، كندا، ألمانيا، النمسا، بلجيكا، واسبانيا… ما زال هذا المد مستمرا في الانتشار.

 الفلسفة بالمقاولة:
شكلت الفلسفة داخل فضاء المقاولة، رغم كونها أفل تقدما في فرنسا مقارنة ببلدان أخرى، فضاء آخر لهذه الممارسات الجديدة. تقوم فغليـريس E.Vegleris، بعد أن درست الفلسفة بالأقسام النهائية، وغادرت الوظيفة العمومية، بتنشيط أوراش، وتقديم استشارات فردية، وإلقاء محاضرات . لا بد في نظرها لتفادي الانزياحات التي قد تقع في هذا المجال من قيام أخلاقيات صارمة. هكذا ترفض رفضا قاطعا التدخل عندما تطلب الفلسفة لمجرد التسلية فقط، أو عندما يتعامل معها كأداة لإضفاء الشرعية ” لقد طلب مني مرتين ـ كما تقول ـ التفكير في قيم المقاولة من دون أن أكون مهيأة لإعادة النظر فيما يشكل المقومات الأساسية للعمل. القيم هي قي الغالب مجرد خدع.”
 ترد على من يؤاخذون عليها ما ألحقته من إساءة للفلسفة وإذلال لها، جاعلة منها أداة، ترد قائلة إن المستشار مدعو للمحافظة على مقتضيات الفلسفة بأتمها، مهتم بالدرجة الأولى بالوضوح والصرامة والمواجهة.

لن تتطرق لمفهوم “القيادة” Leadership (لفظ يستعمل في الغالب بالمقاولات) بل تعمل على توضيحه بتحليل مفاهيم من قبيل السلطة والكاريزما. يرغب مسؤولون بمؤسسة بنكية التطرق للمشاكل المرتبطة أصلا بالوضعية الافتراضية التي أضحى عليها الزبون مع المعلوميات والانترنيت، ركزت في معالجتها للموضوع على مفهوم التجريد، مستحضرة، من أجل تحويل التساؤل، مرجعيات فلسفية كلاسيكية جدا.
 يشتغل فلاسفة آخرون بالمقاولة وفق إستراتيجية مختلفة: لقد اختاروا التفلسف في توافق مع لغة المقاولة، بالحديث عن علوم الإدارة و”عنصر التحفيز” و”روح المبادرة” و”العلاقة بالزبون”..

 تتوجه الفلسفة بالمقاولة، في الغالب، ولدواعي اقتصادية صرفة، للأطر المسؤولة ومديري الأعمال. لدمقرطة الفلسفة في هذه الحالة حدود. تبقى مع ذلك وضعية الفلسفة بالمقاولة هامشية نسبيا بفرنسا. من ممثلها بالإضافة ل Vegleris و Crescendo، مديرية التكوين بالمقاولة بمؤسسة الفلسفة المقارنة والمؤسسة الأوربية للفلسفة التطبيقية التي بشرف عليها برنار بنعطار. انخرطت في هذا المسعى ـ بالإضافة لهيئات رأت النور على يد فلاسفة شبان ـ بعض المؤسسات التي تشتغل في التكوين المهني ك Cegos ، تقترح هي كذلك مجزوءات في الفلسفة. إنها بدايات محتشمة لكنها فعلية حقا.

 الاستشارة الفلسفية:
جل الممارسات الجديدة هي ممارسات جماعية تعلي من شأن الشفاهي. لكن توجد كذلك تجارب أخرى ذات طابع فردي، هي ما يعرف بالاستشارة الفلسفية، والتي روّج لها في التسعينات من القرن الماضي بفرنسا موازاة مع المقاهي الفلسفية ميشيل سوطي M.Sautet. مازالت مع ذلك هذه الممارسة، رغم التقدم الذي عرفته بفرنسا، ممارسة هامشية. ظهرت الاستشارة الفلسفية أولا بألمانيا سنة 1981 على يد G.Achenbach . كان يتوخى جعل الفلسفة في متناول الجميع. أشاد بالمنهج التوليدي السقراطي (المايوتيقا) معتبرا إياه بديلا عن العلاج النفسي لمن يعاني من صعوبات وجودية دون أن تظهر عليه أعراض المرض. يكمن دور الفيلسوف، بالنسبة إليه، في الأخذ بيد الزبون للارتقاء بأفكاره وآرائه، من دون إملاءات قيمية، إلى درجة الوضوح والتميز. تطورت الاستشارة الفلسفية وانتشرت كذلك بكل من المملكة المتحدة وإيطاليا التي أحدثت شهادة ماستر خاصة بها. وقد تم توظيفها أيضا في المجال المهني.
المقهى الفلسفي، الاستشارة الفلسفية، التفلسف صحبة الأطفال… ممارسات متباينة، فهل بالإمكان الجمع بينها؟ هذا ما شكل على الأقل قناعة جمعية فيلولاب Philolab التي تعمل جاهدة على تشجيع هذه الممارسات والتعريف بها، والعمل من أجل إنجاح هذا التجديد وتطوير تدريس الفلسفة وممارستها . تنظم هذه الجمعية سنويا باليونسكو ندوة خاصة بالممارسات الفلسفية الجديدة في تنوعها وتعددها، وهي فرصة لتبادل الخبرات والتجارب بين الفاعلين في هذه الحقول، حقول معرفية غير معزولة بعضها عن البعض. هذا ما يدعو له O.Brenifier أحد ابرز ممثلي الممارسات الفلسفية الجديدة، إذ يقوم مستلهما المنهج السقراطي، باستشارات فلسفية، كما يشرف على أوراش فلسفية بمعية الأطفال أو يافعين، أو صحبة راشدين بالوسط المهني.

“لنعجّـل بجعل الفلسفة في متناول الشعب” قد تكون هذه الدعوة التي قال بها ديدرو شعار كل هذه الممارسات الجديدة. ممارسات هي في الغالب ذات طابع نضالي. لكن كيفما كانت طبيعة هذه الممارسات، تطوعية أو فردية أو جماعية، يقوم بها فلاسفة أو عصاميون، فإنها تصدر جميعها عن قناعة مفادها إمكانية ممارسة الفلسفة على نحو مغاير لما هو عليه الأمر بالثانوية أو الجامعة، حيث هيمنة الدرس الماجسترالي، و قراءة النصوص الفلسفية والكتابة الإنشائية.

أسئلة المنهج:
ليست الفلسفة صحبة الأطفال مجرد “لعبة أطفال”. إنها في العمق تجربة تستند على تفكير بيداغوجي غني، فهي فرصة لممارسات متعددة و مختلفة، إذ لا يكفي أن ندفع بالأطفال للنقاش فيما بينهم، لكي ينخرطوا في التفلسف، بل لا بدّ من تصوّر بيداغوجي سليم وتمشيات ديداكتيكية تسعف المتدخل في مسعاه، وتفضي به لأفضل النتائج المرتقبة. أفضت هذه القناعة بمختلف الفاعلين في هذا المجال إلى صياغة مناهج متعددة تستند في أغلبها على فتوحات علوم المعرفة بمختلف تجلياتها المتعلقة أساسا بسبر أغوار الإدراك والذكاء لدى الطفل.

منهجيــة ماتيو ليبــمان M.Lipmann
ليست الفلسفة هدفا في حد ذاته:

ليبمان فيلسوف وعالم تربية وأستاذ جامعي متميز. وهو تلميذ الفيلسوف الأمريكي جون ديوي أحد أقطاب الفلسفة البرغماتية. أسس ليبمان، مؤسسة لتعليم الفلسفة الموجهة للأطفال. تعد هذه المنهجية التي تمت بلورتها في السبعينات من القرن الماضي، الأكثر انتشارا في العالم. ينطلق ليبمان من قناعة مفادها قدرة الأطفال على التفكير في مشكلات فلسفية و صياغة المفاهيم.. لا يتعلق الأمر بالنسبة إليه بتدريس المذاهب الفلسفية للأطفال، بل بالاستناد على تساؤلاتهم وتجاربهم الشخصية من أجل استدراجهم نحو التفكير الذاتي. يربط ليبمان بشكل قوي بين تعلم الفلسفة وتمثل الديمقراطية، إذ يعتقد أن هذا التكوين يمكن أن يشكل عاملا حاسما في التغيير الاجتماعي وتحسين الأداء الديمقراطي في المجتمع. ألف ليبمان “روايات فلسفية” تتلاءم وعمر الأطفال، مصحوبة بكتاب موجه مساعد للمدرس، وتمارين مختارة. تشكل هذه الكتب دعامة منهجه، إذ كتبت بلغة ملائمة لكل مستوى دراسي، تعرض مشكلات مرتبطة بالمستوى العمري المستهدف، مستبعدة الإحالة المباشرة على الفلاسفة والأنساق الفلسفية.

جاك ليفيــن J.Lévine 
تجربة التفكير الذاتي:

جاك ليفيـن عالم نفس توفي مؤخرا، مؤسس جمعية مجموعات دعم الدعم. طور منذ 1996 محترفات للفلسفة. يصدر ليفين عن قناعة مفادها أن “الطفل في حاجة أولا للقيام بتجربة التفكير الذاتي، وذلك على نحو مغاير مما عليه الأمر في “النظام الدراسي” يقتضي الاشتغال بهذه المحترفات التقليص من العمل التوجيهي للمدرسين، وتشجيع تدخلات الأطفال على أساس توزيعها أفقيا وليس عموديا. تقوم المنهجية كالتالي: يعلن المدرس افتتاح المحترف وبداية الأشغال، يذكر بالقواعد، ويعلن عن الموضوع (الصداقة مثلا..) تتلوها حصة من عشر دقائق يتناول فيها التلاميذ الكلام سواء بواسطة الميكروفون أو بواسطة ما يعرف بـ”شارة الكلام”. لا يتدخل المدرس خلال هذه الدقائق العشر. يتم قدر المستطاع تسجيل الجلسات، إذ يشكل الإنصات مناسبة لبدء النقاش ثانية. هكذا يكتشف الطفل بفضل الإنصات ذاته كذات مفكرة، ويكتشف بفعل النقاش الجماعي ذاته كعنصر من جماعة مفكرة.

 ميشيل طــوزي
نقاش فلسفي الهدف:

يعد ميشيل طوزي من ابرز المهتمين بالفلسفة الموجهة للأطفال. درس بالتعليم الثانوي لحقبة طويلة، وهو من المدافعين عن دمقرطة تدريس الفلسفة. أشرف فيليب ميريوه Meirieu سنة 1992 على أطروحته التي عمل فيها على بلورة أدوات مغايرة للتفلسف. اكتشف عند نهاية التسعينات من القرن المنصرم تدريس الفلسفة للأطفال. صاغ منهجه الخاص به، مستلهما إياه من التجارب التي راكمها، و الخلاصات التي انتهى إليها خلال مساره التعليمي. يقوم بالإضافة إلى ذلك ،و منذ ثلاثة عشرة سنة بتنشيط مقهى فلسفي، يشرف على محترفات فلسفية بالجامعة الشعبية التي أنشأها سنة 2004 بمدينة Norbonne ، كل ذلك إلى بالموازاة مع تدريسه بجامعة مونبولييه الثالثة.

يتوخى ميشيل طوزي من تدريس الفلسفة للأطفال تنمية ثلاث كفايات: صياغة الإشكال و بناء المفهوم والحجاج (الأشكلة والمفهمة والتدليل). يكتسي النقاش الفلسفي الهادف طابعا ديمقراطيا، و يصدر عن أهداف فكرية واضحة، تتوخى تكوين مواطنة متنورة. يتقلد التلاميذ في هذه العملية “أدوارا” متميزة لمهام محددة بإحكام. يوجد في هذه الحلقة بالإضافة للمتدخلين، “رئيس الجلسة” الذي يعمل بشكل ديمقراطي ما أمكن على توزيع التدخلات ، و السهر على النظام داخل المجموعة. يوجد بالإضافة لذلك مقرر وصحفيان لا يشاركان في النقاش لكنهما سيصيغان بعد النقاش خلاصة تركيبية توزع على التلاميذ. هناك مسؤول عن الميكروفون، وملاحظون. المدرس هو في أغلب الحالات المنشط، الرقيب الفلسفي. يكمن دوره في الارتقاء بالنقاش بحيث تتم معالجة السؤال من البداية إلى النهاية. يعيد تأطير التدخلات يضبطها ويوضحها، كما يربط فيما بينها. تخصص بعد النقاش، قرابة ربع الساعة للتفكير من طرف المتدخلين والملاحظين في الكيفية التي مرت بها الجلسة.

 ترجمة بتصــرف عـن:Sciences Humaines. N: 207.
Août – sept 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق