الممثلة الغريبة على المسرح الغريب / نجم والي

في أول فيلم ظهرت فيه الممثلة التي توفيت قبل فترة قصيرة، والتي كان عمرها آنذاك ثلاثة وعشرين عاماً، المصرية هند رستم، بدور ثانوي قصير، سألها عزالدين ذو الفقار الذي كان مساعد مخرج آنذاك، بعد التصوير، إذا كانت تلك هي أول مرة تقف فيها أمام الكاميرا؟ قالت، نعم، فسألها: ألم تخافي؟ فقالت، “مما أخاف، وهذه الكاميرا مجرد قطعة حديد”، وهو جوابها ذلك الذي شجع المخرج أن يسند لها أول دور بطولة لها في فيلم “الجسد”، رغم أن ظهورها الثانوي الأول ذاك لم يستغرق أكثر من دقيقتين رقصت فيهما خلف ليلى مراد وهي تغني “اتمختري يا خيل” في فيلم “غزل البنات”، لكن قوة تمثيلها وثقتها بنفسها لفتت أنظار مساعد المخرج والمصور إليها هي من دون البنات الأخريات.

لابد لي من تذكر هذه القصة في هذا السياق، لأن مشهداً مشابهاً حصل للممثلة العراقية إنعام البطاط. ففي أول ظهور فني لها (أو سينمائي) في بلادها الجديدة، ألمانيا، كان في فيلم “أوستسيه باد” (حمام بحر الشرق)، للمخرج الألماني المعروف تيزه كان، وأيضاً ضمن مجاميع كبيرة لأجانب يهربون ليلاً من مأوى للاجئين يقع على البحر، بعد إضرام النازيين النار فيه. كانوا بالأحرى قرابة سبعين أجنبياً من بلدان مختلفة، رجالاً ونساء، وكانت إنعام البطاط التي جاءت آنذاك هاربة من بلادها قد حطت رحالها للتو في رحلة منفاها في هامبورغ، من ضمنهم. كان مشهداً ليلياً وكان مكان التصوير مدينة “اوستسيباد”، البولندية الواقعة على بحر الشرق. لم يعرف الكومبارس الأجانب لماذا كان عليهم إعادة تصوير المشهد مرات عديدة، مثلما لم يعرفوا، لماذا أشار المخرج الألماني إلى إمرأة من بينهم، وطلب منها أن تخرج من بينهم وتأتي إليه. سألها، “من أنت؟ هل سبق وأن مثلتِ؟”، قالت له، “أنا إنعام البطاط، ممثلة عراقية معروفة”، فأجابها، “الآن فهمت، أنت تفسدين مشهد الكومبارس بتعبير وجهك المتميز”، فقالت له، “لكنني لا أستطيع ألّا أكون ممثلة وأمنح المشهد تعابيري”. في اليوم الثاني، وبعد الفطور جلس المخرج وكاتب السيناريو ومديرة الإنتاج مع إنعام، وإتفقوا معها على كتابة دور لها في الفيلم، دور صغير، لكنه مؤثر جداً. الممثلة تفرض نفسها على المخرج إذن، بحسن أدائها وقوة تعبيرها! ولحسن حظها طبعاً، وهذا ما ستتأكد منه لاحقاً، هو أن المخرج الألماني، خاصة المخرج المسرحي، لا يفرض رأيه، كما يحدث في العراق، بل يسعى للوصول إلى حل وسط مع الممثل بعد النقاش، ولإيمانه بأن قناعات الممثل وتجربته مهمان لإغناء الدور.

فإذا كان وطن الكاتب هو اللغة التي يكتب فيها، ووطن الرسام هو اللوحة التي يرسمها أو الألوان التي يختارها أو يمزج بينها، ووطن المغني هي الأغنية التي يغنيها، فإن وطن الممثل هو خشبة المسرح التي يتحرك عليها. لكن ما يميز الممثل عن الباقين، هو المعضلة التي تواجهه في البلاد الغريبة، ليس لأنه فقد جمهوره في البلاد التي تركها وراء وحسب، بل لأنه، ولكي يكسب جمهوراً جديداً، لكي يكون مقنعاً، لكي يتحرك بحرية تاركاً مشاعره على هواها كما فعل في بلاده، عليه تعلم لغة البلاد الجديدة، ومن عاش في بلاده نجماً معروفاً، كما في حالة إنعام البطاط، عليه أن يبدأ حياته المسرحية (إن لم نقل حياته كلها) من الصفر. فاللغة، أية لغة، واللغة الألمانية بشكل خاص، ليست نحواً وقواعد، فهذه يمكن للمرء أن يتعلمها في زمن معين، طويل أو قصير، حسب جهد المرء وفضوله، أو حاجته. اللغة هي أيضاً مشاعر، نظام إجتماعي خاص بحد ذاته له طريقة تفكير تبنى على أساسها اللغة، إستخدام هذا المثل أو ذاك، إختلاف طبقات الصوت، حسب درجة الفرح أو الحزن، أو الغضب، وبالذات هذا الجانب هو الحاسم للحكم، لكي نقول، أن أحدهم اتقن اللغة أم إنه، ما زال في طور التعلم. (أعرف عشرات “المثقفين” العراقيين في ألمانيا أو في بلدان أوروبية أخرى، الذين ما يزالون في طور التعلم، ليس في لغتهم “المكسرة” وحسب، بل في طريقتهم بالتعبير عن أنفسهم. هم يترجمون عن اللغة الأم في كل جملة يقولونها، ليس من الغريب أن يحدث لهم سوء الفهم الدائم في حياتهم اليومية!)، فهل يمكن في هذه الحالة إذن، تخيل العبء الواقع على كاهل الممثلين؟ أو تخيل ما يتطلبه منهم من جهد إجادة الكلام بلغة أخرى؟ الممثل هو أول من يعرف ذلك، أكثر من الكاتب أو الرسام أو المغني.

من هنا تأتي خصوصية تجربة الممثلة العراقية إنعام البطاط. فممثلة، إرتبط تمثيلها بالغناء، وبأداء الأدوار الصعبة، تعرف أنها، لكيلا تذبل، لكيلا تموت كفنانة بشكل مبكر، عليها أن تبذل جهداً إستثنائياً. في العراق، كانت الديكتاتورية هي تحديها الأكبر، أدلجة المسرح وجعله دعاية للحرب والعنصرية والعدوان، أمور كان عليها ليس مواجهتها يومياً وحسب، بل الخروج منها بأقل خسائر ممكنة. ذلك ما فكرت به، في كل دور إختارته، حتى إذا سبب لها المشاكل والمنغصات، ولا يهم أن يقودها في النهاية إلى منفاها، المهم البقاء مخلصة لمتعة التمثيل بصفته فناً راقياً، ومهمة أخلاقية لإمرأة عراقية، عرفت ماذا تريد، لذلك ظلت الأدوار التي مثلتها في العراق مميزة، كما في مسرحيات: دزدمونة، تساؤلات مسرحية، الإنسان الطيب، الصوت الإنساني، ألف أمنية وأمنية، بيوت وشناتشيل، ومسرحيتها المشهورة التي إرتبطت بوجدان الجمهور ترنيمة الكرسي الهزاز، فضلاً عن الجوائز التي حصدتها عن تمثيلها كممثلة أولى مثل جائزة قرطاج لعام 1987 وجائزة الدولة لثلاث مرات متتالية عام 1985، 1988 و1991 (والتي لم تذهب لإستلامها من يد وزير الإعلام “الحربي” لطيف نصيف جاسم وليس وزير الشعراء كما وصفه الشاعر الفلسطيني محمود درويش!)، أما في ألمانيا، فكان تعلم اللغة الألمانية والتحدث بها، مثلما يتحدث بها أهلها هو تحديها الجديد، تعلم اللغة المسرحية الصحيحة، بكل ما حوته من عمق وشاعرية ووجدان. ولأنها لم تأت في عمر مبكر، كان عليها التصرف، كما لو أنها في سباق مع الزمن، مع نفسها، مع العالم كله، خاصة وأنها أكتشفت أنها ممثلة حتى لو سكتت لوهلة، ألم يستلها المخرج الألماني من الجمع الذي أحاط بها، مثلما إستل الشعرة من العجين؟

لكن الممثلة الغريبة على المسرح الغريب، هي أيضاً، الإنسانة العراقية، المنفية إلى المكان الغريب، تريد التنفس قليلاً. إنها المرة الأولى التي تعرف فيها طعم الحرية، بما تعنيه الكلمة هذه من عمق. ليس لأنها لا تعيش في بلد ديكتاتوري مثل العراق الذي تركته، بل إنها المرة الأولى التي تشعر فيها بأنها حرة كإمرأة، ليس هناك من ينظر بريبة لملابسها، لمظهرها. فالمرأة هناك في بلدها الأول، العراق، هي مركز ريبة الرجل!!، ثم عليها أن تعمل لكي تعيش. الحياة صعبة هنا، كل شيء مرتفع الثمن، الإيجارات، الأكل، خاصة وأنها على العكس من الكثير من أبناء جلدتها، لم تشأ الإستسلام للعيش على رحمة المساعدات الإجتماعية، تعرف، أن دينامكيتها لا تتحقق إلا بالعمل، والأكثر من ذلك، تحقيق رغبتها بالغناء، قبل كل شيء، خاصة وأن أخاها الموزع الموسيقي المعروف وعازف الفيولين الصولو في العراق يطمح إلى التعاون معها منذ صغرهما. الحصيلة قرصان مدمجان، الأول “لا بالموما” (الحمامة: على عنوان قصيدة مشهورة للشاعر الأسباني المعروف رافائيل البيرتي)، و”إسمع أغنيتي”، قرصان أثارا إعجاب نقاد الموسيقى الجادين، وشكلا طفرة في الغناء العربي.

في كل تصريحاتها، في مقابلاتها الصحافية، أو في البورتريهات التي أجريت معها في الصحافة ووسائل الإعلام الألمانية من إذاعة وتلفزيون، وأشهرها البورتريه المنشور في الصحيفة الألمانية الواسعة الإنتشار “زوددويتشه تزايتونغ”، الصحيفة التي هي بمثابة نيويورك تايمز ألمانيا، إعترفت إنعام البطاط، بأنها ورغم مشاركتها في الفيلم السينمائي “أوستسيه باد”، لم تفكر في الفترة الأولى من إقامتها في المكان الجديد، بالتمثيل المسرحي مرة ثانية، وبلغة ثانية، ليس بسبب عملها ودراستها الجامعية في جامعة هامبورغ (قسم علم الصوت والأدب الألماني الحديث)، بل أكثر بسبب نظرتها للمسرح. في العراق شكل لها التمثيل متعة والتزاماً. مثلما يفرح رياضي كرة القدم بالكرة، فرحت هي بكل دور أدته، كانت تعتقد، أنها كإمرأة تستطيع تغيير شيء في العراق عن طريق الغناء، عن طريق التمثيل، خاصة وأنها كانت ممثلة جيدة، معروف عنها أداء الأدوار الصعبة. في ألمانيا كان من شبه المستحيل لها التفكير بالتمثيل، خاصة وأن المسرح هنا إحتراف، يتطلب ديمومة قدرات الممثل الخاصة وتطورها مع تطور تقنيات الوسائل الحديثة في الأداء. المفارقة التي حدثت لها، كما تقول، هي في المتعة التي شعرت فيها عند تعلمها اللغة الألمانية، والتي أيقظت فيها رغبة قديمة لتعلم اللغات، (أصلاً لم تذهب إلى أكاديمية الفنون الجميلة لرغبة منها بدراسة التمثيل، كان حلمها دراسة الأدب الفرنسي في جامعة بغداد، لكن، ولأن الديكتاتور أصدر فرماناً عام 1982، بمنح أبناء “الشهداء” عشر درجات إضافية إلى معدلاتهم، لم تستطع تحقيق رغبتها، لتنتهي حسب نظام القبول المركزي في الأكاديمية)، مثلما أيقظت فيها الرغبة بالصعود على المسرح مجدداً والتمثيل باللغة الألمانية، ولم يثبط من عزيمتها، أن الحصول على دور في المسرح الألماني، بالنسبة لممثلة أجنبية، هو شبه مستحيل. ليس بسبب العدد الكبير من الممثلات والممثلين الألمان والتنافس فيما بينهم وحسب، بل لأنها عرفت منذ البداية، أنها إذا صعدت على المسرح، فستصعد بدور قوي.

عندما قرأت إنعام في صيف 2005 إعلاناً لمسرح “مارالام” السويسري في زيوريخ، يعلن عن حاجته لممثلة تجيد الغناء للعمل في مسرحية “لا في الجنة ولا في الجحيم”، فكرت، أنها الفرصة التي انتظرتها، إن لم تكن التحدي الكبير لها في المكان الغريب. صحيح أنها غامرت وأرسلت إلى مسؤولة الكاستينغ نبذة عن حياتها مع بعض الصور، لكنها، وهذا ما تؤكد عليه، لم تتوقع أن المخرج السويسري بيتر براشلير، سيوافق على حضورها للكاستينغ، ثم ليختارها من مجموعة كبيرة من ممثلات سويسريات وأجنبيات قدمن للإختبار. ويمكن تخيل حجم المفاجأة بالنسبة لها، لأنها وبسبب ضيق الوقت، لم تستطع تلبية الشرط الأول للكاستينغ، تقديم مشهد واحد على الأقل باللغة الألمانية! بدل ذلك مثلت إنعام البطاط وغنت في الكاستينغ باللغة لعربية، ست ساعات دام الكاستينغ معها، وعندما اختيرت هي من دون غيرها للمسرحية، ترددت في البداية، لأن عليها حفظ دورها خلال أربعة أسابيع، لكن إيمان المخرج والفريق الذي معها، ساعدها على النجاح، والوقوف بعد أربعة أسابيع. في إحدى أشهر صالات المسرح السويسري في زيوريخ، صالة: بلاوير سال (الصالة الزرقاء).

ماتزال إنعام البطاط تتحدث عن تلك التجربة بوجد، لأنها أزالت عنها العقدة الأولى التي تواجه الممثل الغريب: الإعتراف أمام نفسه، أنه قادر على التمثيل في المكان الغريب، وأن اللغة يجب ألا تكون عائقاً للتمثيل، مهما كان الأمر صعباً، الأمر له علاقة بإرادتها في النهاية، وهذا ما أكتشفته هي بنفسها: كما تعلمت من خلال التجربة هذه تكنيكاً خاصاً. فكما تقول، ليس المهم أية لغة، الحفظ يأتي مع الوقت والتمرين، هناك برامج خاصة للتعلم، لكن ظلت تلك التجربة تحدياً كبيراً بالنسبة لها، لأن كان عليها أن تؤدي مونولوجاً لمدة 20 دقيقة لوحدها باللغة الألمانية، وعندما نجحت وكتبت عنها الصحافة الألمانية مثل الممثلات الأخريات بل وبتميز، خاصة وأن الممثلتين الأخريين اللتين مثلتا معها في المسرحية كانتا من الممثلات المشهورات في سويسرا. نجاحها هذا جعلها تعرف أن اللغة لا تعني أن التجربة المسرحية مختلفة، فالمشاعر والتجربة الإنسانية العميقة هي ثروة الممثل، لكن إتقان اللغة يبقى هو الشرط الأساس للتقدم خطوات إلى الأمام.

مهما بدت إنعام البطاط مبالغة في حديثها عن اللغة، أو في حرصها على النطق النظيف باللغة الجديدة على خشبة المسرح، إلا أنه هو حرصها وليس غيره الذي يجعلها تتحدث بهذا الشكل. وهي إذا جاز التعبير مثل شخص، جاءته فرصة ويريد أن يخرج كل ما عنده دفعة واحدة، أو كما تقول في مقابلة أخيرة لها، مثل من يكتب أول رواية له. ولكي نعطي مثلاً واحداً، نأخذ مشهد الخوف للشخصية التي مثلتها في مسرحيتها الأخيرة، والتي حاولت فيها تجسيد كل ما ملكته من خوف سابقاً، “أنت تأتي للمنفى مرعوباً، تحلم بالحرية، لكنك مهدد بالطرد”، كما أوضحت في المقابلة نفسها تلك، ثم لتضيف، “أنا أحكي بشكل أوتوماتيكي عن الخوف المتراكم عندنا كمواطنين في بلادنا السابقة العراق”، لكن رغم ذلك، ليس بالضرورة ما تراه هي يراه الآخرون، أقصد الجمهور الجالس في المسرح وهو يراقب حركتها ويصغي لكل كلمة تقولها. من رآها في كل مسرحياتها السابقة، “لا في الجنة ولا في الجحيم”، أو “غريب مثلي ومثلك”، أو “صوت الصمت”، بل حتى ومن رآها وهي تقدم كونسيرتاتها الغنائية، سواء على قاعة مسرح مدينة ماينتز في المؤتمر العالمي الأول للإستشراق الذي إنعقد عام 2002 على شرف أدوارد سعيد (والذي قدم لها تحية خاصة) أو على قاعة فرانكفورتيرهوف، أو على مسرح متحف لاهاي، أو على مسارح أخرى، كما في “قاعة الملكة اليزابيث” في لندن، أو على مسرح مدينة هيوستين عاصمة ولاية تاكساس في الولايات المتحدة الأميركية، سيرى، كيف أن صمتاً تاماً ومطبقاً يستحوذ على المسرح، ما أن تظهر إنعام البطاط. لا يهم أنها تغني أو تمثل، أما مسرحيتها الأخيرة “حي الأكشاك..رابطة ملوك الأسوار”، مع فرقة مسرح شافروش المشهورة، والتي ما تزال تطوف على مسارح ألمانية عديدة والتي هي مسرحية غنائية أيضاً، فهي مثال على قدرة الفنانة العراقية على جلب الجمهور إلى صفها. ليس من المهم أنها تغني أو تمثل، كما حصل، وهي تترنم بأغنيتها المحببة لفيروز وبصوت يقطع نياط القلب، “نسم علينا الهوى من مفرق الوادي..يا هوا دخل الهوا، خذني على بلادي”، أو عندما تُطعم دورها (تمثل دور الأجنبية لكن المرأة القوية أيضاً، ليلى) بالحديث باللغة العراقية عن قصة رعب عاشتها في العراق، حتى أن صحافياً ألمانياً سألها في مقابلة لراديو أس دبليو أر، “لماذا تختلفين عن الباقين في التمثيل؟”، لتجيبه، “ربما لأن خزين المشاعر عندي فائض.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل 25/9/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق