المنوَّمون ضميريّاً!

لا تعتقد أنهم مخلوقات فضائية ذوات أشكالٍ مخيفة أو مختلفة عنّا نحن البشر. (المنومون ضميرياً) هم أيضاً كائنات بشرية. تستطيع أن تراهم في الشوارع، في المدارس، الجامعات، أماكن العمل، وأحيانا تصادفهم عندك في المنزل. وقد يكونون من أقرب الناس إليك، لكنّك لم تنتبه إليهم حتى الآن! عندما ستكتشفهم ـ عزيزي القارئ ـ لا تشعر بالفزع ولا تخف حينها، أقصد لا تُصدم وتسرع للاتصال بالطوارئ، أو الشرطة أو حتى تطلب أيّة مساعدة، فقط التزم الصمت، لأنّ ذلك هو حقّك الوحيد أمامهم، وحاول الابتعاد بهدوء ورويداً رويداً، حتى لا يسحبك مجالهم المغناطيسي وتدخل في نفس الدوامة. واحزن، احزن كثيراً.. لكن على نفسك، وخف من اليوم الذي قد يأتي وتنتمي فيه إليهم، فتعلن مثلهم قطيعتك مع ذاتك وهويتك!

(المنومون ضميريّاً) لم يختاروا نومهم، بل إنّ عوامل كثيرة لعبت دورها في دخولهم هذه المرحلة. كانوا في يوم من الأيام أناساً طبيعيين عندهم أخلاق وشهامة، لهم أحلامهم الجميلة، أفكارهم الخلاقة، وأنشطتهم الفاعلة، وفي وقتٍ ما كانوا متمردين على واقعهم وسلبياته، رافضين لكل تقليدي وعادي، مندّدين بكل ما يسيء لكرامة الإنسان، ساعين للتغيير ولتطوير أنفسهم ومجتمعاتهم، حتّى أنّ كثيرين منهم امتدت أحلامهم بالتغيير لتطال العالم أجمع.. كيف حدث ذلك لا أحد يدري، عفواً، أو على الأقل أنا لا أدري؟!

ربما الذي حصل يشبه ما ذكره (زياد الرحباني) في مسرحيته (فيلم أميركي طويل) على لسان شخصيّة "رشيد"، حيث يقول وبلكنة حشّاش: ". . في إشارات بتطلع من الأرض وبتدخل ع مخ الزلمة فبيصير يُعكف..". هذه "العكفة" هي ما يؤلم، أن ترى الأشخاص يعبّرون من خلال سلوكهم عن قطيعة مع أفكارهم ومعتقداتهم الإنسانية، ويبدؤون بالتحول تدريجياً إلى نموذج يمثّل كلّ ما حاربوه سابقاً. هل طبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها الإنسان هي التي تفرض عليه أن يكون كذا في مرحلةٍ ما وعكسه في أخرى؟

شخصيّاً لا أظن ذلك. أكيد أنّ هناك تغييراً يطرأ على كل شخص فينا، هذا طبيعي، لكنّه لا يجب أن يصل لمرحلة "العكف" على حد تعبير "رشيد"، كأن يتحول فجأةً، الشاب المنطلق المتحرر، والمنادي بالمبادئ الإنسانية العالية، إلى إنسان "بدو يعيش" والكلام الذي كان يتغنى به "ما بيطعمي خبز" ولا بأس من بعض "التجاوزات" هنا وشيءٍ منها هناك، حتى يصبح شخصاً آخر لا يشبه ذاته الأولى في شيء، ولا حتى في الشكل، لأن روحه تبدّلت، فكسَتْ وجهَه معالمُ أخرى لا تقترب مما كان.

والفتاة المنادية بحقها في تعاطي الحياة بكل ألقٍ وأنوثةٍ متفجّرة، والمتمردة على الأهل والمجتمع، وعلى كلّ سفاسف "العادات والتقاليد" تصبح بين يوم وليلة من أشدّ المدافعات عن منطق "العيب واللي بيصير وما بيصير"، طبعاً لأنها وببساطة "بدها تنستر". حتى كل هؤلاء الذين عانوا من صراع الأجيال مع أهاليهم واصطدموا بطوطم العائلة، أصبحوا جزءاً من خطوط الدفاع عنها باستماتة في سبيل "رضا الوالدين الذي هو من رضا الله"، بعد أن تسلّموا منصبهم الجديد كـ "أهل" أي أنّهم باتوا يملكون سلطة منح الرضا ومنعه، وإن لم يكونوا متبنّين لهذه الإيديولوجيا الدينية، فهم إما نسوا أو تناسوا حقهم باستقلاليتهم كأبناء لهم رغبات.

هذا الكلام لا ينطبق على الأشخاص العاديين حولنا فقط، بل نراه يمتد أحيانا لينطبق على بعض المندّدين بالأنظمة الاستبدادية في بلدانهم، لنراهم فجأةً وقد تحولوا إلى قياداتٍ في تلك الأنظمة، ويأكلون على موائد السلطان، ولابد أن يضربوا بسيفه. حتى المفكرين ـ وهنا طامّتنا الكبرى ـ ما أجمل تنظيراتهم وما أعمق أفكارهم، لكن ما الذي يحدث لهم فيمارسوا عكس ما يدعون إليه، وينفصل سلوكهم عن الأفكار التي ينظّرون لها ويصبح كلّ في واد؟! لا تستطيع التكهّن بسهولة، وتفكر في قرارة نفسك: يا جماعة لستم مضطرين، كونوا أنفسكم لِمَ الإدعاء؟! ولا مجيب..

ربما هم لا يدّعون أو أنّهم لا يشعرون بنفاقهم وكذبهم، لكنّهم لم يستطيعوا مقاومة القوة التي عملت على تنويمهم، ولم يشعروا بها وهي تكتسحهم وتدمّر بنياتهم الداخلية، لقد تغلغلت في عقولهم كما "إشارات" زياد وخدّرت ضمائرهم، فتحولوا "وعكفوا" ومُسخت أرواحهم.

قد أعزّي نفسي بالاعتقاد أنهم (منوّمون ضميريّاً)، لكن جلّ ما أخشاه أن يكونوا قد اختاروا النوم هانئين، واختاروا قتل ضمائرهم والتخلّي عنها للتخلّص من عبئها الثقيل. هؤلاء الناس الذين يعيشون حولنا عائمين، لا هدف لهم، لا ينتظرون من الحياة شيئاً، ولا فائدة منهم تُرتجى لهذه الحياة. هم يقولون أنهم فقط "يمشون الحيط الحيط ويا ربّ الستر".

لا أعرف إن كنت عدائيةً أو ذات ضمير "غريب الأطوار" أو لعلّها فكرة غبية، أنني أتمنى لذلك الحائط أن يتهدّم فوق رؤوسهم، فإمّا أن يستيقظوا وينتفضوا ليعيشوا، أو يتابعون نومهم الأبدي دون أن يستهلكوا المزيد من الأوكسجين الضروري للأحياء.. ضميريّاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق