المهمشون والهامشيون (4)

دأبت التقارير الإعلامية عن الانصهار الاقتصادي على توجيه الأنظار، في المقام الأوّل، نحو تأثير الأزمة الدولية الغنيّة، مع إغفال الكتل السكانية الموجودة في مكان ما يُعرف باسم العالم الثالث. فالنظرة الراهنة تبدو موحية بأنّ النكسات في هذه “الاقتصادات الناشئة” قد تكون أقلّ قسوة ممّا هو متوقّع. صحيح أنّ وتائر النموّ العالية في الصين والهند قد تباطأت، ولكن الانكماش المتكهّن به لم يحصل. غير أنّ هذا الخطّ من التفكير لا يحلّل سوى تأثيرات الأزمة في البلدان ككلّ، حاجباً فعلها المتباين والمتفاوت عبر الطبقات الاجتماعية. وإذا ما حاول المرء معاينة توزيع الدخل، دون الاكتفاء بتسليط الضوء على حسابات معدّل دخل الفرد الكلية، فإنّه سيكتشف أنّ التدهور الكوكبي كان ذا تأثير سلبيّ أقوى بما لا يقاس في القطاعات الأكثر هشاشة والأسرع عطباً: إنّ الجيوش الجرّارة من العمال ذوي الأجور المتدنية،وذوي المستوى التعليمي المنخفض، وعديمي الموارد تؤلّف الأعماق الدنيا مفرطة الازدحام للاقتصاد العالمي.

مئات الملايين من البشر هؤلاء ليسوا مستوعبين في دائرة العملية الإنتاجية إلا بوصفهم عمالة غير رسمية، عمالة مميزة بالاستخدام العرضي المتقلب والعمل بالقطعة،وفي البيوت في أقبية التعرّق، أو على نحو ذاتيّ في الهواء الطلق؛ وفي غياب أيّ حقوق تعاقدية أو عمالية، أو أيّ تنظيم جماعي. ما لبث العمل الذي هو من هذا النوع أن أصبح بطريقة عشوائية، لا تزال غير مفهومة تماماً، طاغياً على قوّة العمل الكوكبية بمجملها. فمنظّمة العمل الدولية تقدّر أنّ العمال غير الرسميين يؤلّفون أكثر من نصف القوة العاملة في أمريكا اللاتينية، أكثر من 70 بالمائة في أفريقيا جنوب الصحراء، وأكثر من 80 بالمائة في الهند؛ ثمّة تقرير صادر عن الحكومة الهندية يوحي بنسبة تزيد على 90 بالمائة(1). مقتلعين من مرابعهم الاجتماعية الأصلية يبقى أكثر هؤلاء مغروزين في ضواحي عشوائية وأحزمة بؤس تطوق أطراف المدن في طول جنوب كوكب الأرض وعرضه.

غير أنّ حياة الباعة المتجوّلين في القاهرة،وباعة كعك الذرة الصفراء في مكسيكوستي،وسائقي العربات مزدوجة الدواليب في كالكوتا أو تجار الخردة والأشياء المستعملة في جاكرتا، باتوا مؤخراً يصوَّرون بألوان أكثر وردية بما لا يقاس. فالقطاع غير الرسمي يبقى، بنظر الوول ستريت جورنال، “أحد الملاذات الآمنة الأخيرة في أجواء مالية تزداد قتامة”، وهو “حزام أمان بالغ الأهمية مع انتشار مفاعيل الأزمة الاقتصادية”(2). يقال عن سايمون جونسون وهو أحد كبار اقتصاديي صندوق النقد الدولي السابقين إنّه عزا فضل “عدم تدهور الوضع في البلدان الفقيرة جداً إلى المستويات الدنيا المتوقّعة، إلى فرص العمل غير الرسمية هذه. ثمّة، برأي السيد الخبير الاقتصادي، قدر مثير للإعجاب من روح الاعتماد على الذات يمكّن الناس من البقاء على قيد الحياة في دارات الاقتصاد الخفيّة، دون أن يكونوا مثقلين بأعباء أنظمة الضرائب والفوائد الملازمة لـ “القطاع الرسمي”. فناشطو الشوارع هؤلاء قادرون على مواصلة الحياة دون أعباء اجتماعية باهظة أو منافع بطالة. يقوم دبليو اف مالوني، وهو أحد اقتصاديي البنك الدولي، بطمأنة الوول ستريت جورنال إلى أنّ القطاع غير الرسميّ “سوف يستوعب أعداداً كبيرة من الناس وسوف يوفّر لهم موارد دخل، خلال السنة القادمة.

صحيفة الوول ستريت جورنال تستمدّ أمثلتها من أحمد آباد، مدينة المصانع الغوجراتية السابقة تلك التي كانت مسرح دراستي الميدانية في تسعينات القرن العشرين. هنا، في سوق مانيك تشوك ــ “صف من المرابض أو المواقف المهجورة”، حيث “يقوم الباعة المتجولون بتسويق كلّ شيء من الفاصولياء إلى الأواني النحاسية فيما السعادين تتضافر فوق الرؤوس” ــ تقوم سوراجبن “بابوبهاي” بانتي ببيع البندورة،والذرة، والجوز تحت واقية مؤقتة: “تحصّل مبلغاً يصل إلى 250 روبية في اليوم، أو نحو 5 دولارات، إلا أنّ المبلغ يكفي لإطعام أسرتها المؤلّفة من تسعة أشخاص، بمن فيهم ابنها، الذي فقد عمله صاقلاً للماس مؤخراً”. يكفي! حقاً؟ خمسة دولارات لتسعة أشخاص أي أقلّ من نصف المبلغ الذي يحدّده البنك الدولي خطاً للفقر. يتعين على العائلات التي لا تملك أي أرض في القرى الواقعة إلى الجنوب من أحمد آباد أن تتدبّر أمور معاشها بما هو أقلّ حتى من ذلك ــ في الأيام التي تتمكن فيها من العثور على عمل(3).

في وقت سابق من هذا العام عدت إلى أحياء المصانع السابقة في المدينة لأرى مدى تأثير الأزمة الاقتصادية في الناس هناك. مع حلول عام 2000 كانت هذه الأحياء العائدة للطبقة العاملة قد تدهورت إلى حارات غارقة في الفقر. إلا أن الوضع قد ساء على نحوٍ ملحوظ حتى منذ ذلك التاريخ. هاكم مثال أوضاع جامعات القمامة ــ جميعهن من النساء لأن هذا لا يعدّ من عمل الرجال. يحصلن الآن على نصف ما كنّ يحصلن عليه ثمناً لما جنينه من ورق،وأسمال، وقطع بلاستيكية ملتقطة من مكبّات النفايات في جولاتهن اليومية. تعويضاً عن الخسارة صار يوم عملهن الآن يبدأ في الساعة الثالثة فجراً بدلاً من الخامسة، مصطحبات أولادهنّ لتوفير المزيد من الأيدي. رابطة النساء العاملات ذاتياً، التي تتولى تنظيم عاملات القطاع غير الرسمي في المدينة، تقول في تقريرها إن “المداخيل تدهورت، أيام العمل تضاءلت،والأسعار تهاوت، وأسباب العيش اختفت”(4). والنشرة الأخيرة الصادرة عن هذه الرابطة تقدم الجدول التالي، للدلالة على الانهيار الحاصل في أسعار “السلع” الملتقطة من مقالب النفايات.

|| الأسعار المدفوعة لجامعات القمامة في أحمد آباد … سعر الكيلو بالروبية الهندية|||
|{{المواد}}|{{نيسان/أبريل 2008}}|{{كانون الثاني/يناير 2009}}|{{نسبة التغير الحاصل}}|
|خردة الفولاذ|6|3| – 50%|
|صفائح الفولاذ|10|5| – 50%|
|الأكياس البلاستيكية|8|5|- 37.5%|
|الجرائد|8|4| – 50%|
|البلاستيك الصلب|15|7| – 53%|
|البلاستيك الطري|10|4|- 60%|
|العظام الجافة|4|2|- 50%|
|قصاصات الشعر|1000|300|- 70%|

المدرسة: نشرة الرابطة النسائية رقم: 18 تاريخ 15/5/2009

إحدى ناشطات الرابطة في أحمد آباد تتحدث عن الأسى العميق الذي شعرت به لدى زيارتها للأعضاء المحليات. رأت إحداهن، رانجانبن آشكباهاي بارمار تبكي وهي تقول: “من الذي أرسل هذه الأزمة؟ لماذا أرسلونا؟”

التزمت الصمت. وضعها سيّء للغاية، زوجها مريض، عندها خمسة أطفال، تعيش في بيت بالأجرة، عليها أن تنفق على علاج زوجها وهي كاسبة الدخل الوحيدة في الأسرة، كيف تستطيع أن تتدبّر أمرها؟ حين تخرج لجميع النفايات والخردة تصطحب ابنتها الصغيرة فيما يبقى زوجها في البيت عاكفاً على صنع ملاعق بوظة خشبية لا يكسب منها سوى 10 روبيات في اليوم.

في مدينة سورات الصناعية التي تقع على بعد 120 ميلاً إلى الجنوب من أحمد آباد جرى تسريح نصف العمالة غير الرسمية من ورشات صقل الماس بين عشية وضحاها مع حلول نهاية عام 2008 لدى انهيار الطلب العالمي على المجوهرات. نحو 200.000 من قاطعي الماس وصاقليه وجدوا أنفسهم بلا عمل، فيما تعين على الباقين أن يتصارعوا مع التقليصات الحادة في ساعات العمل ومعدلات القطع. موجة عمليات انتحار اجتاحت العمال المطرودين الذين كانوا ــ بمداخيلهم البالغة نحو 140 دولاراً في الشهر ــ يعدون من منتسبي الشرائح الأكثر مهارة والأعلى أجراً في الاقتصاد غير الرسمي. هذه التجارب المريرة للاقتصاد غير الرسمي المأزوم في غوجرات يمكن تكرارها بالنسبة إلى منطقة بعد أخرى على امتداد الهند، أفريقيا، وجزء كبير من أمريكا اللاتينية. وفي مواجهة مثل هذا البؤس يتعذر التوافق مع النزعة التفاؤلية لدى كل من البنك الدولي وصحيفة الوول ستريت جورنال بشأن طاقات القطاع الاستيعابية. أما عن قيامها بكيل المديح لميزة “الاعتماد على الذات” التي يتحلى بها أولئك الذين يكافحون لمواصلة الحياة في ظل هذه الظروف، فإن من شان العيش في حالة استنفار دائمة أن يؤدي إلى استنزاف القدرة على الصمود ونضوب قوة التحمل. والإيحاء بأن هؤلاء العمال يؤلفون طبقة جديدة “مفعمة بالحيوية” من المبادرين ذاتيي الاستخدام، المستعدين لأن يشقوا طريقهم إلى الأعلى، ليس أقل خداعاً وتضليلاً من تصوير الأطفال الآتين من تشاولات (مزابل) مومباي كلاب أحزمة بؤس تملك الملايين.

{{ الطرف الريفي من المعادلة:}}

الخيار الثاني الذي يجري الترويج له راهناً في وسائل الإعلام الغربية بوصفه “سنداً في الأوقات العصيبة” هو نوع من أنواع العودة إلى الأرياف. فأحد موظفي بنك تنموي في تايلاند أفاد مؤخراً مراسل الانترناشيونال هيرالد تربيون بأن “عودة المرء إلى قريته التقليدية في الريف تشكل نوعاً من أنواع “حزام الأمان الاجتماعي””. يقوم الافتراض الراغب في التودد على وهم أن أعداداً كبيرة من النازحين الريفيين الذين باتوا فائضين في المدن قادرة على الانسحاب إلى مزارعها العائلة والذوبان في بوتقة العمل الزراعي، إلى أن تتم دعوتها من جديد لشغل وظائف مدينية مع حدوث الطفرة التالية في الاقتصاد. تقوم الانترناشيونال هيرالد تربيون باستحضار عمق ريفي فردوسي في الزاوية الجنوبية ــ الشرقية من تايلاندا. حتى في الفصل الجاف، ثمة وفرة من المحاصيل الدائمة ــ القرع، البقول، جوز الهند، والموز وغيرها ــ التي تزدهر بقليل من المطر. المزارعون يربون الدجاج والبقر، يحفرون برك السمك. خلف بيوتهم … طالما ظل ملك تايلاندا، بهوميبول أدولياديج، دائباً على تشجيع الاكتفاء الذاتي.(5)

ثمة آراء مشابهة تمّ نشرها في فترة الأزمة المالية الآسيوية عام 1997. آنذاك، افترض مستشارو البنك الدولي أن تكون الزراعة قادرة على الاضطلاع بدور خزان التجميع للعمالة التي باتت فائضة في القطاعات الأخرى، استناداً إلى فكرة أن جيش المهاجرين المتحرك ذهاباً وإياباً بين الريف ومراكز النمو المدينية لم يتخلّ قطّ عن عمله الأوّلي. وخرافة أنّ بلدان جنوب شرق آسيا مازالت مجتمعات فلاحية أساساً بقيت راسخة بعناد. كان بوسع حارثي الأرض هؤلاء أن يذهبوا إلى المدينة لكسب أجور إضافية للإنفاق النقدي، ولكنه كان يُتوقع منهم، لحظة فقدانهم لأعمالهم، أن يبادروا إلى الاندماج من جديد بالاقتصاد الزراعي دون أي صعوبة. كتبت آنئذ أنّ هذا الكلام بعيد عن الواقع.(6)

عائداً إلى مواقع دراستي الميدانية في جاوا صيف هذا العام، استمعت إلى القصص الأخيرة للرجال والنساء الذين عادوا إلى القرى، بعد فقدهم لأعمالهم في القطاع غير الرسمي في أمكنة أخرى، فلم يجدوا أي فرص عمل هنا في القرى أيضاً. ومن الطبيعي أن يحصل ما حصل: فهم مطرودون أساساً من دائرة اقتصاد القرية بسبب نقص الأرض أو غيرها من أشكال رأس المال في المقام الأول. ليس هناك أي مزرعة عائلية يمكن اللجوء إليها. لم يكن رحيل عديمي الأرض وفقرائها إلا هروباً، وجزءاً من استراتيجية تلاؤم مع الواقع. وصيرورة أفراد هذه البروليتاريا الريفية فائضين الآن في جاكرتا أو بانكوك، أو بوصفهم عمال تعاقد في تايوان أو كوريا بالمثل، تعني أنهم عادوا إلى المربع الأول، جراء نقص حاد ومتواصل للطلب على قوى عملهم في أمكنتهم الأصلية. إن مسرحية درامية مشابهة يتمّ عرضها في الصين. من المهاجرين الـ 120 إلى 150 مليوناً الذين شقوا طريقهم من المناطق الداخلية الريفية إلى المدن الساحلية النامية بسرعة خلال السنوات العشرين الأخيرة، تتحدث التقارير الرسمية عن أن 15 مليوناً أصبحوا الآن عاطلين عن العمل. وبالنسبة لضحايا الاقتصاد الجديد، ليس هناك أي بديل من العودة إلى “مسقط الرأس” في الريف الغارق بحر لا قرار له من الفقر.

إن اقتصاد القرية الآسيوية ليس قادرا على استيعاب كل أولئك الذين لا يملكون وسائل الإنتاج؛ كما أن القطاع المديني غير الرسمي مفتقر إلى المرونة المطلوبة لامتصاص كل أولئك التواقين إلى معانقته. حسب وجهات نظر صانعي القرار السياسي حول قابلية الحركة العابرة للقطاعات، يتعين على الاقتصاد غير الرسمي أن يستوعب العمالة الفائضة المطرودة من الوظائف ذات الأجور الأعلى بما يمكّن قوة العمل النازحة من تدبر الأمر عبر اعتماد ترتيبات تقاسم دخل إلى أن تعود الموجة الاقتصادية إلى سابق عهدها من جديد. لم أتمكن قط من العثور على أي دليل يشير إلى حصول مثل هذا التحول الأفقي. الباعة الجوالون لا يتحولون إلى سائقي عربات ثنائية الدواليب، خدم البيوت إلى عمال بناء وإنشاءات بين ليلة وضحاها. فسوق عمالة القطاع غير الرسمي شديدة التمزق والتشظي؛ أولئك الذين يجري صرفهم من فرع نشاطهم ليس أمامهم أي خيار إلا العودة إلى “مسقط الرأس”، لأن الاستمرار في المدينة دون كسب رديف للاستحالة. بيد أن الرجوع إلى المكان الأصلي ليس خياراً ميسراً، نظراً للافتقار إلى المجال في الاقتصاد الريفي. ومع ذلك، فإن كثيرين ممن تحدثت إليهم لا يبادرون بسهولة إلى إلقاء اللوم عن الأذى اللاحق بهم على الأزمة الاقتصادية. إن ما تبدو، من وجهة نظر منتسبي ما دون الطبقات في العالم، مجرد أزمة عابرة هي في الواقع الفعلي أزمة بنيوية، أزمة غياب فرص استخدام منتظمة ومحترمة. فجيش العمل الاحتياطي الجرار والهائل المحشور في قاع الاقتصاد غير الرسمي واقع في شرك أو مصيدة حالة أزمة دائمة لن ترحل عندما ترتفع مؤشرات داو جونز من جديد.

{{نظام اقتصادي جديد:}}

يجري الآن، على قدم وساق، وعلى نطاق كوكبي شامل حقاً، تكرار التحول الذي حصل في أوروبا الغربية القرن التاسع عشر، حيث هاجر عديمو الأرض وفقراؤها من الفلاحين إلى المدن. إلا أن عملية إعادة الهيكلة التي من شأنها أن تتولى اجتراح نظام صناعي ــ مديني أو حضري، من ذلك النوع الذي أدى إلى إدخال قدرٍ كبير من التحسين على حياة فلاحي نصف الكرة الأرضية الشمالي السابقين، لم تتحقق على أرض واقع اليوم. ففلاحو الجنوب السابقون أخفقوا في الاهتداء إلى فرص عمل ومساكن آمنة لدى وصولهم إلى المدن. منخرطين في معارك الكفاح من أجل الحصول على موطئ قدم في هذه المدن، باتوا غائصين في مستنقعات الوحل على امتداد أجيال متعاقبة في جحيم أجواء الحرمان الطاغية على أحزمة البؤس وضواحي الأكواخ العشوائية، بوصفهم جحفلاً احتياطياً جراراً من العمالة غير الرسمية.

في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، درج صانعوا القرار السياسي الغربيون على النظر إلى القطاع غير الرسمي نظرتهم إلى غرفة انتظار، أو محطة ترانزيت مؤقتة: كان القادمون الجدد يستطيعون أن يقفوا على أقدامهم هناك ويتعلموا أساليب التعامل مع سوق العمالة الحضرية. ومع استيعابهم لهذه الأساليب كان من شأنهم أن يصبحوا مؤهلين على نحو متزايد للحصول على أجور أعلى وشروط أعمال أكثر جدارة بالاحترام. غير أنّ الرياح هبّت، في الحقيقة، بالاتجاه المعاكس؛ وجزء كبير من السبب الكامن وراء ذلك يعود إلى طغيان سياسات السوق، انحسار دور الدولة في مجال الاستخدام، والإضعاف الحاسم للعمالة المنظمة، للنقابات والاتحادات العمالية. بات أفراد الفئة الصغيرة الذين نجحوا في شق طريقهم إلى القطاع الرسمي متهمين الآن بجريمة الانتساب إلى الأرستقراطية العمالية، جريمة المطالبة الأنانية بميزات الحماية والأمان والضمان. وفي الوقت نفسه، راحت أوساط البنك الدولي وغيره من الهيئات العابرة للحدود القومية تكيل آيات المديح والتهليل للقطاع غير الرسمي بوصفه محركاً قاطراً لمسيرة النمو. صارت عملية اكتساب ميزة المرونة وقابلية التكيف موضة دارجة ــ بعبارة أخرى أصبح الإجهاز على امن العمل ونسف مقولة المساومة الجماعية من أساسها شعارين سائدين. إن سيرورة إضفاء الصفة غير الرسمية على العمالة التي أخذت شكلها على امتداد السنوات العشرين الأخيرة جلبت معها، بين جملة أشياء أخرى، نهاية الصناعة النسيجية ذات النطاق الواسع في آسيا الجنوبية. ففي أحمد آباد بالذات، تم تسريح أكثر من 150.000 عامل نسيج بجرة قلم. لم يعن الأمر انتهاء إنتاج النسيج في المدينة. فالقماش يتم إنتاجه الآن في الورشات المجهزة بالآلات اللازمة من قبل كادحين يعملون اثنتي عشرة ساعة في اليوم، بدلاً من ثماني ساعات، ومقابل أجر يقل عن نصف الأجر الذي كان يحصل عليه في المصنع؛ وتصنيع الملبوسات أصلاً عمل منزليّ تقوم به العائلة كلها ليل نهار. أما نقابة عمال النسيج فلم يبق منها أي أثر. من خلال الانزلاق الانحداري على سلم تراتبية العمل باتت هذه العائلات غائصة في مستنقع أزمة اجتماعية واقتصادية دائمة.

لم تقف الأمور عند مجرد دفع كلفة العمل في قاع الاقتصاد العالمي إلى أدنى المستويات الممكنة؛ فعملية التمزيق تؤدي أيضاً إلى إبقاء الجماهير شبه العاطلة عن العمل متشظية داخلياً. فهؤلاء الناس متنافسون في سوق عمالة بات فيها طرف العرض، هيكلياً، أكبر ــ ودائم التقلب ــ من طرف الطلب على قوة العمل. يأتي ردّ فعلهم على هذا الاختلال متمثلاً بمحاولة تعزيز روابطهم وعلاقاتهم من خلال الانتماءات العائلية، المنطقية (نسبة إلى المناطق والأقاليم)، القبلية، الكاستية (الطبقية الجامدة)، الدينية، أو غيرها من الهويات الأولية، الأصلية التي تحول دون عقد أي صفقات جماعية قائمة على أساس وضعية العمل والمهنة. ومما يضاعف من هشاشة أوضاع هؤلاء أنهم مقتلعون عنوة من جذورهم: مطرودون هم من الأرض، ولكنهم مدفوعون إليها من جديد، هائمون على وجوههم في رحلة بحث لانهائية عن عمل ومأوى.

جرى ربط انبثاق دولة الرفاه الأولى في نصف الكرة الأرضية الغربي مع رحيل القرن التاسع عشر بخوف البرجوازية من احتمال إفضاء سياسة إقصاء الشرائح الدنيا من المجتمع إلى انهيار النظام القائم(7). أما اليوم فإن الطرف المالك الميسور من البشرية لا يبدو متوجساً أو مذعوراً من حضور طبقة خطرة (class dangerous) اكبر حجماً بما لا يقاس. إن استيلاء هذا الطرف المزيد المتعاظم باطراد من الثروة هو الوجه الآخر للسير قدماً على طريق إشاعة القطاع غير الرسمي، الأمر الذي ما لبث أن تمخض عن الخلل المتنامي في التوازن بين رأس المال والعمل. ليس ثمة أي مؤشرات دالة على حصول نوع من أنواع التغيير في توجهات المسار الاقتصادي. أما وعود تقليص الفقر واختزاله التي يطلقها قادة كوكبيون فليست إلا آيات تملق أو مناسبات التقاط صورة. خلال حملته الانتخابية بقي أوباما حريصاً على تكرار إعجابه بصفقة روزفلت الجديدة، بين الحين والآخر. أما بعد انتخابه فإن خطته الاجتماعية ذات القاعدة العريضة نائمة على الرفوف دون أي مزيد من الأصداء. من اللافت أن الأزمة الكوكبية تتم معالجتها بعمليات تحويل هائلة للثروات من الفقراء إلى الأغنياء. ومثل هذا المنطق لا يسعه إلا أن يوحي بنوع من العودة إلى العقائد القرن تاسع عشرية القائمة على الإيمان بمبدأ اللامساواة الطبيعية وممارسته. من وجهة النظر هذه ليس الفقر هو ما يتعين استئصاله. فالمشكلة هي الفقراء أنفسهم، الفقراء المفتقرون إلى القدرة على التماسك ورباطة الجأش اللازمين للخروج من حالة البؤس. إن هؤلاء الفقراء، وهم مثقلون بسائر ضروب المرض والنقص، ليسوا إلا فائضاً لا نفع فيه وعبئاً غير ضروري. فما السبيل إلى الخلاص من هذا العبء الثقيل؟

{{
الهوامش:}}

1 – “العمل المحترم والاقتصاد غير الرسمي”، منظمة العمل الدولية، جنيف 2002؛ تقرير عن أوضاع العمل ورفع مستوى معيشة العاملين في القطاع غير المنظم، الهيئة القومية للمشروعات في القطاع غير المنظم، حكومة الهند، نيودلهي، 2008.

2 – باتريك بارتا، “انتفاضة ما تحت الأرض”، الوول ستريت جورنال، 14/3/2009.

3 – بْرَمَنْ، نظام الفقر في القرية الهندية، دلهي، 2007.

4 – نشرة رابطة النساء ذاتيات الاستخدام، نحن مستخدمات ذاتيات، عدد: 18، 15/5/2009. بدأت الرابطة تنظيم عاملات القطاع غير الرسمي في أحمد آباد في السبعينيات، ثم ما لبثت وسعت نشاطاتها فباتت شاملة للهند، بل ولما بعد الهند.

5 – توماس فولر، “في جنوب شرق آسيا، العاطلون عن العمل يهجرون المدن للعودة إلى القرى”، الانترناشيونال هيرالد تربيون، 28/2/2009.

6 – انظر بْرَمَنْ وغوناوان ويرادي، أيام بيضاء وأخرى سوداء في جاوا الريفية: دراسة ميدانية لآليات اجتماعية ــ اقتصادية في قريتين مع اقتراب نهاية القرن العشرين، لايدن، 2002.

7 – آبرام دي سوان، برعاية الدولة: الرعاية الصحية، التعليم، والرفاه في أوروبا والولايات المتحدة الامريكية في الحقبة الحديثة، كامبرج، 1988.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق