المهمشون والهامشيون (5)

ليس يخفى أن مفهوم التهميش، المشتقّ من فعل همش، من المعاني الملتبسة والمثيرة للقلق على أكثر من مستوى؛ فعلى المستوى الاشتقاقيّ نجد أنّ الكلمة لا أصل لها في اللغة العربية بهذا المعنى الذي صار لها اليوم والذي يفيد Marginaliser. فإذا عدنا إلى القواميس العربية وأردنا أن نؤصّل للكلمة، فلن نجد ما يسدّ رمقنا ويشفي غليلنا، فأقصى ما نحصل عليه هو ما أورده صاحب “تاج العروس من جواهر القاموس”، حين قال: “والهامش حاشية الكتاب، قال الصاغاني: يقال: كتب على هامشه، وعلى الهامش، وعلى الطرة، وهو مولّد.”(1) بل لعلّ الكلمة الأكثر إيفاء للغرض هي كلمة الإقصاء، ففي لسان العرب يقول ابن منظور: “قصا عنه وقُصُواً وقصاً وقصاء وقصي: بعد. وقصا المكان يقصو قصوا: بَعُدَ (….) وقصوت عن القوم: تباعدت. ويقال : فلان بالمكان الأقصى والناحية القصوى والقصي… ومعنى حاطونا القصاء أي تباعدوا عنا وهم حولنا، وما كنّا بالبعد منهم ولو أرادوا أن يدنوا منا… والقصا: الناحية. والقصاة : البعد والناحية وكذلك القصا. يقال: قصي فلان عن جوارنا، بالكسر، يقصي قصا، وأقصيته أنا فهو مُقصى، ولا تقل مقصيٌ”(2).

انطلاقا من هذا التعريف يمكن أن نقول : المقصون هم على صنفين، صنف اختار الابتعاد عن الجماعة وسلكَ نهج مغاير لما تسلكه ويكون ذلك بالاختيار لا بالقسر والإجبار. والصنف الثاني يكون ابتعاده إبعادا وإقصاء، وليس انعزالا عن رغبة واقتناع. وهكذا فأن يريد الفرد اعتزال الجماعة والعيش على بعد منها أمر، وأن تنبذ الجماعة الفرد وتحيله قسرا إلى “الهامش” بعيدا عنها أمر آخر. ففي الأولى يكون الاختيار ترفّعا وسموّا يتجلّى في الإقبال على عالم الذات والعيش فيه مكتفيا بذلك عن اقتناع، بعد إدراك أنّ ما تخوض فيه الجماعة باطل وغير ذي نفع، كقول فيلسوف الشعراء أبي العلاء المعري:

تَوَحَّد فَإِنَّ اللَهَ رَبَّكَ واحِدٌ وَلا تَرغَبَن في عِشرَةِ الرُؤَساءِ

يُقِلُّ الأَذى وَالعَيبَ في ساحَةِ الفَتى وَإِن هُوَ أَكدى قِلَّةُ الجُلَساءِ

فَأُفٍّ لِعَصرَيهِم نَهارٍ وَحِندِسٍ وَجِنسَي رِجالٍ مِنهُمُ وَنِساءِ

وَلَيتَ وَليداً ماتَ ساعَةَ وَضعِهِ وَلَم يَرتَضِع مِن أُمِّهِ النُفَساءِ

يَقولُ لَها مِن قَبلِ نُطقِ لِسانِهِ تُفيدينَ بي أَن تُنكَبي وَتُسائي

فالتوحد هنا طلب للأنس، أنس الذات بوحدتها وخلاصها من وحشة الجماعة، حيث الغربة القاسية وسط من لا تجمعك بهم أية صلة.

ولقد كان هذا دأب الكثير من الفلاسفة والأدباء والمتصوفة، فهناك من أعرض عن الدنيا واختار هجر أهلها وعدم الخوض فيها مع الخائضين، مفضلا الزهد والسياحة في المفاوز، حيث نجد أحدهم يقول : “كانت الدنيا ولم أكن فيها، وتذهب الدنيا ولم أكن فيها، فلا أسكن إليها فإنّ عيشها نكد وصفوها كدر وأهلها منّا على وجل، إما بنعمة زائلة أو بلية نازلة أو منية قاضية”(3). فهذا الاتجاه يرى أنّ “الهامش” أي الحيز المنفصل عن الجماعة أولى بالسكن وأنّ ما يعتبر مركزا أحقر من أن يتبع، وبما أن نظرتهم لما يخوض فيه غالبية الناس مهان ومحتقر، فإنّهم يفضلون العيش على التخوم، لا في المركز، فـ”الهامش” هنا ملتبس وكذلك المركز. فهؤلاء هم الذين اختاروا الابتعاد إلى مقامات غير مقامات العامّة، إنهم من قال عنهم ابن باجة “وهؤلاء هم الذين يعنيهم الصوفية بقولهم الغرباء، لأنهم، وإن كانوا في أوطانهم وبين أترابهم وجيرانهم، غرباء في آرائهم، قد سافروا بأفكارهم إلى مراتب أخر هي لهم كالأوطان”(4). من هذا المنطلق نتساءل: بأيّ معنى يكون الهامش هامشا، وبأيّ معنى يكون المركز مركزا، أي ما هو المقياس الذي به يكون التمييز ويحصل التصنيف؟ لا نرى مقياسا سوى مقياس الأغلبية والأقلية، أو العامة والخاصة أو الموالون والمنشقّون، فلنتأمّل قول الحسين بن منصور الحلاج:

كَفَرتُ بِدينِ اللَهِ وَالكُفرُ واجِبٌ عَلَيَّ وَعِندَ المُسلِمينَ قَبيحُ

فهو بقوله هذا مزدوج الموقف قد خرج عن الجماعة راغبا عنها، فأقصته بدورها لأنه خالفها القواعد والثوابت الإيمانية. لا يهمّنا التأويلات التي أعطيت لهذا البيت الشعريّ ولا لفكر الحلاج ككلّ، بقدر ما يهمّنا ما جناه عليه اختياره بالابتعاد عن معتقد الجماعة، والتحليق في فضاء الذات الرحب بعيدا عن ضيق أفق الجماعة، التي لم تستسغ اختياره ولم تسمح له بحقّ الاختلاف.

لن تنقصنا الدلائل إذا ما تدبّرنا حياة الكثير من الفلاسفة ورجال العلم عبر التاريخ، كالفيلسوف الهولندي اسبينوزا الذي “همّشته” جماعته اليهودية وحاول بعضهم اغتياله، ومن قبله نجد سقراط الذي عاش مُقصى، بل لم يُترك له الحقّ في اختيار ما عكف عليه، فاتّهم وسيق إلى المحاكمة بحجّة أنه يفسد الشباب، للنظر في جوابه، حين سأله أطيفرون عن التهمة الموجهة إليه : “ولكن قل ماذا فعلت حتى يقول عنك(= المدّعي) أنك تفسد الشباب؟

“سقراط: أشياء تبدو غريبة جدّا عند سماعها، أيها الرجل الرائع. ذلك أنّه يقول إنّني مخترع آلهة، ومن أجل أنّني أخترع آلهة جديدة ولا أومن بالآلهة القديمة، من أجل هذا ذاته، فيما يقول، أقام علي الادعاء”(5).

هذه هي نهاية الإقصاء السقراطيّ، تحرّش واستهزاء ومحاكمة ثمّ إعدام، والسبب هو التفكير خارج إطار الجماعة، إنه الشذوذ عن القاعدة، أن تأتي بجديد مخالف للسائد المكرس والموروث عبر أجيال وأجيال، الجديد يزعزع اليقين ويميط رداء السكينة والاطمئنان اللذين تنعم بهما الذات، الخاملة طبعا، والتي تخشى قلق السؤال، فتعمد إلى إقصاء و”تهميش” كلّ من يقضّ مضجع سباتها الوثوقيّ.

واليوم في مجتمعاتنا العربية، اللاعقلانية في مجموعها، من هم “المهمّشون” حقيقةً؟ فإذا تأمّل كلّ منّا محيطه، ماذا يلاحظ؟ كيف تجري الأمور في العمل وفي الشارع، في الحزب السياسي وفي غيره من التنظيمات؟ من يمثّل المركز ومن يمثّل الهامش؟ كم نسبة من يفكّر تفكيرا عقلانيا ويتصرّف على ذلك الأساس؟ وما هو الخطاب الأكثر تأثيرا في الناس والأكثر رواجا بينهم؟ أهو خطاب العقل المؤسّس على الحجّة والبرهان، أم الخطاب اللاعقلانيّ المبنيّ على الوعظ والإرشاد؟ العقلانيون والعلمانيون في أوطاننا هم “المهمّشون” اضطرارا، المغتربون في أوطانهم قسرا.

ما أصعب هذا النوع من “التهميش”، حين يشار إلى فئة من الناس بالإلحاد والزندقة أو حتى العمالة للقوى الأجنبية، وكلّ جريرتهم أنّهم يفكّرون بخلاف المألوف ويرفضون إتباع ما يتبعه الجمهور، لأنهم ينصبون العقل فاصلا وفيصلا بدل أوثان التقليد وإتباع أثر السلف. لقد حصل أن أعلن مالك بن نبي في سنوات السبعينات أنّ الامبريالية والصهيونية كانتا وراء إصدار كتاب عبد الله العروي “الأيديولوجيا العربية المعاصرة”، كما كتبت صحيفة عن كتاب العروي “العرب والفكر التاريخيّ” ما يلي: “صدر كتاب في بيروت لأحد عملاء الامبريالية وأصهار الصهاينة وتلامذة الاستعمار”(6).

على هذا الأساس كيف تكون النخبة المثقفة ثقافة حداثية فاعلة وهي أساسا لا شرعية لها، طبعا نتحدّث هنا عن الشرعية الجماهيرية، أي ما تزكيه الجماهير أو لنقل العامّة، فالذي يتحدّث لغة الحداثة معتمدا مبدأ الفصل بين المجالات، في مجتمع يعيش على الخلط في كلّ شيء، يعتبر مارقا وجب إقصاؤه وتهميشه في أحسن الأحوال، إذ لم يكن المطلوب هو تضييق الخناق عليه حتى يثوب ويعود إلى حضن الجماعة صاغرا. فعلى سبيل المثال: من يستطيع اليوم، في الأوطان العربية، والمغرب نموذجا، أن يحتجّ على جحافل المصلّين الذين يحتلّون الملك العموميّ ويغلقون منافذ الشوارع ويعرقلون حركة المرور، من أجل تأدية صلاة الجمعة، بعد أن تكون المساجد قد امتلأت عن آخرها. لن يجرؤ أحد على الصدح بذلك رغم امتعاضه الشديد وحنقه المكتوم، إمّا تقيّة، لأنّه وبكلّ بساطة سيخشى من أن تتناسل في حقّه فتاوى التكفير وتتعالى أصوات الإدانة مطالبة بمحاكمته أو ربّما بهدر دمه، وإمّا استسلاما وتماشيا مع منطق الواقع المفروض.

لسنا بهذا المثال نعلن موقفا سلبيا ضدّ التديّن كيف ما كان أصله، لأنّ هذا حقّ إنسانيّ، ونحن كعلمانيين أوّل من يدافع عنه، ويعمل على أن يُكفل لكلّ واحد الحقّ في أن يعتقد ما يشاء في إطار احترام حقوق الإنسان. بل نحن ضدّ الفوضى والتطاول على حقوق الآخرين وعدم الفصل بين المقامات والأماكن، فالمسجد للصلاة والشارع لمرور السيارات والحانة للشرب والمطعم للأكل والبرلمان للتشريع، فمن يسمح أن تتحوّل الشوارع إلى مساجد عليه أن يقبل بأن تتحوّل المساجد إلى حانات والحانات إلى مساجد، وهذه هي الفوضى بعينها المفسدة للعقل والذوق معا. ودفاعا عن حقوق الأقلية العلمانية “المهمّشة” سياسيا واجتماعيا، في أوطان تعادي العلمانية فكرا وسلوكا، نطالب بإنصافها من الفوضى الكاسحة في كلّ مظاهر الحياة اليومية بدءا ممّا يتداول في وسائل الإعلام إلى ما ينتهج من سياسة في جميع المجالات. إنّ الفئة المتنوّرة والعلمانية بالضرورة في أوطاننا العربية والشقية بوعيها، هي الأقلية الأكثر تهميشا وإقصاء، وبمرور الزمن تزداد غربتها ويتفاقم تهميشها.

{{الهوامش:}}

1- انظر كلمة همش في تاج العروس من جواهر القاموس، لمرتضى الزبيدي .

2- انظر كلمة قصا في لسان العرب لابن منظور.

3- الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، الجزء3، دار المعارف، بيروت، دت، ص. 207.

4- ابن باجة، أبو بكر بن الصائغ، تدبير المتوحد، سراس للنشر، تونس، 2009، ص.20.

5- أفلاطون، محاكمة سقراط، ترجمة عزت قرني، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، 2001، ص. 37.

6- العروي، عبد الله، خواطر الصباح، يوميات (1974 – 1981)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2003، ص. 30.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق