المهمشون والهامشيون (7)

الغجر – النور – القرباط – القرج… تعدّدت التسميات والمقصود واحد، شريحة اجتماعية مهمّشة مازالت إلى يومنا هذا تعيش على هامش الحياة، وفي ظروف يصعب على البشر والحجر تحمّلها، يحملون لواء الطيبة والمعاناة بدواخلهم المنشغلة بتأمين لقمة العيش على أطراف المدن الكبيرة والصغير بآن واحد، وبغضّ النظر عن الأصول الحقيقية لهذه المجموعة السكانية أو النزوح التاريخيّ لها، فالمهمّ اليوم هو أنّ هؤلاء الناس سوريون ولا يعرفون وطناً آخر سوى سوريا، وهم بطبيعة الحال يقطنون أطراف المدن الرئيسية والضواحي والقرى منتشرين في عموم البلاد، لهم عاداتهم وتقاليدهم ، وتمايزهم في طريقة العيش، حيث تستطيع تمييز الغجريّ من غيره حسب لون شعره الذهبيّ من شدّة أشعة الشمس وبشرته السمراء وألوان أسنانه التي ربما لم تغسل ولو لمرة واحدة طوال حياته.
{{
ويسألونك عن خيمة الغجر:}}

خيمة الغجري بيته، وفيها يعيش أفراد الأسرة وإن تجاوزوا في عددهم الآحاد، وخيامهم مصنوعة من الخيش والكرتون والتنك، مقسمة إلى طرفين أحدهما للنساء وأخرى للرجال أو ربما غير مقسمة، وهي تفتقد لأبسط الاحتياجات الضرورية للحياة في عصرنا هذا فلا كهرباء ولا ماء كما لا توجد أقنية للصرف الصحي، ويشكّل تراكم الأوساخ في الجوار سبباً مهماً لانتقال الأوبئة والأمراض أضف أنّ تراكم الأوحال شتاءً والغبار صيفاً تضعنا أمام مشهد من القرون الوسطى، أو ربما أبعد من ذلك بكثير.

أما على الجانب الاجتماعي، فإنّ النفور والازدراء الذين يبديهما الناس من الغجر يشكلان مشكلة قائمة، حيث كلمة غجري تساوي شتيمة، كما يرفض أغلب الناس توظيف الغجر لديهم وتشغيلهم مما يضعهم أمام موقف صعب ألا وهو الاضطرار لتشغيل نسائهم وأولادهم في أعمال لا تليق بهم كبشر مثل التسول وقراءة الطالع ونبش القمامة …

{{فقر وجهل والقائمة تطول…}}

هنالك صعوبات عديدة في الاطلاع والكشف عن القروض والمنح والهبات التي تحصل عليها المؤسسات الرسمية باستمرار من الدول العربية والأجنبية، وتتعقد الصعوبات أثناء التدقيق والكشف عن طرق صرف هذه القروض والمنح وعن كيفية التعامل معها وإن كانت توضع في مكانها الحقيقي والمخصصة له فعلا أم أنها تستقر في مكان آخر، فالقروض والمنح قد غطت العديد من المشاريع في الاقتصاد السوري، ولم تترك زاوية في قطاع ما إلا واحتلّت فيه ركنا لها، ولم ينجح منها أي قطاع أبدا. فالصناعة والسياحة والتجارة والمصارف والغابات والبيئة والاتصالات والتعليم والتربية والصحة والطاقة والنقل والمياه وتطوير المرأة، كلها حصلت إمّا على قروض مباشرة أو على منح، ولكنّ هذه الفئة الاجتماعية المهمشة من المواطنين السوريين بقيت خارج حسابات الزمن والجغرافية، وازدادت فقراً وتشرداً وإقصاء وحرماناً مركباً مادياً ومعنوياً، فهؤلاء الغجر يعانون من الفقر ويعيشون في ظله، ويتأثرون بثقافته، وينتجون سلوكياته، ويُبعدون بواسطته عن المشاركة والحراك الاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي، دون وجود أي حلول ضمن المشاريع القريبة أو البعيدة، الأمر الذي يفتح باب الانتساب إلى نادي الفقر بدون شروط مسبقة، ويمنح هوية “مهمش اجتماعياً” لآلاف جديدة من الناس وفي كافة المناطق السورية، فتتوسع بالتالي دائرة التهميش الاجتماعي لتطال شريحة كبيرة من المواطنين على حساب تحقيق تنمية اقتصادية لحفنة قليلة من الأثرياء التقليدين والجدد، الأمر الذي ينقل سوريا مستقبلاً إلى حالة من “تخصيص التنمية” مقابل “تعميم التهميش”. مما يخلق حالات جمة من الأمراض الاجتماعية والسلوكيات الشاذة سيكون زادها ووقودها آلاف المهمشين لا الفقراء وحدهم.

{{
تقصير على كافة الاتجاهات:}}

لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الغجر الذين يصل تعدادهم للآلاف، فالمؤسسات الرسمية لا تطالب مراكزها المتخصصة في هذا المجال بالتقصي عن تعدادهم إيذاناً لحل مشاكل الغجر كما أن جمعيات حقوق الإنسان لا تأتي على ذكرهم ولا تشرح معاناتهم بالشكل المطلوب، الجمعيات الخيرية والمدارة من قبل جهات دينية وشخصيات اجتماعية لا تتوجه لتقديم يد العون والمساعدة لهم بل تقوم في كثير من الأحيان بطردهم إذا ما تقدموا بطلب العون والإغاثة، كما أن الأمية والجهل المنتشرين بينهم يشكلان عاملاً إضافياً في استبعادهم عن سوق العمل، والدولة لا تطالب أبناء الغجر الالتحاق بالتعليم الإلزامي ولا تحاسبهم عن التسرب المدرسي ولا تؤمن لهم مدارس سيارة أسوة بباقي الدول، فأهم ما يميز مجتمع الغجر هو الفقر المدقع لهؤلاء البشر نتيجة لعدم وجود فرص عمل لهم في نطاقي الدولة والمجتمع.

قال لي أحد الغجر عندما صادفته في أحد أسواق المدينة وعندما علم أنني من نشطاء الشأن العام “أنكم شركاء في الصمت”، لا تشعرون بما نعانيه من أوضاع اقتصادية واجتماعية سيئة ولا أحد يلتفت إلينا ولو بموقف تضامني يزيل عنا غبار الزمن ومصاعب الحياة، وختمها بالقول: نحن أيضاً بشر لنا أحاسيسنا ومشاعرنا نرغب بالعيش بكرامة بعيداً عن النظرة الدونية التي نشعر بها كل يوم ونهضمها لأننا غجر نعيش على هامش الحياة، ويبقى أن نقول أن هؤلاء المهمشين في وطنهم واللاجئين في بلدهم يحتاجون لجهد كبير للوقوف على مشكلتهم شرحاً وتوضيحاً وحلاً، حتى لا يبقوا على هامش الحياة ويندمجوا في الحياة الاجتماعية كسائر المواطنين عبر تشريعات جديدة تتيح لهم سبل العيش الكريم وتنشلهم من هامشيتهم المفروضة عليهم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق