المهمّشون والهامشيّون (11)

المهنة في بطاقة التعريف الرسمية التي منحتها إياه سلطة الحماية الفرنسية سنة 1936 : كاتب.                                                                                                   
الشهرة عند النخبة المثقفة بين الحربين: شاعر وأديب وإذاعيّ.
النعت  الرّائج عند العامّة : زنديق مارق لا حدّ عنده بين الجدّ والهزل.


****

ذلك هو علي الدوعاجي المبدع التونسيّ والمثقّف المتمرّد الذي عاش بين 1909 و1949 في مدينة تونس، والذي اختار الهامشية نهجا وممارسة وفلسفة إلى أن جرفه للرّدى داء السلّ.

ليس في مقدورنا الآن كتابة " بيوغرافيا" شاملة حول شخصية الدوعاجي وهو أمر منظور ومنشود عندما يباح للقلم التأريخي في بلادنا العربية ولوج حقل سير المثقفين والمبدعين. لم يرفع الحرج حتى الآن إلاّ على سِيَر مشاهير السياسة، لذلك سنكتفي ببيوغرافيا انتقائية منتخبة على حدّ تعبير المؤرّخ الإيطالي جيوفاني ليفي، قد لا تروي ظمأ المغرمين بالدوعاجي وعالمه الأدبيّ والفنّيّ، ولكنّها على الأقلّ تزيح العتمة عن جوانب مغمورة ومنسيّة في مسيرة حياة هذا المثقّف الاستثنائيّ.

لا يبرّر إقحام الدوعاجي في مبحثات هذا الملفّ حول التهميش إلا قسمه الثاني المخصّص للهامشية، وهي مسلك طوعيّ ومنهج فلسفيّ اختاره مفكّرون ومبدعون لتغيير الواقع والفعل فيه، بطريقتهم والدوعاجي منهم دون شكّ.  

يتيم " تحت سور" الابداع :

ينحدر علي الدوعاجي من عائلة ذات أصول "تركية" اكتسبت صفة العراقة الحضرية في مدينة تونس فاشتهرت بأنّها عائلة "بـلْـدِيَّةٌ"، وهو نعت يكفي وحده آنذاك (مطلع القرن العشرين) لتوفير حدّ أدنى من الحصانة الاجتماعية في مجتمع  تقليديّ يعيش على هيبة المكانة ورمزيتها.

لم يولد المترجم له في بيت من القصدير ولا في كوخ متداع، بل ترعرع في بيت عزٍّ وأسرة تعيش نوعا من الرفاه فلم يعرف في صباه حرمانا مادّيا بقدر ما عاش "مدلّلا" في رحاب والدة مهووسة بحبّه وتدليعه،  فتكفّلت بالأبوّة والحضانة  والأمومة، وبالغت في تلبية طلباته بما فيها الانقطاع المبكّر عن الدراسة.

وتوفّرت للصبيّ- الشابّ بسرعة فرصة العمل في متجر قماش مشهورعند "آل المبزّع"، نأت به عن  الخصاصة التي ألقت بغيره في يمّ التهميش في مدينة استفحل فيه التفقير الاستعماريّ وقلّت فيها فرص الاندماج المهنيّ والاجتماعيّ.

غير أنّ علي الدوعاجي عاش حرمانا معنويا وعاطفيا، فقد تركه والده يتيما في سنّ الرابعة فحسب، فحُرم من الأبوّة البيولوجية التي انضاف إليها حرمان من الأبوّة الثقافية بعد أن غادر مقاعد المدرسة القرآنية العرفانية دون نيل التحصيل الذي يؤهّله مثل أقرانه "البلْدية" من الالتحاق بجامعة الزيتونة وولوج سلم الخطط النبيلة في الوظيفة أو القضاء أو التدريس.

اختار على الدوعاجي منذ شبابه المبكّر نهجا استثنائيا، فلم يسلك الطرقات المعبّدة والمألوفة، فقد تخيّر العصامية نهجا في تكوينه فشُغف بالمطالعة وتدرّب على تمتين لغته الفرنسية. وما لبث أن أظهر ميلا إلى الآداب والفنون، فولع بنظم الشعر وكتابة القصة والكتابة في الصحف، ثمّ رسم الكاريكاتور ونظم القصائد الغنائية، وإعداد المقاطع التمثيلية والمسرحيات، وتنشيط  الحصص الإذاعية في "راديو تونس"، بل شملت موهبته حتى فنّ التخطيط،  فهو الذي أخرج بريشته غلاف العدد الأوّل من مجلّة العالم الأدبي.

عوّض الدوعاجي ذلك الحرمان العاطفي والأبوّة الفقودة بثراء أدبيّ وفنّي متّنت عراه حميمية جماعة "تحت السور". فقد كان منشّطا بارزا  للمجلس الأدبي والفنّي في مقاهى باب السويقة أحيانا "تحت السور"، وأحيانا  "تحت الدربوز" وأحيانا أخرى في ركن من خمّارات باب البحر يجالس ويطارح ويتهكّم ساخرا من الوضع متهجّما على الاستعمار ورموزه وأذنابه، ساخطا على المثقّفين الانضباطيين الذين نمّطتهم الاستكانة وايديولوجيا الرضا والقناعة.

كان علي الدوعاجي رفيقا لزمرة من المثقفين المجدّدين، فقد كان جليسا ونديما للطاهر الحداد وأبي القاسم الشابي وزين العابدين السنوسي ومحمد العريبي والهادي العبيدي وعبدالرزاق كرباكة ومحمود بورقيبة … كما تمتنت علاقته في منتصف الثلاثينات بالأديب محمود بيرم التونسي الذي جاء  إلى تونس منفيّا فأثّر في الدوعاجي وتأثّر به.

"البوهيمي ": Le Bohème هو نعت أطلقه عبد العزيز العروي في مقال صحافي مشهور صدر يوم 10 أكتوبرسنة 1936 في جريدة Le Petit Matin.

لم يكن هذا المقال تحامليا بقدر ما كان رسما لبورتريه خاصّ بمثقّف استثنائيّ اختار الهامشية طوعا وتعمّق فيها نكاية في "المركز". كان الدوعاجي لا يقيم وزنا خاصا لنمط اللباس والتزيّي الخارجي فهو طورا بجبّته التونسية التقليدية وما والاها من قيافة وتأنّق، وأطوارا يلبس الكسوة الافرنجية العصرية، حليقا بعض الأحيان كثيف الشعر أشعثَ في الغالب الأعمّ، يسهر كامل الليل وينام نهارا، اختار نمطا "مقلوبا" في مجتمع اعتبره كذلك.

يتجوّل في المقاهي والخمارات ويخطر له أن يلقي قصيدة عامّية أو فصيحة أو نصف خطبة في بهو المقصف، لا يقيم شأنا للحدود الاجتماعية والثقافية المرسومة، فهو يجالس الظرفاء والبسطاء مثلما يجالس أصحاب "الحكمة" والتوقير.

تخيّر علي الدوعاجي نهج النقد الساخر والساخط في مسرحياته (التي فاقت المائة والعشرين) وفي قصائده  ومقالاته الصحفية المتناثرة هنا وهناك، أحيانا يقبض أجر مقال أو نصّ أغنية  (لحسيبة رشدي أو فتحية خيري أو الهادي الجويني..) بمقابل عيْنيٍّ في مطعم أو حانة من الحانات المتوسطة على ضفاف بحر أبيض.

أصدر في أوت 1936 صحيفة "السرور" التي اختصّت في الأدب والنقد الهزلي، وتخيّر "الهزل" والفرح  سلاحا لمقاومة الواقع البائس. كان يمارس فرحة الحياة وعشق الزهو، رغم أنّ منتقديه يعتبرونه بائسا زنديقا. فمن هو البائس الحقيقي ياترى الناقد أم المنقود ؟.

لم يسلم من انتقادات الدوعاجي أحد،  يطلق نيران لسانه الساخط وسموم قلمه اللاذع على القريب قبل البعيد، والصديق قبل الغريب، والمتعلّم قبل الجاهل.

لم يكتف بنقد وحشية الاستعمار وممارسته التجهيلية والتفقيرية، فانبرى يشهّر بأزلامه وزبانيته من دهاقنة ومحافظين ومثقفين من فئة " بودورو" على حدّ نعت الدوعاجي.

كان يسخر من كبار رجال الدين وعلماء الزيتونة الذين نصّبوا أنفسهم حراسا للعقيدة وأولياء على الدين،  ثم  تدافع أغلبهم لحضور المؤتمر الأفخرستي للتبشير المسيحيّ في كنيسة قرطاج سنة 1930، كما كان يفضح بعض السّاسة الذين ينقدون الإقامة العامّة الفرنسية في المدينة  العتيقة وأرباضها،  ويدخلون بيت "السقارة " في الحيّ الإفرنجيّ من الباب الخلفي في جنح الظلام.

كان يستهزئ بأصحاب النياشين الذين لم يفعلوا شيئا لرفع غشاوة الجهل عن بني جنسهم ووطنهم .

ولكنّ هذا "البوهيمي" كان نصيرا لتحرير المرأة، فدافع عن الحداد وأفكاره بشراسة، وكانت برامجه الإذاعية تروّج لتحرير الأنثى وتنوير المجتمع. كان يدافع عن حرية الكلمة قولا وكتابة، فناصر زمرة الصحفيين التحرّريين.

كان يدعو أيضا إلى تجاوز الكبت بجميع أنواعه وعلى رأسها الكبت الجنسي والعقائدي والطائفي.

ولع بـ"الكاريكاتور" وريشة الرسم ومصدح الإذاعة في وقت كانت فيه الفتاوى تحرّم الجريدة والمذياع والصورة، بل حتى شرب الشاي و"القازوزة".

تخيّر" معاكسة " الاتجاه  أحيانا من أجل المشاكسة فقط، وفي الغالب دفاعا عن قناعاته. كان لا يتراجع عندما يكون مقتنعا بصواب بوصلته، ممّا كلّفه أحيانا سيرا فرديا وانفراديا، فهو يدافع عن "اللغة العامّية" وينظم الشعر الدارج رغم براعته في الفصيح، فاللغة عند الدوعاجي من دعامات الهوية القومية، واللهجة هي أساس للشخصية الوطنية والهوية الصغرى.

نظرية العنبة والعنقود :

حاول الدوعاجي طيلة مسيرته العمرية -"القصيرة " نسبيا- الدّفاع عن مكانة المبدع والفنان العضوي الذي لا يتردّد في إعلان النقد والرفض، فوسمه البعض بنعت المهمّش والحال أنّ الهامشية تخيّرها طوعا ولم تختره قسرا، فكان فاعلا لا مفعولا به، وعندها وجب تغيير نظرتنا للهامشية التي قد تصبح فلسفة تنشد طريق الخلاص بل الخلود.

كتب علي الدوعاجي عدّة قصص منها " سهرت منه اليالي"، وأقصوصات أخرى سنة 1935 ترجم فيها رحلته السياحية البحرية  إلى أزمير ونيس ونابولي،  والتي جُمعت  ونشرت سنة 1962، أي بعد وفاته بعقد ونيف، كما تمت "تلفزة" قصّته حول بلاد الطررنّي في شريط "نزهة رائقة".

وعاد النقاد (توفيق بكارمثلا) والمسرحيون (توفيق الجبالي على سبيل الذكر) والمؤرّخون (منهم خليفة شاطر) إلى مدوّنة الدوعاجي الثرية فنّا وأدبا وفكرا، بل تمّ سنة 2009 تكريم الدوعاجي رسميا والاحتفال بمائويته.

إنّ اللوم لا يتجه إلى الذين تداركوا الأمر اليوم وأعادوا للرجل اعتباره ومقداره، فهؤلاء لا يستحقّون إلا التقدير والتوقير، بل يتوجّه هذا التعزير إلى جيل الأمس، إلى زمن الماضي. لكن لا يصلح بنا منهجيا محاكمة الماضي. فلا تبقى لنا غير العبرة والموعظة، فبيننا اليوم وفي كلّ مجتمع مبدع مقهور مثل الدوعاجي والشابي والحداد وأمين وأدهم وعبد الرازق ومروّة …

كان الدوعاجي متكهّنا بمثل هذا المصير للـ"مبدعين وللفنانين في الأرض"، فقد كان صاحب قولة شهيرة بل هي نظرية :"كرم العنب وعناقيده الخاوية"، فقد قال ساخرا حول حياة الفنان :

"عاش يتمنى في عنبة            مات جابولو عنقود  

ما يسعد فنان الغلبة              إلا من تحت اللحود"

لا مطمح لفنّان الدهر القاسي والزمن الرديئ إلا في  حلم افتراضي، وحتى هذا الحلم فهو مقصور على  نيل جزء يسير من كلّ متواضع عصيّ ومنيع .

لقد أنهى الدوعاجي حياته طريحا في مستشفى الرابطة يصارع وباء السل وكانت نهايته (يوم 27 ماي 1949) نهاية أسيفة في مستشفى مجاني، ضحية لداء أصاب بعض" المنبوذين – الهامشيين" في حاضرهم  مثل الشاعر أبي القاسم الشابي أو اسماعيل ادهم  والذين تفطن المعاصرون  لنباهتم بعد أن فات الأوان .

في شكل خاتمة :

عثرتُ على طابع بريدي يحمل صورة الدوعاجي فضحكتُ كثيرا لأني تخيلته يقول عن نفسه : أخيرا " تتنبرتَ" (1)  يا "سيد علي".

هذا مثال عن هامشيّ تجذّر ونحت مكانة لم ينجح السلّ ولا الموت ولا الغبن في إزالتها.
 
هامش
:

-من اشتقاق فرنسي لكلمة "تانبر" أي الطابع البريدي و"تتنبر" في العامية التونسية يقصد بها فرض نفسه واقتلع مكانه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق