الموارنة مَن هم؟ / محمود الزيباوي

مؤسسو أول منظمة رهبانية في الكنيسة المارونية عام 1695. البطريرك الياس الحويك، رئيس الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح في حزيران 1919.

 

إعلان لبنان الكبير في أول أيلول 1920.

تحت عنوان “الموارنة، صورة تاريخية”، تعيد “دار نلسن” نشر دراسة مختصرة استقاها كمال الصليبي من محاضرتين ألقاهما عام 1969. صدرت هذه الدراسة أولاً في “ملف النهار” عام 1970، وقام المؤرخ بمراجعتها وتدقيقها قبل إعادة نشرها في طبعتها الجديدة.

 

يختزل كمال الصليبي في أقل من مئة صفحة تاريخاً يمتد على مدى أربعة عشر قرناً من الزمن، ويروي بأسلوب سلس سيرة المارونية منذ نشوئها إلى مرحلة إعلان الجمهورية اللبنانية، متوجّهاً في الدرجة الأولى إلى “الجمهور العريض”. يشكل هذا الكتاب “الصغير” خلاصة لدراسات أكاديمية مطوّلة أنجزها المؤرخ الراحل في هذا الحقل، ويُمكن اعتماده كمدخل علمي لقراءة تاريخ شائك تحوط به الكثير من المقولات التي تحتاج إلى المراجعة.

يأتي الباب الأول من البحث تحت عنوان “الطبيعة الواحدة والطبيعتان”، وفيه يختزل الكاتب السجالات اللاهوتية الشائكة التي قسّمت الكنيسة الواحدة كنائس متناحرة بين القرنين الخامس والسابع. قال البعض بطبيعة واحدة للمسيح، وقال البعض الآخر بطبيعتين، وبات لكل فريق كنيسة تنادي بإيمانها القويم. جرى هذا الانقسام في زمن الحروب المتصاعدة بين الروم والفرس، وكان شوكة في خصر الأمبراطورية البيزنطية. سعى الأمبراطور هرقل إلى حل توفيقي يجمع الفريقين، ونادى بتفسير جديد يجعل للمسيح طبيعتين يصدر عنهما فعل واحد، غير أن الفريقين رفضا هذا التفسير، و”كان من جملة الذين آثروا التمسّك بالدقة اللاهوتية في أحرج الأوقات” بطريرك القدس صفرونيوس الذي استمرّ في معاندة هرقل إلى أن تغلّب العرب على عسكر الروم في اليرموك عام 636، واضطر إلى تسليم القدس بنفسه إلى الفاتحين إثر هذه المعركة، “أمّا أجداد الموارنة، فكانوا من أنصار هرقل الذين اعترفوا بأحكام الضرورة، فآثروا الدفاع عن كيان المسيحية والسعي لإعادة وحدة الكنيسة على الدقة اللاهوتية”.

 

الماضي المجهول

لا نعرف الكثير عن الموارنة الأوائل، والثابت تاريخياً أن هذه الجماعة نشأت “كطائفة أصلاً في وادي العاصي، في بلاد حمص وحماه”، وأن نسبتها تعود إلى قديس من القرن الرابع ذاع صيته في هذه الأنحاء، وهو مار مارون. في القرن العاشر، تحدّث أبو الحسن المسعودي عن هذه الطائفة في “التنبيه والإشراف”، وقال إن مؤسسها “رجل من أهل مدينة حماة من أعمال حمص يُعرف بمارون”، و”إليه تنسب المارونية من النصارى”، “وأمرهم مشهور بالشام وغيرها، أكثرهم بجبل لبنان وسنير وحمص وأعمالها، كحماة وشيزر ومعرة النعمان”. ظهر هذا الرجل في عهد ملك الروم موريق، أي موريس الأول، أمبراطور بيزنطيا من 582 إلى 602، “وكان له دير عظيم يُعرف به شرق حماة وشيزر، ذو بنيان عظيم، حوله أكثر من ثلاثمئة صومعة فيها الرهبان، وكان فيه من آلات الذهب والفضة والجوهر شيء عظيم، فخرب هذا الدير وما حوله من الصوامع بتواتر الفتن من الأعراب وحيف السلطان، وهو يقرب من نهر الأرنط (أي العاصي)، نهر حمص وأنطاكية”.

في هذه الشهادة الاستثنائية، يخبرنا المسعودي أن لأحد الموارنة، “ويُعرف بقيس الماروني، كتاباً حسناً في التاريخ وابتداء الخليقة والأنبياء والكتب والمدن والأمم وملوك الروم وغيرهم وأخبارهم، انتهى بتصنيفه إلى خلافة المكتفي”. يؤكد العالم العباسي أنه لم ير “للمارونية في هذا المعنى كتاباً مؤلفاً غيره”، “وقد ألّف جماعة من الملكية والنسطورية واليعقوبية كتباً كثيرة ممن سلف وخلف منهم”. في الخلاصة، لم يحفظ لنا التاريخ كتاب قيس الماروني هذا، وما نعرفه عن تاريخ الموارنة مصدره مؤلفات السريان والروم أولاً، ثم الفرنجة في مرحلة الصليبيين. يكمل كمال الصليبي روايته معتمداً على هذه المصادر.”كان معظم الموارنة على الأرجح، من الفلاحين البسطاء، لم يعرهم المؤرخون المعاصرون اهتماماً، فنُسي أمرهم”. أصبح الموارنة طائفة مستقلة لها كيانها الخاص بعد ظهور الإسلام على الأرجح، واستمروا في قبول مذهب المشيئة الواحدة، “على الأقل في شكله البدائي المتشدد على الفعل الواحد، دون تحديد للمشيئة، ظناً منهم أنه المذهب الصحيح المقبول به من القسطنطينية ورومية”. في عام 680، أقرّ المجمع السادس تحريم القول بالمشيئة الواحدة، وأكّد القول بالمشيئتين، بينما “استمرّ القول بالمشيئة الواحدة بين الشعب الماروني قروناً طويلة”.

انتشر الموارنة في وادي العاصي حتى القرن العاشر. في تلك الفترة، تواصلت الحملات البيزنطية لـ”استرجاع” سوريا، ونجحت في بسط السلطة على أجزاء كبيرة منها لمدة قرن كامل. “في هذا الإثناء، اختفى الموارنة من وادي العاصي أو كادوا، ولم يبق لهم موطن خارج جبل لبنان إلاّ حلب التي لم يوفّق الروم في أخذها”. “أصبح الجزء الشمالي من جبل لبنان الموطن الأساسي للموارنة ومركز كنيستهم الدائم ابتداء بالقرن العاشر”، وقد أشار إلى ذلك الزجّال المؤرخ جبرائيل ابن القلاعي في القرن السادس عشر حيث ختم زجليّته “مديحة على جبل لبنان” بالقول إن “عهد مارون في جبل لبنان في أيامه كان ستة قرون”.

 

كالوردة بين الأشواك

دخل العالم الإسلامي في سلسلة من الحروب والفتن المتواصلة في القرون الوسطى. طرد الخلفاء الفاطميون في مصر الروم من بلاد الشام وسيطروا عليها، بعدها دخل السلاجقة العراق ثم أخرجوا الفاطميين من بلاد الشام. على الصعيد المسيحي، تصدّعت العلاقات بين كنيسة روما وكنيسة القسطنطينية، ومال الموارنة إلى تأييد روما، ظناً منهم “أنهم بتمسكهم بمذهب المشيئة الواحدة، إنما يمثلون وجهة نظر رومية التي ترفضها القسطنطينية”. انتصر السلاجقة على الروم في الأناضول، و”اضطر أباطرة القسطنطينية إلى طلب النجدة من الغرب، فلبّت كنيسة رومية النداء، ودعت الملوك وأمراء الفرنجة إلى تنظيم حملة عسكرية لنجدة ملوك الروم واستعادة الأماكن المقدسة”. انطلقت الحملات الصليبية، ودخل الفرنجة بلاد الشام، فسيطروا على إنطاكية والرها وتوجهوا نحو القدس، ووصلوا إلى عرقا، قرب طرابلس، عام 1099، “فنزل الموارنة لاستقبالهم هناك يوم عيد الفصح، في 10 نيسان، وهكذا تمّ اللقاء الأول بين الموارنة والفرنجة، فتصادق الفريقان واستمرّت علاقات الود بينهما طول مدة وجود الفرنجة في بلاد المشرق”.

أسّس الفرنجة في طرابلس كونتية “امتدت تخومها من فتوح كسروان جنوباً إلى بلاد اللاذقية شمالاً، ومن مشارف وادي العاصي شرقاً إلى البحر غرباً، فشملت معظم المناطق المارونية من جبل لبنان”. تقرّب الموارنة من كنيسة روما تدريجياً، وفي عام 1180، اجتمع رؤساؤهم، ببطريرك انطاكية اللاتيني أمريكوس، وأعلنوا قبولهم بإيمان الكنيسة الرومانية ودخولهم في طاعتها. لم تكن هذه الشراكة كاملة، إذ ظهر بين الموارنة من تمرد على الفرنجة، “فاضطر هؤلاء إلى تأديبهم بأقسى الطرق”، كما روى أشهر مؤرخي الفرنجة غليوم الصوري. انقسم الموارنة بين مؤيد للاتحاد ومعارض له، وأدى هذا الانقسام إلى اندلاع اشتباكات دامية بين الفريقين، فأوفد البابا اينوشتيوس الثالث عام 1203 قاصداً رسولياً للتوفيق بين الطرفين. في تلك الفترة الحرجة، حضر البطريرك الماروني أرميا العمشيتي إلى روما، وعاد منها حاملاً بركة خاصة من البابا ورسالة منه وقِّعت عام 1216، وتُعتبر هذه الرسالة أقدم وثيقة معروفة تتعلّق بتاريخ الطائفة المارونية ككنيسة قائمة في ذاتها.

توفّى أرميا العمشيتي عام 1230، واندلع الخلاف بين صفوف الموارنة إثر رحيله. كان أهالي جبة المنيطرة من أشد الموارنة معارضة للاتحاد مع روما، فاضطر البطاركة إلى هجرة مركزهم في دير سيدة يانوح، وتنقلوا من مكان إلى مكان حتى عام 1278. اشتدت الحركة المعارضة للاتحاد، بينما تفتتت سلطة الفرنجة في المشرق، وباتت آخر معاقلها كونتية طرابلس وبعض المدن الساحلية من مملكة القدس. عام 1268، أغار المماليك على القليعات، وخربوا الحدث وجوارها في جبة بشري، وشرعوا في التخطيط للاستيلاء على طرابلس. بلغ الانقسام الماروني ذروته في تلك الأيام، وبات للطائفة بطريرك مناصر لروما مركزه في حالات، وهو أرميا الدلمصاوي، وبطريرك آخر مناوئ لهذه الوحدة مركزه في الحدث، وهو لوقا البنهراني. أغار التركمان بأمر من المماليك على جبل لبنان عام 1283، فاجتاحوا إهدن، ثم بلغوا الحدث، وأخذوا لوقا البنهراني أسيراً. سجّل ابن عبد الظاهر كاتب سيرة السلطان قلاوون هذه الواقعة في “تشريف الأيّام والعصور بسيرة الملك المنصور”، وقال: “اتّفق أنّ في بلاد طرابلس بطركاً عتا وتجبّر واستطال وتكبّر وأخاف صاحب طرابلس وجميع الفرنجية، واستمر أمره حتى خافه كل مجاور. وتحصّن في الحدث وشمخ بأنفه، وما قدر أحد على التحيّل عليه من بين يديه ولا من خلفه. ولولا خوفه من سطوة مولانا السلطان لخرب تلك البلاد، وفعل ذلك أو كاد. فاتفق أن النواب ترصدوه مراراً فما وجدوه. فقصده التركمان في مكانه وتحيّلوا عليه حتى أمسكوه وأحضروه أسيراً وحسيراً. وكان من دعاة الكفر وطواغيهم، واستراح المسلمون منه وأمنوا شرّه. وكان إمساكه فتوحاً عظيماً، أعظم من افتتاح حصن أو قلعة، وكفى الله مكره”.

دخل المماليك طرابلس في نيسان 1289، وسيطروا في العام التالي تباعاً على جبيل وبيروت وصيدا وصور، ثم حاصروا عكا وأخرجوا منها الصليبيين، فانتهى حكم الفرنجة في بلاد الشام، وانحصر في جزيرة قبرص. قسّم المماليك بلاد الشام الجدد ست ممالك، هي دمشق، حلب، طرابلس، حماه، صفد، والكرك، فأصبحت المناطق المارونية من جبل لبنان تابعة لمملكة طرابلس. صبّ أسياد بلاد الشام الجدد غضبهم على النصيرية والإسماعيلية والشيعة الإثني عشرية في الضنية وكسروان، وخربوا كسروان لهذا الغرض عام 1305، بينما كان الموارنة في المناطق الشمالية يدفعون الجزية لنواب طرابلس. أغار فرنجة قبرص على الإسكندرية في عام 1365، ودفع النصارى المحليون ثمن هذه الغارة. قبض المماليك على البطريرك الماروني جبرائيل الحجولاوي، وساروا به إلى طرابلس، وأحرقوه عند جامع طيلان، خارج المدينة، في أول نيسان 1367. انكسرت شوكة البطريركية المارونية، وبات خلفاء جبرائيل الحجولاوي تحت رحمة دولة المماليك في طرابلس، وأصبح لمقدّمي القرى الكلمة النافذة في الطائفة، ومنهم مقدّم بشري يعقوب بن أيوب، وقد تولّى المقدّمية من عام 1382 إلى عام 1444، وخلفه فيها أولاده وأحفاده.

ثبتت الكنيسة المارونية وحدها من بين البيع الشرقية في طاعة روما، فكافأها البابا أوجينيوس، واعترف ببطريركها بطريركاً على الكرسي الانطاكي، “وكان أسلافه يثبتون البطاركة الموارنة في رئاسة طائفتهم ولا يذكرون إسما لكرسيهم”. خشي المماليك من تنامي سلطة هذه البطريركية، وخربوا مركزها في ميفوق، فانتقل البطريرك إلى دير سيدة قنوبين في جبة بشري. تقوّت الكنيسة المارونية بعناية روما، واستعاد بطاركتها بفضل هذه العناية سلطتهم الأولى، ونجحوا في تحجيم سلطة المقدّمين. عام 1515، وهي السنة الأخيرة من حكم المماليك لبلاد الشام، كتب البابا لاوون العاشر إلى البطريرك الماروني شمعون الحدثي ممتدحاً: “نشكر القدر الإلهي إذا شاء، بحلمه العظيم، أن يبقي عبيده المؤمنين، من بين الكنائس الشرقية، مصابين في وسط الكفر والبدع كالوردة بين الأشواك”.

 

شراكة جديدة

انتقل الحكم إلى العثمانيين، وأضحت بلاد الشام ثلاث ولايات، دمشق وحلب وطرابلس، وبات الموارنة في جبة بشري والبترون وجبيل والمنيطرة تابعين لولاة طرابلس، فشرعوا بالنزوح إلى كسروان والمتن والجرد والغرب والشوف، وكانت هذه المناطق تابعة لولاية دمشق. التزم الأمراء المعنيون الشوف، والتزم أجداد الارسلانيين الغرب والجرد والمتن، وكان ملتزم كسروان الأمراء العسافيون التركمان السنيون. أحاط آل عساف أنفسهم بمدبرين وأعوان من الموارنة، وأبرزهم الشيخ حبيش الذي استقرّ في غزير. شكّل آل حبيش زعامة من نوع جديد، وتحولوا وكلاء للإمارة العسافية تبعاً لعرف إقطاعي بعيد عن الشرع الإسلامي، مما أثار ممثّلي الدولة العثمانية في طرابلس ودمشق، فسعوا إلى تقويض الإمارة العسافية. حوّل الموارنة أنظارهم في اتجاه الشوف، وسعوا إلى الارتباط بالأمراء المعنيين. توطّدت هذه الشراكة في عهد فخر الدين المعني الذي أحاط نفسه بمستشارين ومدبرين من الموارنة، أسوة بالعسافيين، و”أمن الموارنة كنيسة وشعباً للأمير الدرزي وأصبحوا أنصاراً له حيثما كانوا”، بينما انقسم الدروز في هذا الشأن، فناصر القيسيون فخر الدين، وعلى رأسهم آل بحتر التنوخيون، وخاصمه اليمنيون، وعلى رأسهم أمراء الشويفات. شجّع فخر الدين الموارنة على النزوح إلى المناطق الدرزية، وازدهرت في عهده تجارة الحرير، وسطع نجم المسيحيين كما شهد اسطفان الدويهي: “وفي دولة فخر الدين ارتفع رأس النصارى، عمّروا الكنائس وركبوا الخيل بسروج ولفّوا شاشات وكرور، لبسوا طوامين وزنانير مستقطة، وحملوا القاص والبندق المجوهرة. وقدموا المرسلين من بلاد الفرنج وأخذوا السكنة في جبل لبنان. لكون غالب عسكره كانوا نصارى، وكواخيه وخدامه موارنة”.

بسط فخر الدين سلطته على الجزء الأكبر من برّ بلاد الشام، وجعل آل الخازن وكلاء على الجبة وعلى بلاد جبيل، فأضحوا الأسرة الأولى بين الموارنة. أثار تمدّد سلطة فخر الدين مناوئيه، وانتهى هذا العهد باقتياد الأمير إلى الآستانة حيث أُعدم في عام 1635. استعاد ولاة طرابلس المناطق الشمالية من جبل لبنان، واستمرّ الموارنة في النزوح من هذه المناطق إلى كسروان والمناطق الدرزية. “جدّ آل الخازن في شراء القرى والمزارع في الجرود من الشيعة، حتى سيطروا على المنطقة، ولم يبق للشيعة فيها بعد القرن الثامن عشر إلا قرى قليلة”. في المقابل، وفد إلى المناطق الدرزية عدد ضخم من الموارنة، “حتى فاقوا الدروز عدداً في معظم هذه المناطق”، وتزامن هذا التحول مع انقراض السلالة المعنية في البلاد عام 1697، وانتقال السلطة إلى الأمير بشير الشهابي، وهو من الأمراء الشهابيين السنيين في وادي التيم، وقد مات مسموماً عام 1706، فخلفه الأمير حيدر، وفي عهده برزت مشيخة آل الخازن في كسروان، ومشيخة آل حبيش في قاطع غزير، وأصبحت الإمارة الشهابية “إقطاعية بين المشايخ الدروز والموارنة يترأسها الأمير الشهابي السني كملتزم للبلاد”. استمر الشهابيون في الحكم، فخلف الأمير ملحم والده حيدر الذي تخلى عن الحكم لمصلحة أخويه منصور وأحمد، وكان له أخ يدعى علي اعتنق المسيحية، فحذا أبناؤه حذوه وتنصروا، وتبعهم غيرهم من آل شهاب، وكذلك فعل أنسباؤهم من آل أبي اللمع الدروز، أمراء المتن. وتسلم الشهابيون المتنصّرون الحكم عام 1770، فباتت الإمارة الشهابية إمارة مارونية.

نعم الموارنة بامتيازات كبيرة في تلك الحقبة من تاريخهم، وأصبح لهم، “كطائفة مسيحية، مكانة سياسية فريدة من نوعها في البلاد العثمانية، وذلك بالإضافة إلى امتيازاتهم الكنسية”، مما أقلق خصومهم الدروز. تضعضعت السلطة العثمانية، واستغلت دولة محمد علي باشا المصرية الوضع، فدخلت بلاد الشام عام 1834 بالتعاون مع الأمير بشير، غير أنها اضطرت إلى الخروج منها بعد سنوات، وتبعت هذا الخروج اصطدامات دامية بين الدروز والموارنة. وُضع جبل لبنان تحت الحكم العثماني المباشر، ثم جرى تقسيم جبل لبنان قائمقاميتين، “واحدة مسيحية تضمّ مناطق بشرّي والكورة والبترون وجبيل وكسروان والمتن، والثانية درزية تضم مناطق الجرد والغرب والشوف”. نقم الموارنة على هذا الترتيب، وتأزمت العلاقة بينهم وبين الدروز، مما أدى إلى حرب 1860، وفيها “باغت الدروز المسيحيين المقيمين في مناطقهم، فانقضّوا عليهم بالتعاون مع الحاميات العثمانية وأهلكوا منهم أعدادا كبيرة”.

 

الحلم اللبناني

أفسحت هذه الكارثة المجال أمام فرنسا للتدخل، وأدت المحادثات إلى قيام كيان ممتاز للبنان يرأسه “متصرف مسيحي غير لبناني يعيّنه السلطان من بين رعاياه الكاثوليكيين”. هكذا “نشأت الفكرة اللبنانية وترعرعت في كنف عصبية الموارنة. فغدت الكنيسة المارونية القوام الأساسي لهذه الفكرة والمؤسسة المجسّدة لها في غياب دولة لبنانية تقوم بهذه المهمة”. مع دخولهم الحرب العالمية الأولى إلى جانب الألمان، ألغى العثمانيون المتصرفية، كما ألغوا امتيازات الكنيسة المارونية، غير أن هذا الأمر لم يستمرّ طويلاً. خسرت ألمانيا الحرب، وخسرت معها الدولة العثمانية. حققت فرنسا حلم الموارنة في أول أيلول 1920 حيث تمّ “إعلان دولة لبنان الكبير بالحدود الحاضرة كدولة مستقلة تحت الانتداب الفرنسي”، وتم بعدها إقرار الدستور، “فقامت هذه الجمهورية تجسّد الفكرة التي نادى بها الموارنة منذ عهد المتصرفية”. استقلت الدولة الناشئة عن فرنسا عام 1943، و”تسلّم الموارنة دفة الحكم في الجمهورية التي كان لهم الدور الأساسي في خلقها”. “والجمهورية اللبنانية التي تجمع اليوم بين اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم تستمرّ، عن وعي، في حمل الرسالة التي حملها الموارنة في الماضي تلقائيا، وقد تأتي ظروف بعد تسمح للبنانيين بأن ينقلوا هذه الرسالة إلى غيرهم”.

ختم كمال الصليبي دراسته منذ أربعة عقود بهذه الكلمات، ولا يملك القارئ إلا أن يسأل نفسه اليوم: ماذا فعل الموارنة بهذه الرسالة خلال هذه العقود، وماذا يبقى من هذه الجمهورية “التي تجمع اليوم بين اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم”؟

 

عن ملحق النهار الثقافي 8/10/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق