المواطنة هي الحل / خالد الخاجة

المتأمل لواقع المشهد الراهن لبعض البلدان العربية، يصاب بوقائع تجعل الحليم حيرانا! سواء كان ذلك في السودان من جانب أو اليمن من جانب آخر، ناهيك عما يحدث في الصومال والذي اختلط فيه الحابل بالنابل وضاعت ملامح الصورة عند أكثر المدققين.

ومصدر الدهشة والانزعاج في الوقت ذاته، أنه ليست هناك مصلحة لأي طرف من الأطراف المشاركة في هذه النزاعات المفتعلة، والتي لا تخلو من أجندة خارجية حريصة على استمرارها، لكي تظل الشعوب العربية في حالة نزف مستمر يحول بينها وبين التوجه إلى بناء مجتمعاتها، بذريعة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

وأضرب مثلا بالسودان الذي لا يلبث أن يلتئم له جرح حتى تجده يعاني من آخر، ومن أشدها شبح الانفصال بين شماله وجنوبه، الذي هو بعيد عن أي منطق حتى منطق المكسب والخسارة.

فالعلاقة بين الشمال والجنوب شديدة التشابك والتعقيد، حيث يوجد ما يزيد على مليوني جنوبي مستقرون في الشمال بأسرهم وأعمالهم، وكذلك جماعات شمالية لها تواجد وتأثير كبير في جنوبه، فضلا عن أن الجنوب في حالة انفصاله لن يتحول إلى دولة حقيقية لأنه لا يملك مقوماتها، وسيتحول الصراع إلى جنوبي ـ جنوبي.

والقياس على ذلك صحيح في اليمن، الذي لم يعد سعيدا ولبس ثوب الحزن ونحن معه، على ذاك الدم وتلك القدرات المهدرة التي كان من الأولى أن تنفق على البناء بدلا من الآلة العسكرية.

والخطورة أننا أحيانا يستغرقنا توصيف الأوضاع، دون وضع خارطة طريق للخروج من هذا الواقع المأزوم، الذي لم ولن يحل عن طريق الحسم العسكري مهما طال، وستكون النتيجة لا غالب ولا مغلوب.

إن أولى وأهم ملامح طريق الخروج من هذه الأزمات والعديد غيرها في عالمنا العربي، يتمثل في ترسيخ مفهوم المواطنة، للخروج من عباءة الولاءات الفرعية إلى الولاء الأكبر وهو الولاء للوطن، والذي يمثل حجر الأساس في مشروع نهضة أي دولة، وكثير مما يعانيه بعض البلدان العربية، يعود في جانب كبير منه إلى غياب مبدأ المواطنة.

ولا يعني ذلك أن تفرض رابطة المواطنة بمنطق القوة، ولكن بقوة المنطق. فالأولى تعتمد على القهر والقسر، والثانية طوعية أساسها الاختيار الحر والتعايش السلمي بين أطياف المجتمع، والذي يقوم على مبدأ توافق الجماعة الاجتماعية على أساس من الشراكة في إدارة شؤون الوطن، وإن اختلفت الخصوصية الثقافية لبعض مكوناته.

بل إن هذه الاختلافات تجب مراعاتها وترك مساحة لها من حرية الحركة، فالتجارب التاريخية تدلل على أن انتهاك الخصوصية للجماعات الفرعية المكونة للمجتمع، لصالح الإطار العام، تنتج مواطنة مأزومة وناقصة ومنعزلة نفسيا وشعوريا، بل ومتربصة للانقضاض على المشروع العام للدولة.

فالمفهوم الحقيقي للمواطنة أساسه الاحتواء، لا الإقصاء والتهميش، حتى وإن اختلف الرأي والدين والعرق واللون، بحيث تصبح للفرد عضوية كاملة في مجتمعة وما يرتبط بها من حقوق مدنية وسياسية غير قابلة للتصرف.

وتصبح المصلحة العامة للوطن هي المحدد لحركة المواطنين، بعيدا عن المصالح الفردية، فيحدث الاندماج الوطني. عندئذ يصبح القانون هو الفيصل والحكم، وهو الفارض للنظام والمحدد للعلاقات بين أطياف المجتمع وشرائحه.

وهنا يجب ألا نغفل دور الإعلام الحر، كونه الحامل للعملية الاجتماعية، بل إن حرية الإعلام تعتبر جزءاً أصيلا من حق المواطن في الحصول على معلومات كاملة وموثقة.

مما يقلل من نشر المعلومات المغلوطة والتي من شأنها تكدير السلم المجتمعي. ومن الأهمية بمكان عرض مختلف التوجهات بحياد ومهنية، فهي الضمانة الحقيقية للاستقرار والوصول إلى نقاط التلاقي، مع التماس الأعذار لأوجه الاختلاف.

عن جريدة البيان 2/3/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق