الموت في قلب الاجتماع سبيل أمثل الى توحيده ونفي السياسة منه / وضاح شرارة

كانت مأثرة محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني السابق واللاحق، الأولى حين انتُخب رئيساً، في 2005، على إيران، وخرج من إغفال رئاسة بلدية طهران وتنكيرها، وفاز على علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الرئيس السابق الأشهر والمشير على روح الله خميني، المرشد والقائد الأعلى للقوات المسلحة، بقبول وقف القتال على الحدود الغربية الجنوبية مع العراق بعد 8 أعوام من النزف ومقتل 400 الى 600 ألف ايراني ـ كانت مأثرته الأولى تسمية نحو 4700 ساحة عامة من ساحات مدن إيران وبلداتها وقراها بأسماء مقاتلين من الحرس الثوري سقطوا في اثناء القتال على الجبهات الإيرانية ـ العراقية الكثيرة والطويلة والمتحركة. فأمر الرئيس الحرسي، والمخطط المُدُني ـ ووارث كرباسجي، رئيس البلدية السابق وأحد وجوه «مهندسي البناء» أو «البنائين»، ومستشار حملة مهدي كروبي المرشح الى رئاسة الجمهورية في حزيران 2009 منافساً أحمدي نجاد مرة ثانية الى «يسار» مير حسين موسوي ـ برفع أسماء زملائه القدامى الذين أبلوا بلاء لم يبله هو، على قول بعض ألسنة الشك والنميمة.

[الجبانات أصولاً

ولا يستقيم اسم شاهد إمامي، توكل إليه الشهادة على قوة الغيب، وعلى غشيانها عالم الأحياء والحضور، من غير «رسمه»، على ما كان العشاق الأولاد يقولون حين إهدائهم صورتهم الشمسية أو الفوتوغرافية الى معشوقهم (أو معشوقتهم وحبيبتهم). فأمر صاحب الثورة الإسلامية «الثانية»، وهو يريد الإيرانية الشيعية والحرسية، بنصب الصور، وعلى معظمها الغالب وجوه فتيان وشبان لم يبلغوا العشرين ملونة بالأخضر الأزرق أو الأزرق الأخضر، بأعلى محل من الساحات. فوسع الوجوه الفتية، الملتحية لحية خفيفة، والعيون الشاخصة الى أفق بعيد يعشي بعدُه النظر ويرده حاسراً وقلقاً، وسعها رعاية الساحات، ومن ورائها مدنها وبلداتها، وناسها وأهلها في رواحهم وغدوهم، وفي عمل نهارهم وليلهم. فالحرسي في حياته لم ينفك حرسياً في مماته، وانتظاره امتلاء الدنيا عدلاً بعد ان ملئت جوراً تحت لواء مهديه. والرئيس أحمدي نجاد، المنتسب اسماً الى العترة النبوية (فهو صار «أحمدياً»، بعد ان كان حمل اسماً «أرمنياً»، ونجاده، أي حمائل سيفه على عاتقه يقاتل به دون اهل «بيته»، والإنجاد هو القرب من الأهل)، حسب منذ ما قبل انتخابه رئيساً، وانتصاره المدوي على بعض أعيان «مناصب» الجمهورية بحول المرشد وعونه، أنه مدعو وربما مبعوث الى هداية الأمة الحائرة، على قول ابن ميمون (الموسوي القرطبي)، والقلقة (على قول عبدالحسين شرف الدين، الموسوي الحسيني والصوري).

وبعث أسماء من قضوا في قتال الظلم ونواصبه، ورسومهم وظلالهم، جزء من ولاية اهل الحق هؤلاء على أهل الضلال. فالبعث الإسمي والرسمي هذا يلحق مجتمع الأحياء والحضور والشهود والسعي بـ «مدينة» أهل الغيبة والعلم، ويجعلهم في رعايتهم. ويحقق هذا تبعية الحاضر الشاهد، ودنياه المتفرقة والمبعثرة أجزاء وأبعاضاً، للغائب المستتر والمحتجب، الواحد والمجتمع. فإذا اقتصرت دنيا الحاضر الشاهد على الالتحاق ضاحيةً ضئيلة بدنيا الغيبة، وأنكر أهل الحاضر الشاهد المراتب الظاهرة، وطعنوا في ثباتها (أو «ثابتها»، على قول بعض اصحاب التحول المبدع) وصدقها، فربما آذن ذلك بدنو الفرج من سلطان الظاهر ومراتبه الظالمة والمميتة. وعلياءُ الشهداء المقاتلين على المدن والبلاد والساحات، وضحكُ الموت في شفتيهم ضحكاً أقرب الى لوعة الحزن، ورعايتهم من حيث هم اهلهم وهدايتهم الى الحق، قد تشبِّه هذه إلحاق المدينة بمقبرة أمواتها أو جبانتها، على القول العربي العامي والفصيح السابق. وهذا، أي قيام مدن البشر الأحياء ضواحيَ على حدة من جباناتها، وانتصاب الجبانات أصولاً، ليس مما ينكره الرجل ومن يعتقدون ما يعتقد.

وفي بعض أحاديث يرويها المحدثون عن كبار اصحابهم، واهل هدايتهم، ويرفعونها الى النبي، حديث «الأمة العالمة»، أو حديث مدينة السد، على ما يسميها كبير محدثي الإمامية وشيخهم «الصدوق»، ابن بابويه القمي (ت في 381هـ/ 991م). والأمة العالمة هذه، من قوم موسى على قول المحدث، هي نهاية مطاف ذي القرنين (الاسكندر من غير شك) بالأرض. والفاتح المعروف يزدوج في الرواية الإمامية ـ ولياً وحجةً على العباد والخلق. وترفع الرواية شأن الفاتح العظيم فتقول انه «من يُجري الله على سنته القائمَ (المهدي المنتظر) من ولد (النبي)، فيبلِّغه شرق الأرض وغربها حتى لا يبقي منهلاً ولا موضعاً منها، من سهل أو جبل، وطئه ذو القرنين، إلا وطئه (المهدي)، ويُظهر الله له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب، ويملأ به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً» (ص 374 من مصنف أبن بابويه: «إكمال الدين وإتمام النعمة في إثبات الرجعة»، النجف، 1970).

فإذا بلغ الفاتح اليوناني ـ وروايته أو قصصه انتشرت في ربوع المشرق الهلنستي، ثم الروماني فالبيزنطي فالعربي، منذ القرن الثالث الميلادي، واشتهرت شهرة «قصة عنتر» أو «قصة سيف بن ذي يزن» ـ نهاية مطافه بالأرض، وبلغ تخومها المرئية والمعروفة، وحاذى عتبة غيبها، «وجد أمة مقسطة عادلة». وآية قسطها وعدلها انهم، الأمة أي ناسها، «يقسمون بالسوية ويحكمون بالعدل»، حرفياً ومن غير تأويل باطن ولا ظاهر. وهم «يتواسون ويتراحمون، حالهم واحدة، وكلمتهم واحدة». وهذا، أي وحدة الحال ووحدة الكلمة (أو الرأي والسياسة، توسعاً) وموافقة الكلمة الحال، نادر وقليل، وعز كثيراً في القرن الرابع للهجرة. وهو قرنُ تخلّعِ الخلافة العباسية ممالكَ محلية ومذهبية لا تحصى، وفي الممالك هذه ثلاث شيعية إمامية (البويهية والحمدانية والعبيدية الفاطمية) على نحو أو آخر.

فما السر الخفي والمؤكد في الوحدتين المعجزتين؟ لا تلبث الرواية، وهي حديث من أحاديث الأئمة المتناقلة، أن تكشف الغطاء، فتقول من غير مقدمات: «قبور موتاهم (أو جبانتهم، على ما مر) في أفنيتهم، وعلى أبواب دورهم وبيوتهم». فسكنهم، أي سكن أحيائهم وأمواتهم، واحد كذلك. وعلى هذه المقدمة، أو الشرط، تتوالى حلقات الوصف والتقرير. وهي حلقات كناية يتوالد أو يتناسل بعضها من بعض. وتقوم الحلقة منها من الحلقة التالية مقام المقدمة والشرط. فمن هذه حال موتاهم وأحيائهم «ليس لبيوتهم أبواب». والباب قرينة على الحاجز والحِدَةِ والفرق أو الافتراق، وأمارة على المرتبة. وعليه، «ليس عليهم أمراء» يعلونهم بالأمر والقوة والسيف. «وليس بينهم قضاة»، يقضون في خلافاتهم ومظالمهم بالحكومة والسنن والشرع.

ومن هذا شأنهم وحالهم «ليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف»، بديهة. فهذه كلها طبقات وفروق. وهم واحد، على أنحاء الواحد ووجوه الوحدة كلها. فبإزاء الموت، «المسوِّي الأعظم» على قول أحدهم فيه، ولكن على معنى ديني قديم، لا ينهض فرق ولا يستوي. فالناس سواسية، والكون والفساد قانون للاستثناء. فـ «لا يتفاضلون ولا يختلفون، ولا يتنازعون، ولا يَسْبون، ولا يقتلون، ولا تصيبهم الآفات. فهم اجتماع لا يتماسك بالسياسة، ومراتبها وتفاضلها ودولها وحواجزها وقضائها، بل من طريق نصبه الموت في وسطه، وبمحل الركن منه. ويخال المرء أهل هذا الاجتماع موتى في انتظار سكنى القبور، بجوار بيوتهم ودورهم، لولا تعمدهم ما يفعلون. والتعمد ليس في مقدور الموتى. وإذا سألهم ذو القرنين، وهو المتخفف من عالم نقيض عالمهم حرفاً بحرف، لماذا قبور موتاهم في أفنية بيوتهم، أجابوا: «فعلنا ذلك عمداً لئلا ننسى الموت…»، ولئلا ينسوا الموتى، من غير شك. فإذا ذو القرنين إرهاص بالإمام الثاني عشر، والقائم من آل محمد، وصاحب الزمان، ومهدي هذه الأمة، فالأمة العالمة إرهاص بشيعته المقيمة على انتظاره.

ولا يشك محمود أحمدي نجاد، ولا وليه الفقيه (عالم عصره الأول) وإخوته الحرسيون والشرطيون من الباسيج، وأنصارهم، في أنه (انهم) وارث (وارثو) المدينة الفاضلة هذه، ويتحدرون من اصلاب أهلها. وهو وهم مقيمون على انتظار ظهور مالئ الدنيا عدلاً، ربما غداة استيلاء من دوخها فتحاً ورعباً، على ما ينبه المحدث. وأنا لم أقرأ أقوال محمود أحمدي نجاد، الحجتي (من انصار الحجتية المهدية)، في ظهور المهدي، وفي محله هو من الظهور أو الخروج هذا. ولكن بعض أفعال الرجل وأقواله، والحق يقال: كثيراً من الأفعال والأقوال هذه، يحمل على القطع بأن بينه وبين صاحب الزمان، على ما لا يشك هو ولا يرتاب، سبباً وقرابة.

[من الأمة العالمة الى الأمة الجاهلة

وقد تكون صور الحرسيين وأسماؤهم على جدران الساحات الكثيرة، وفي أعاليها، صدى من أصداء الأمة العالمة، وتعمدها ذكرى موتاها، ونصبها إياهم ميزاناً ومثالاً، ونفيها السياسة ومراتبها وقضاءها ومشاغلها الدنيوية والعالمية من اجتماعها، واستباقها عدل الإمام العادل وتراحم مدينته ووحدة حالها وكلمتها. وهذا ما اقتبسته الأحزاب الخمينية من الحزب الأول والأم. وهو لا يعدو استنتاج عاشوراء الحسين وكربلاءه نتائج معنوية وصورية وشعائرية تترتب عليها من غير وساطة ولا إعمال فكر. والموتى الموسدون القبور في أفنية البيوت هم «أهل البيت» حقاً، أو هم شيعتهم التي ينتسب أهل المدينة العالمة إليهم، ويتحدرون من اصلابهم. وحفظ ذكر «أهل البيت» وإحياؤه لا ينفك من التدين الإمامي. ومجالس الذكر والتعزية ركن من أركان هذا التدين. ويفوق إحياء المجالس، في أوساط العامة والجمهور، مكانة ومقاماً ما يصرح به أهل «العلم»، وما يقولونه على رؤوس الأشهاد أو يكتبونه. وشيعة «أهل البيت»، شأن هؤلاء أنفسهم، قتلوا مظلومين، على ما لا يشك الشيعة. ويعزو حديث الأمة العالمة الظلم المفضي الى القتل، الى نسيان الموت والموتى، وإلى إنكار الغيبة والغياب أو الغفلة عنهما. وعلى خلاف النسيان والإنكار، يُسلم التذكر الى وحدة من غير منازعة ولا فرق، وربما من غير حياة ولا عالم. فذو القرنين لا يبلغ مدينة الشيعة الإمامية الفاضلة، المقيمة على حضانة قبور سلفها، والمرهصة بعدل مهديها وقسطه، إلا بعد بلوغه ذروة السلطان، وفتحه معظم الأرض المعمورة، واستيلائه عليه. والمدينة الفاضلة الإمامية لا تجوز إلا بعد طيّ التاريخ والاجتماع البشريين، على الصورة التي عرف التاريخ والاجتماع عليها الى اليوم، وإلى قيام الساعة من غير ريب.

والعودة الى التاريخ والاجتماع، أو خروج أهل الأمة العالمة الى ممالك ذي القرنين، والنزول بين أظهرها بعد ان خلفها «الرجل الصالح» خراباً ويباباً، وأرض حرب وقتال ومنازعة ومفاضلة وسعي مرير في الحياة وزينتها، من منازعة ومفاضلة وتفرق ونسيان الموت والموتى، هو ما تهجم عليه الأمة الإمامية (الإيرانية)، وتقتحمه غير هيابة ولا مترددة، وتزعم لنفسها القوة على «مقاومته»، ثم على «إصلاحه» من طريق التمثل بها والسير على نهجها، على ما لا ينفك الرئيس المستأنَف الرئاسة يقول ويدعو (فقال في يوم الصناعة والتعدين ان القوى الغربية شككت في الانتخابات الإيرانية الرئاسية «لتصرف الأنظار عن مشكلاتها الاقتصادية». وكان ذهب، حين انفجرت الأزمة المصرفية، في ايلول 2008، الى ان على بلاد العالم الاقتداء بإيران، وبناء اقتصاد سليم على مثال اقتصادها. وهو يعزو «تدخل» الدول الغربية في شؤون ايران الداخلية الى إقبال الإيرانيين على انتخاباتهم، وإحجام الناخبين الغربيين عن الاقتراع. ومثل هذا كثير).

وعودة الأمة العالمة والفاضلة الى المدينة الجاهلة والمنافقة تقتضي احتفاظ الأمة بركنها، ورعايتها هذا الركن، وهو مكانة الموت والموتى من اجتماعها، ومن نظامه وعقده. ومرتبة الشهداء، وحملهم على باب «الشهداء الأحياء»، وتصدرهم المراتب، بعد جمعهم هم ومن «ينتظرون» الشهادة في أجسام أو أسلاك قتالية وإدارية واقتصادية بيروقراطية، ليست زخرفة خطابية وحسب. والصدور عن أمة الشهداء وجبانتهم، على ما يزعم أهل الولاية، يرسي سلطان من يسعهم الصدور هذا واتخذوه عملاً وحرفة وحالاً، على ركن مكين، ويكاد لا ينازع. وهو لا ينازع حقيقة وفعلاً ما لم تحمل أصول الثورة الإيرانية في 1978 ـ 1979، وفصولها على المسألة والمنازعة والخلاف، أي على نقيض حال الأمة العالمة و «علمها» المفترض. فتذكر الموت والموتى، ونصبه مبنى الاجتماع وركنه ومحوره، واتقاء الحياة وصروفها ومصائرها بواسطة التذكر هذا ومن طريقه، إنما الغاية منه (ومنها) نفي السياسة، وتطهير الاجتماع منها، ومن منازعاتها وإعمال الرأي والتدبير في شؤونها.

والحق ان التشيع الإمامي لا يتستر على معنى قوله بالإمامة والوصاية والاصطفاء وحفظ الميثاق وتواصل الذرية بعضها في بعض، وبكنيتها، وتجريدها من الاختيار. فينسب المحدثون الإماميون الى بعض الأئمة ما يسمونه تأويلاً للآيات القرآنية بالموازنة. فالآية (إني خالق بشراً من طين…) هي ميزان الآية (… إني جاعل في الأرض خليفة). ويخلص المفسر من نصب وتنوين «بشراً» و «خليفة» بصيغة اسم الفاعل الإلهي الواحد الى أن من «ادعى انه يختار الإمام (الخليفة) وجب ان يخلق بشراً من طين» (ابن بابويه، ص 211 ـ 121 وص9). وعندما قال يزدي، «شيخ» محمود أحمدي نجاد وصاحب تقليده وفتواه وعضو مجلس خبراء الدستور، ان الانتخاب الى الولايات والأعمال والرئاسات بدعة، وقال احمد خاتمي أحد خطباء الجمعة بطهران ان علي خامنئي «يحكم بموجب إرادة إلهية» ويحل قتل من يخالفه و «يتحداه»، فهما لم يتعديا ولا تجاوزا الاحتجاج الإمامي وتأويله بالموازنة.

[الخروج

وتخليص الإمامة أو الولاية، وفروعها من الأعمال والرئاسات والتدبير، من الاختيار والرأي والاقتراع ـ ما لم يكن الاقتراع مبايعة تزكي ميل الولي (العالم) الى «أحد المرشحين، رئيس جمهوريتنا الخدوم والكادح والدؤوب المعتمَد»، على قول خامنئي في أحمدي نجاد ـ مراد الإمامية منه تخليص «الأمة» من المنازعة والسياسة وأهوائها ومسارحها. وإذا استحال على «الأمة» ان تتماسك بجبانة موتاها، واستضافة تذكر الموت في مباني الاجتماع وأركانه وعلاقاته، على حدةٍ من صخب العالم وفتنته وأهوائه، فقد يجب عليها اقتحام العالم هذا، وانتهاج سياسة ذي القرنين فيه وسنته قبل «صلاحه»، ونزوله مدينة السد بمنأى من ياجوج وماجوج. ولكن يبقى من مثال الأمة العالمة، وصفاتها وفقهها، أمران: الأول ولاية الموت والغيب وهيمنتها عليها، والثاني استئصال الخلاف والمنازعة والسياسة منها بواسطة الموتى وتسويتهم البشر الأحياء بعضهم ببعض. فعلى الأمة العالمة، والحال هذه، ان تخرج من مدينتها وحِدَتها واعتزالها، وتشن حرباً «عالمية» أو «كونية»، على قول أجدادنا الأقربين، على المدائن الطاغوتية والجاهلة. والخروج، على ما سمى الإخباريون حركات التمرد والانتفاض على السلطان، باب من أبواب تاريخ التشيع الإمامي لازم هذا التاريخ، وقام منه مقام قبلته و «فكرته الناظمة»، على قول فيلسوف تروتسكي في الثورة (ولعل مديح ميشال فوكو «روحانية» الخروج الإيراني الشعبي «السياسية»، تحت لواء خميني، مرده الى اعتراض الخروج سلسلة الأسباب والنتائج القاهرة، وتجويزه الحادثة حيث لا يؤذن بها نذير ولا بشير).

والخروج الأعظم هو «مجيء» القائم أو ظهوره. فإذا كانت سكينة القبور مثال السلم (الامبراطوري، «الاسكندري»، على قول بعضهم في «السلم السوفياتي» الذي استظل صواريخ إس إس ـ20 في أوائل الثمانينات الأوروبية)، فالحرب العامة هي آية «نهاية الزمان» المهدوية والمزلزلة. ففي بعض الأثر ان من آيات نهاية الزمان، ومجيء المهدي، «حصار الكوفة بالرصد والخندق، وتخزيق الزوايا في سكك (المدينة)، وتعطيل المساجد أربعين ليلة، ويسبى من الكوفة سبعون ألف بكر، وتقبل من شرق الأرض رايات غير معلمة يسوقها رجل من آل محمد عليه السلام، يسير الرعب امامها شهراً حتى ينزلوا الكوفة مطالبين بدم آبائهم». والكوفة هذه، على رواية أحد اصحاب اخبارها حسين احمد البراقي النجفي، انقلبت من أم الأمصار العربية الى مدينة مقابر. وحين مر بها ابن جبير، ثم ابن بطوطة، في القرنين الثاني عشر للميلاد والرابع عشر، وقعا على «الخراب (الذي) استولى عليها بسبب ايدي العدوان التي امتدت إليها، وفسادها، من عرب خفاجة المجاورين لها، فإنهم يقطعون طريقها، ولا سور عليها» (على قول ابن بطوطة في 1324م). وهي تدين بانبعاثها في إهاب مدينة أخرى قريبة هي النجف الى القبور التي وارت اجداث بعض «أهل البيت» وصحابتهم من امثال عروة بن هانئ وعبدالله بن الحسن المثلث ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط ومسلم بن عقيل ومحمد بن ابراهيم طباطبا وابراهيم أحمر العين بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى والحسين بن موسى الكاظم وعبدالله بن الحسن المكفوف بن الحسن الأفطس والعباس بن الحسن المثلث، الى اصحاب «القبور الخمسة»: «وهو عَلَم لا يخفى»، على قول البراقي النجفي. فكان بناء محمد مهدي بحر العلوم النجفي، في أواخر القرن التاسع عشر، «العلامات والمحاريب»، في «المقامات الشريفة»، إيذاناً بانبعاث مدينة الموتى والجبانات من خرابها في انتظار حصارها بـ «الرعب»، وانتصار القائم به، على نحو ما نَصَرَ الله بالرعب ذا القرنين من قبل.

وآية الرعب الزلزلة، وكانت هذه مكتوبة على جدران المدن اللبنانية القريبة من البلاد التي احتلتها قوات الدولة العبرية، وتشن منها غاراتها على «المناطق المحررة»، وعلى المقاتلين المحتمين بأهل المناطق هذه ومرافقها. فلم يخل جدار على طريق عام من طريق صور، في الثمانينات، أو طرق بعلبك أو ضواحي الشياح وبير العبد وحارة حريك وبرج البراجنة، من توليف الآية الأولى من سورة الحج: (يأيها الناس… إن زلزلة الساعة شيء عظيم). وتركُ (اتقوا ربكم) من الآية يراد به تعظيم أثر الزلزلة في النفوس، وسد ملاذ التقوى وذريعتها على الأثر المخيف. وفي أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية الطويلة (1980ـ 1988)، وهي حرب وصفها الإيرانيون بـ «المفروضة» عليهم والباغية ولكنهم لم يتركوا وسيلة من وسائل إطالتها بعد 1982 إلا توسلوا بها، صورت الدعاوة الخمينية وقائع الحرب في صورة الزلزلة الأخيرة. والزلزلة هي قرين الرؤيا اليوحناوية والغنوصية. فحين فتح الختمان السادس والسابع من «الكتاب المكتوب من داخل»، بين يدي الجالس على العرش، «إذا بزلزلة عظيمة وقد اسودت الشمس كمِسْح الشعر، والقمر كله صار مثل الدم». و «حدثت رعود وأصوات وبروق وزلزلة»، و «حدث برد ونار يخالطهما دم وأُلقيا على الأرض فاحترق ثلث الأرض، واحترق ثلث الشجر، وكل عشب أخضر احترق».

[تذكر الرعب

والرعد والزلزال والشهاب والأبابيل هي من اسماء الصواريخ الإيرانية. وحلت الأسماء هذه محل اسماء تقتصر على اصطلاح مجرد وعار من الإيحاءات والظلال القصصية العاصفة، مثل «سكود» أو «إس إس». وتضطلع الأسماء في عالم الرؤى، والرؤيا المفردة، بدور قصصي شعبي قد يتجاوز الدور العملي الوظيفي، أو يتضافر معه على الانتصار بالرعب، ومن طريق الرعب. ولم «يسلم» العدو من عدوى القصص الإيراني الإمامي. ففي تقرير عسكري استخباري نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية (ونقلته بعض الصحف العربية عن نشرة «المصدر» الفلسطينية في 4 تموز)، أن «حزب الله» استخلص دروس حرب تموز 2006، وأعد نفسه، ويعدها، الى «يوم الحساب»، على قول الصحيفة التقريري، وليس المجازي. ويصف التقرير، المفترض تقريراً وصفياً، أحوال الحزب المقاتل على نحو ما يرغب الحزب نفسه في وصف أحواله، وعلى نحو ما يرى الى نفسه في مرآة قصصية ولغوية ملحمية. فأنصاره «في كل مكان»، واستخباراته لا تخفاها واردة ولا شاردة. ولكن الحال هذه تبدو عامة ومجردة، ولا تقع تحت الحواس. والتمثيل على الخفاء والغيب عسير، على ما تعرف الديانات كلها. فيشخص التقرير مكافئ «في كل مكان» وصنوه الحسي والمخيف تشخيصاً سالباً. فيقول: «أنصار (الحزب) لا يروحون ويجيئون شاهري السلاح، وملطخي الوجوه بالشحن الأسود». فإذا هم لا يظهرون بمكان معروف، وإذا هم غير معلمين (أو شاهرين علاماتهم)، فما ذلك إلا ظاهر مخادع وغفل يلبسه باطن مخيف.

والقناع الغفل هذا لا يحول بين التقرير وبين إحصاء ما لا سبيل الى إحصائه، وإلى العلم به. والإحصاء ـ شأنه في عبارة: أحصى عليه أنفاسه ـ علم إلهي أو علم علاّم الغيوب من طريق جيوش الملائكة والجن والحن وأشباههم وأصنافهم. ولا يدعو هذا كاتب أو كتاب التقرير إلى الإحجام عن التخمين. فيقطع، غير متردد، بأن عدد مقاتلي الحزب الخميني المسلح المدربين والمجهزين يبلغ الثمانية آلاف مقاتل. وكانت الاستخبارات الإسرائيلية زعمت في اثناء حرب صيف 2006 التي أخذتها على غرة منها وخاضتها على غير بصيرة، أن عدد المقاتلين هو نحو 2500، وأنها قتلت نحو ربع العدد هذا في الحرب التي دامت نيفاً وشهراً. وينشر التقدير الاستخباري، وهو ركن معالجة عملية أو عملانية عسكرية محتملة، الآلاف الثمانية في ما لا يقل عن 500 موقع. فهو يزعم ان الجماعة المقاتلة من 15 مقاتلاً مدرباً. وهؤلاء «وحدة دفاعية قائمة برأسها، وتستقل بقيادتها وهيكليتها وسلاح هندستها وسلاحها المضاد للطيران ومكامنها وخطط انتشارها رداً على احتدام المعركة». فإذا قسم الآلاف الثمانية على 15 مقاتلاً، وسع الوحدات المفترضة ان تبث مقاتليها وسلاحها في نواحي لبنان كلها من غير استثناء. وبعض الوحدات هذه ينتشر جنوب الليطاني، حيث يحظر عليه القرار 1701 الانتشار، وبعضها أو كثرتها ينتشر شمال الليطاني. و«الشمال» هذا عريض وعميق. فهو يشمل بيروت كلها، والبقاع على امتداده، وما بين الليطاني وبين بيروت. والصواريخ الشمالية أثقل من الجنوبية، وأدق إصابة، وأخفى على عين العدو ورصده، فغشيان جماعات المقاتلين القليلة العدد، والمستقلة بقيادتها الميدانية وعتادها، الأرض والبلاد والناس، هو رد حزبهم على عمليات برية، عريضة والتفافية، يتوقع الحزب ان تقوم بها القوات الإسرائيلية، وتنفذها فرق كثيرة، في جولة آتية. ويخطط الانتشار الحزب اللهي المزمع لتفادي إنزال العمليات البرية، على خلاف الحرب الجوية السابقة، الشلل في القصف الصاروخي، سلاح الحزب العسكري الأمضى. فإذا شاغلت القوات البرية المهاجمة بعض الوحدات بجنوب الليطاني، واضطرتها الى الاشتباك وترك القصف، لم يقيد هذا الوحدات الأخرى، ولم يحل بينها وبين المضي على القصف. ولعل بيت القصيد في الخطة الني ينسبها التقرير الإسرائيلي الى الحزب الخميني المقاتل هو إنشاء طاقة تمكنه من «إطلاق الف صاروخ في اليوم الواحد على إسرائيل طوال 60 يوماً من غير انقطاع». والقياس هو على أربعة آلاف صاروخ أطلقت قبل 3 أعوام في أثناء 33 يوماً دامتها العمليات القتالية.

ويجر القياس الى قياس صنوه ونظيره: ففي أيام الحرب الميمونة السابقة، والمقيدة برغبة أميركية وأوروبية في حماية تماسك الدولة أو الحكومة اللبنانية بإزاء «معارضتها» المسلحة والمغامرة، أنزلت القوات الإسرائيلية بلبنان واللبنانيين خسائر بشرية ومادية وسياسية واجتماعية لم يعوض معظمها، غداة انقضاء 3 أعوام عليها. والخسائر السياسية والاجتماعية الى البشرية، الى تفاقم وتعاظم. وهي تنيخ بأثقالها وسلاسلها وكراهيتها ومرارتها على حياتنا اليومية، وعلى علاقاتنا بعضنا ببعض، والواحد بغيره وبنفسه، والحاضر بالماضي والآتي. وسرى الرعب في أوصال الحياة والأحياء. وحل «تذكره»، على مثال تذكر أهل الأمة العالمة الموت، محل الرابطة الاجتماعية الأولى. ويشرب الرعب هذا من معين دمج الحياة المدنية في المهمات العسكرية، وإدخال السعي اليومي في الباب الأمني، وتغليب الأمن السياسي والبوليسي على المعاش، وحمل السياسة على العصابة، والقيادة على التأديب، وتخليص الحق على الغارة. وتقتضي «ثقافة المقاومة» والزلزلة هذه ألا تنتحي زاوية من زوايا الحياة الخاصة أو العامة ناحية على حدة، أو تستقل بشأنها، وألا يحسب أحد انه في منأى، لبعض الوقت، من الزلزلة المتربصة وراء المنعطف. وروى إيزاك شافيس سينجر، وهو روائي يهودي ترك بولونيا الى أميركا عشية الحرب الثانية وأقام على الكتابة بلغة اليديش المولدة والهجينة، أنه أعرب يوماً الى أبيه المتدين والمحافظ عن رغبته في تعلم الألمانية. فرد الأب مندهشاً ومستغرباً: انظروا الى هذا! قد يأتي المسيح من آل داود بين ليلة وضحاها، ويحسب الولد الغر ان في الوقت متسعاً لتعلم الألمانية!

وهذا قبس من الانتظار المهدوي وبعض وحيه. وقد تبدو ترجمته السياسية ملفاً نووياً، وتخصيباً، وتصديراً للثورة، وعمليات أمنية تخريبية في دول الجوار وثأرية في الأقاليم البعيدة، وتظاهرات ومواكب مليونية، وتخييمات ثقيلة، وانتخابات مزورة وصورية، وإفساداً جماهيرياً، وحروباً غب الطلب ـ قد تبدو ترجمته هذه افتراضاً بعيداً وضعيفاً ما لم يُنتبه الى نفي السياسة من الاجتماع المترتب على الترجمة هذه. فاستدراج الحياة، خاصة فردية أم مشتركة عامة، الى دائرةٍ «كل شيء (فيها) جائز»، على قول البابية في الوقت الذي يتوسط نسخ الشريعة السابقة وانتظار الشريعة الآتية، وفي جوار القبور والجبانات، وتحت أنظار الموتى، يحبط الفعل، ويحيله نزوة عبثية لا طائل منها.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق