الموت والحداد في أنظمة الحكم التقليدية

شهد العالم العربي والإسلامي خلال العقد ين الأخيرين موت العديد من الزعماء والقادة السياسيين ( الحسن الثاني، الحسين بن طلال، حافظ الأسد )، والذين طبعوا الحياة السياسية ردحا من الزمن، واتضح لنا أن رحيلهم – في معظم الأحيان – لم يكن حدثا عاديا، إذ لم يمر دون أن يؤثر في التمثلات والممارسة السياسية، حيث كان يقترن بأبعاد متعددة، جعلت من المهم الوقوف عند طبيعة وخصوصية موت الزعيم أو القائد السياسي في أنظمة الحكم التقليدية، وفي هذا السياق لا يمكن أن نستثني الأنظمة ذات الحكم الجمهوري، فهي من جهة تبنت نظام توريث الحكم كصيغة لصيقة بالأنظمة التقليدية، وفي نفس الوقت عملت على استنساخ آليات وممارسات الأنظمة التقليدية، وبالتالي الفروق بينهما تكاد تنمحي.

لقد تبين من خلال المعطيات والبيانات والملاحظات التي أمكننا تجميعنا، والتي رافقت موت الزعيم في هذه الأنظمة، والحداد الذي يعلن على أثره أن الموت غالبا ما يحاط بهالة من الغموض والقداسة، وذلك لأن ما يرافقه من ممارسات وطقوس تستهدف عزله كتجربة إنسانية يمكن أن تحدث لكل الناس، وفي كل مكان وزمان، غير أنها حين تقترن برجل السياسة أو الزعيم، فان جملة من الأبعاد يتم استحضارها بالشكل الذي يصبح حدثا استثنائيا بكل المقاييس ويرتقي إلى مرتبة القداسة . فكيف – إذن – يمكن أن ننزع بعضا من تلك القداسة عن هذا الحدث باعتبار ذلك جزء من مهمة الباحث.

 إن الأبعاد التي يتم استحضارها خلال موت الزعيم أو السياسي بشكل عام تستهدف القيام بوظيفة سياسية، إذ ينظر إلى الموت كفوضى وكتهديد للنظام بالمعنى العام،الشيء الذي يقوي الانفعالات الجماعية،ويعطي الإحساس بالوحدة، غير أنه حينما يتعلق الأمر بالسلطة السياسية ذاتها فان الموت لا يعاش إلا كنوع من الحداد الأبيض، بحيث أن منطق السلطة كإكراه يستمر،بل وقد يعرف قمته في لحظات التنصيب،وبالفعل فان التاريخ زاخر بالتقاتل والتنافس بين الطامعين في السلطة والذي غالبا ما كان يندلع بعيد وفاة الزعيم أو مرضه وضعفه وبالخصوص في حالة التمركز الشديد للسلطة في شخصه.

 الموت كفوضى:

 يشكل موت الزعيم في أنظمة الحكم التقليدية وضعا مزعجا، وحالة تهدد استمرارية النظام، وتعصف برتابته، إذ يأخذ الموت أبعادا تتجاوز البعد البيولوجي كتوقف الجسم عن الحركة والفعل، بل إن ثمة أبعاد أخرى تعلن حضورها لحظة الموت، وتوقع حضورها في الزمان(مدة الحداد)، وتبرز فوق المكان(تنكيس الأعلام) وتتمظهر على الجسد بوصف مصدرا يختزل كل المعاني، وقوة منتجة للرموز الإنسانية(1).

 يرتبط الموت بالنهاية المطلقة لكل ما هو ايجابي(2)، لذلك فان فداحة الفقدان تكمن في زعزعة نظام الأشياء التي ألفناها، والتي نعتقد جازمين أنها الحالة الطبيعية لوجودنا، ولأنه يمثل- بالإضافة إلى ذلك- بداية ولوج عوالم مجهولة: قد تكون الجنة أو النار. فهو يجسد و تقترن بطقوس العبور(3)، بيد أنه حينما يقترن بالسياسي فينظر إليه بوصفه فوضى مهددة، تقتضي تجديدا لنظام السلطة(4).

الحداد الأبيض:

 لعل تفصيلا أوضح لزمن الحداد، وما يقتضيه من ممارسات وطقوس، قد يساهم في إبراز آليات انتقال السلطة، بالشكل الذي يربك الجميع، لما يضفيه من غموض على حدث الموت، فيقوي الانفعالات الجماعية، والتي تتجه نحو تجميد الذاكرة ومحاصرتها في لحظة الموت، الشيء الذي لا يسمح برؤية الموت كحدث طبيعي، يمكن أن يحدث لكل الناس، وفي كل الأوقات، فالموت يرافق الإنسان بشكل يومي، غير أنه حين يقترن بالسياسي، فانه يأخذ بعدا مختلفا، الشيء الذي يؤدي إلى تغييبه عن الفهم كتجربة إنسانية عادية.

 إن زمن الحداد بوصفه زمنا إنسانيا، يظل محدودا بعكس الزمن الإلهي، والذي يمتد بلا بداية ولا نهاية.

إن زمن الحداد – مهما طالت مدته واختلفت من ثقافة إلى أخرى- يظل محكوما بنهاية معينة، والتي تشكل بداية انسياب الزمن بالمعنى المعتاد أو الطبيعي، إن زمن الحداد لا يعني توقفا للزمن، إن زمن السلطة كالزمن الإلهي زمن مطلق، لكن ما يقع هو أننا في زمن الحداد نفتح قوسا في الزمن المعتاد، والذي سريعا ما ينغلق، والذي بانفتاحه يختل نظام الأشياء، والذي يقتضي انقلابا في السلوك والممارسات، كارتداء الزي الأسود أو الأبيض…والذي يعني تكثيفا لحالة الأسى والحزن، بحيث يخشى إظهار ما لا ينسجم والمناخ العام، الشيء الذي يزيد المشهد غموضا وإرباكا.

 إن زمن الحداد ليس مطلقا، وان كان زمن السلطة زمنا مطلقا(5)، لأن نظام الحياة يتطلب عودة سريعة للزمن المعتاد، ذلك أن زمن الحداد- إذا ما نظرنا إليه من زاوية السياسي- وجدنا أنه يتسم بالغموض كأي شيء ينتمي إلى حقل القداسة أو حقل السياسة(6)، وبالفعل فالإنسان طور المقدس انطلاقا من تجربته مع الموت(7).  

 إن السلطة كإكراه لا تختفي بالمطلق، بل قد تعلن حضورها في اللحظة الأولى للموت، وكأن شيئا لم حدث، بينما يتم تكثيف مظاهر الحداد والحزن على كل شيء، وفي كل شيء بآليات بالغة التعقيد والغموض، بحيث لا يمكن إلا أن نتكلم عن حداد أبيضle deuil blanc،، والذي يعني وضعا يتم فيه استبدال أب بأب آخر، أو غيابا يجب أن يملأ سريعا، هكذا نجد أن الموت في هذا السياق يختزل في شعار مكثف:”مات الملك،عاش الملك”.

 لا يتعلق الأمر بنهاية مطلقة، وإنما بقلب صفحة وفتح أخرى، ليستمر زمن السلطة كزمن مطلق، وإكراه دائم، وحتى في أقصى درجات الموت والحداد.

 إن ما يتم في زمن الحداد هو زعزعة أزمنة أخرى: أزمنة هؤلاء الذين هم خارج السلطة، في حين يستمر زمن السلطة كما كان، باعتباره زمنا مطلقا، لكن انتقال السلطة يفرض زعزعة الأزمنة الأخرى، والتي يتمخض عنها سلطة جديدة ما كانت لتكون لولا السلطة التي سبقتها.

 لا يعيش رجل السياسة إلا حدادا أبيض، والذي يتشكل لحظة التنصيب أو التولية، بحيث قد يعاش قبل الأوان، ويتشكل الوعي به كخطاطة طبيعية لا يمكن تصور ممارسة السلطة بدونها واستمراريتها، بل إن الانخراط أو بالأحرى الالتزام السياسي قد يقترن بالموت كنتيجة أو قدر محتوم لا مفر منه(8).

 ولتوضيح ذلك، يمكن أن نسترجع شهادة الحسن الثاني وقت تنصيبه وليا للعهد في السابع من يوليوز 1957،حيث يقول أنه بكى وقتها، وتساءل عن جدوى الاحتفال إذ أحس أن التنصيب يتضمن إشارة إلى أنه سيصبح ذات يوم ملكا، لكن ذلك لن يكون ممكنا إلا بغياب والده، اليوم الذي تمنى أن لا يأتي(9).

 نستنتج أن الوعي بالموت يمكن أن يتبلور لحظة التولية،ويصبح أمرا محتملا، وطبيعيا ضمن زمن السلطة،بمعنى أن حدوثه لا يأتي إلا ليكسر رتابة الزمن بالمعنى العام، والذي يسمح-في النهاية- باستمرارية السلطة وديمومتها،

 ونتيجة ذلك فان الاهتمام ينصب على إرساء دعائم الحكم الجديد، حسب المنطق الداخلي للسلطة، والذي يحمل مضمونا ولغة يستهدفان استعادة لحظة التأسيس، وما تزخر به من غموض واحتمالات منفتحة، بحيث يصبح التماسك الداخلي ضرورة ملحة وذلك لتجنب الفوضى.

 المعنى المنغلق:

 وهذا، ومن جانب أخر، فإن الخطاب الذي يرافق رحيل الزعيم يتجاوز مجرد التعبير عن الأسى والحزن كحالة يتم تعميمها على كل الناس، بل إن ذلك يشكل نهجا متماسكا من حيث المبنى والمعنى، إذ يمنع التسامح مع كل ما من شأنه أن يشق التماسك الداخلي ووحدة الأحاسيس.

 إن الخطاب-هنا- يلعب على المكشوف، ويغذي حقائق ثابتة تسعى بين الناس، فالخطاب ليس تسويغا، وهذه ليست وظيفته،وإنما يتوخى أهدافا محددة، تسعى إلى إيصال المعنى وتحقيقه، الشيء الذي يساهم في عزل حدث الموت عن صيرورته التاريخية،ومن شروط تشكله، حيث يقدم كمعطى جاهز يستهدف حضورا، يتجاهل التجربة الإنسانية في أبعادها التاريخية والاجتماعية.

 في كل التصريحات،كما كما في البيانات والشهادات التي أمكننا الإطلاع عليه، والتي رافقت موت الزعماء في العالم العربي والإسلامي خلال السنوات الأخيرة، نجد أن المعنى ينغلق، ويجبر المتلقي على تقبله كما هو معروض، ويعمل على إخفاء التناقضات وطمس الحقائق، وفي أحسن الأحوال يتم إبرازها بصيغة تسمح بالانزلاق نحو الحلم والأمل في المستقبل، فثمة حالة من الأسى والحزن، لابد من تعميمها على الجميع، وبكل الأساليب، كما أن ثمة استقرار ينبغي المحافظة عليه، وتجنب احتمال حدوث فوضى، لذا ينبغي الالتفاف حول النظام، إذ يتم إبراز الوضع الحالي كأفضل وضع ممكن، والانجازات كأقصى ما يمكن تحقيقه، وبالتالي ليس مسموحا على الإطلاق فتح الباب على المجهول.

الهوامش:

1 -Jean Marie-Brohn; corps et politique, Paris éditions universitaires 1975
2 -Dictionnaire des symboles: article :la mort, éd :Robert Laffont,Paris,1982
3 -ibidem
4 -Georges Balandier: Anthropologie politique, Paris; Ed :PUF. 1975
5 -dictionnaire des symbole. Article: temps, OP.CIT
6 – نحيل على وجه الخصوص الى :Balandier. G: Anthropologie politique, OP.CIT;
7 -Durkhiem .E : les formes élémentaires de la vie religieuse, Paris,ed: PUF; 1986  
8 -A.Dumas: ; sacre; in universalis, Paris, France éditeur ,7éme édition 1976
9 -Abdallah Saaf : images politiques du Maroc, Rabat, ed: OKAD 1987
 -HassanII: mémoire d’un roi, Paris, éd PLON و1993;

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. محمد الهواري

    من خلال ما تم تداوله في مقالك استاذ وجب أو بالاحرى إرتكاز على الزعيم كآلية من آليات التمركز السياسي ومن خلال توضيفه للمجال السياسي كخيار فيزيقي كرد بديل على التحليل اليقليدي للممارسة أو الانتقال السياسي(بول كلافال نمودجا) على العموم يبقى مقالك مشهود له من ناحية العلمية
    كل التحايا

أضف تعليق