الموسيقى الجادّة: عزلة المتوحّد أم صحبة الآلهة

{{ “الحياة لا بدّ أن تكون هفوة دون الموسيقى” (نيتشه)}}

تضيق العبارة إذا أردنا الحديث عن الموسيقى، فالموسيقى إشراقات تتكشف للروح بلا كلمات. والموسيقى سيّدة آلهات الإلهام، كما يقول اليونانيون، وللدخول إلى محراب الموسيقى الجادّة عليك أن تنظّف أذنيك مما علق بهما من نشرات الأخبار وهذر الكلام، ضجيج الحياة والصخب الذي يحاصرنا ويقطع علينا الهدوء الذي نحلم به، بنقاشات وجدل لا يحسمه سوى الصوت المرتفع والحديث الذي لا يتوقّف، أو قل اللهاث الذي يقطع الأنفاس، أو كما قال كارل ماركس ذات مرة متنبّئا: ستتحوّل الحياة إلى عملية ركض متواصل ينسحق تحت الحشود منْ يتوقف ليلتقط أنفاسه.

الوتيرة المرتفعة لهذا الضجيج الذي يصمّ الآذان تباعد بيننا وبين تلك الإشراقات التي ترتفع بنا إلى عوالم سامية، تشدّنا نحو كائنات ترفرف بأجنحة من نور وفراشات للروح بألوان ساحرة، وتدخلنا إلى مرحلة جدية من الأسئلة عن عالم مغلق على الكثيرين أو قل عالما منسيا لا نمرّ به إلا لماماً، ولا نعرف عنه إلا أقلّ القليل؛ هو عالم الموسيقى الكلاسيكية الجادّة الذي يتناوله كتاب صحبة الآلهة. الذي يبدو إنه تكملة للحديث الذي بدأ في كتاب الفضائل الموسيقية للمؤلف ذاته.

يستهل فوزي كريم كتابه (صحبة الآلهة حياة موسيقية) الذي صدر مؤخرا عن دار المدى للثقافة والنشر في دمشق، بمقولة شوبنهاور عن الموسيقى حيث يقول: “تقف الموسيقى وحدها. منفصلة عن الفنون جميعا ..إنها لا تعبّر عن فرح محدّد بعينه، عن حزن، كرب، رعب، مسرّة أو راحة بال، بل هي الفرح، الحزن، الكرب، الرعب، المسرّة أو راحة البال ذاته، في التجريد، في طبيعة هذه المشاعر الجوهرية، دون عامل مساعد، وبالتالي دون أهداف تجعلها وسيطا “.

نستطيع أن ندرك من خلال موسيقى شعب من الشعوب- إذا كانت صادرة عن أصالة وصدق- صورة دقيقة ترسم ملامحه ودرجة رقيّه وتقدّمه، كذلك تقوم الموسيقى بدورها في التقريب بين الشعوب لأنها تنفذ إلى طبائع الجماعات البشرية المختلفة وتستخرج منها مكنونها وتكشف للآخرين عن جوهرها. فلم ينجح شيء في عصرنا الحديث في التعريف بمزاج الإنسان الإفريقيّ وطبعه -على سبيل المثال- مثلما نجحت موسيقاه حينما تسرّبت إلى الموسيقى الغربية المعاصرة وألفها العالم كله. وهكذا عجزت أرفع الوسائل الاجتماعية والأساليب الفكرية عن التعريف بما نجحت في تحقيقه مجموعة من الأنغام والألحان الأفريقية. وذلك شاهد جديد على أن الموسيقى تبدأ من حيث تنتهي قدرة الكلمات على حمل المعاني والأفكار. ” فمنْ يتّسع وقته ومزاجه وذوقه وركام تربيته النائم على كيانه لكل سوناتات بيتهوفن ورباعياته وسيمفونياته وأغانيه، أو (كنتاتات) باخ التي تتجاوز المائتين، ورباعيات هايدن الوترية وفراديس موتسارت وأغاني شوبرت وأوبرات فيردي وكونشرتات فيفالدي وموتيفات فاغنر وتنافرات شوينبرغ وتيارات الحداثة وما بعدها! يؤكد المؤلف “إلى أن التطلع إلى الموسيقى إنما ينشأ مثله مثل الحساسية الشعرية الغامضة، من موطن في السريرة يفلت من رقابة الزمن ورقابة الوعي”.
ثمّ يحدّثنا من موقعه الشعريّ عن تنازع الشعراء حول التقنية فيقول:” يتنازع الشعراء دائما حول فكرة أن التقنية مفتاح القدرة على الأداء الشعري أو أنها عبء على هذا الأداء، طرفان متنازعان بشأن التقنية لم أجد أحدا منهما يفضي إلى طريق سوية. الأول تسرقه البراعة من الشعر، والثاني مع ما يعوّض عن فقدانها.
الموسيقى علّمتني، بكل ما تتسم به تعاليمها من بساطة، أن التقنية هي خبرة روحية، الصراع مع الضوابط التقنية يشبه صراع الأفكار وصراع المشاعر الداخلية”. وبشأن الجمال الذي يثير عاطفة خاصة به يقول ” يحسن بي أن ألمّح إلى التيار الفلسفي الذي لا ينكر عناية الفن بالعواطف، وقد عززه كثير من الموسيقيين والفنانين والشعراء. بقدر ما يؤكد وجود حاسة خاصة، وقوة جمالية بعينها، تبدو العاطفة الفنية معها ضربا من الإثارة الخاصة، متميزة تختلف عن العواطف الإنسانية المعتادة. القاعدة تعتمد فكرة “الشكل الدال” حيث إن الإثارة العاطفية التي يسببها العمل الفني هي وليدة حاسة جمالية بعينها، وأن التمتع بهذا الدافع الجمالي هو نوع نادر من الإثارة مستقل تماما عن العواطف المألوفة.

اللوحة التشكيلية قد تثير عاطفة مألوفة لدى المشاهد، لأنها ترتبط بصور جاهزة في ذاكرته ومشاعره الشخصية وهذا ما تفعله أيضا الموسيقى التي تعتمد نصاً أدبيا كالأوبرا. أما الموسيقى الخالصة فتعتمد “الشكل الدالّ” وحده. ولكنّ المنطق في الفلسفة يتساءل: بأنّ كلمة دالّ إنما تشير إلى شيء يدل عليه الشكل، فما هو؟ الإجابة هي أن هذا الشكل لا يشير إلى شيء خارجه، بل شيء في ذاته”. لا يفوتنا هنا ذكر الدالين الموسيقيين الذين يشكلان أرحب المفاهيم لدى الفيثاغورية والمتصوفة للموسيقى وهما النبض في ( العالم الأصغر) وحركات الكواكب (العالم الأكبر).

ولكي يلقي فوزي كريم مزيدا من الضوء على مأزقه الروحيّ، يستعين بشواهد واقتباسات وأسئلة غنيّة من فنانين وفلاسفة، منذ الإغريق حتى كانط وشوبنهاور ونيتشه. إنه يجد نفسه في وحدة حتى في مدينة لندن، بفعل افتقار المحيط إلى أصدقاء متعاطفين، قادرين على الحوار بالشأن الموسيقي، ويتساءل لِم بقي العرب بصورة عامّة وراء شعوب بلدان غير الأوروبية، مثل اليابان والصين والهند التي التحقت بالركب الإنسانيّ في إنجاز حصتها من الموسيقى الجديّة مع بقائها تنعم بموسيقاها الشعبية والترفيهية كما يؤكد منير الله ويردي (موسيقي).

لا شكّ أنّ ثمّة مسافة بين الموسيقى الجادّة (الكلاسيكية) والموسيقى الترفيهية، ولكن من الممكن أن يستمع ويستمتع المرء بالعالمين. الطريف في الأمر أنّ المؤلّف يشير إلى ما يسمّى الموسيقى الجماهيرية التي أخذت تكتسح كل ما يقف أمامها حتى أصبح الضجيج هو السمة الغالبة عليها. وكادت أن تزيح من طريقها إرثا غنيا هو خلاصة ما تراكم من خبرات الأجيال السالفة. فقد طالعنا كتاب الأغاني (1-39) بما يرسم لنا صورة عن الموسيقى والتلحين، وكيف كان ينظر إليها، وكيف كان تقييم الملحنين والمغنين للموسيقى:” قال الجمحي- بلغني أن معبداً قال والله لقد صنعت ألحاناً لا يقدر شبعان ممتلئ ولا سقّاء يحمل قربة على الترنّم بها، ولقد صنعت ألحاناً لا يقدر المتكئ أن يترنّم بها حتى يقعد مستوفزاً، ولا القاعد حتى يقوم “.

وفي موقع آخر يورد لنا التالي: عن مالك بن أبي السمح قال: سألت ابن سريج عن قول الناس، فلان يصيب وفلان يخطئ وفلان يُحسن وفلان يُسيء، فقال: المصيب المحسن من المغنّين هو الذي يشبع الألحان، ويملأ الأنفاس، ويعدّل الأوزان، ويفخّم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعراب، ويستوفي النغم الطوال، ويحسّن مقاطع النغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواقع النبرات، ويستوفي ما يشاكلها في الضرب من النقرات. فعرضت ما قال على معبد، فقال لو جاء في الغناء قرآن ما جاء إلا هكذا.(1-315).

يؤكد فوزي كريم على إن “الموسيقى الجادة خرجت، في معظمها من رحم الدين. الراج الهندي الغنيّ والمتنوّع خرج من معابد البوذية القديمة. الكلاسيكية الغربية خرجت من رحم الكنيسة. ولكن الراج أصبح صناعة العوائل الإسلامية، التي تتوارثه في شمال الهند والباكستان. الموسيقى الكلاسيكية الغربية صارت ملكية عالمية. وهكذا تتسع عطاءات الدين إلى ما لا تتسع له عطاءات العقيدة. ولكن أي موسيقى في عالمنا العربيّ خرجت من رحم الإسلام؟ سؤال اعتدت التأمّل فيه وحوله ومن وحيه، الموسيقى الجدية العربية تكاد تكون معدومة، أو على الأقلّ أن أنويتها لم تطلع أزهاراً وثمارا، كالتي أطلعته المعابد الهندية والكنائس المسيحية “.

ختاما أودّ أن أشير إلى أنّ كتاب صحبة الآلهة يأخذ روح المقالات رشيقة العبارة ممتعة بتفاصيلها تأخذ بيد القارئ إلى عالم من المعرفة والمتعة، خصوصا إذا ترافقت القراءة بسماع الموسيقى الكلاسيكية التي أصبحت بالمتناول عبر أكثر من محطة إذاعية …

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق