المونديال… مسرح للعولمة / السيد ولد أباه

المونديال… مسرح للعولمة / السيد ولد أباه

انطلق "المونديال"، فرض إيقاعه القوي على البيوت والمدارس والشارع. حجبت التظاهرة الكونية الكبرى كل أخبار العالم: من الأزمة النووية الإيرانية إلى تفاعلات "قافلة السلام" في غزة. لم تعد مباريات كأس العالم مجرد سباق يهم الرياضيين وجمهور كرة القدم، بل تحولت إلى مسرح استعراضي يعكس الإنسانية الراهنة في مختلف أبعادها الرمزية والاجتماعية والمادية الاستهلاكية والإعلامية. بدأت اللعبة المعولمة في بريطانيا الصناعية في القرن السادس عشر، وارتبطت بالطبقة العمالية الناشئة، فاعتبرت لعبة شعبية قاصرة، في مقابل الألعاب البورجوازية العريقة كالتنس والشطرنج…

 

بيد أن تحولات كبرى غيرت تدريجياً هذه الصورة. كان التحول الأول في كأس 1966 ببريطانيا، الذي دشن عصر التغطية الإعلامية الكثيفة للسباق من خلال التلفزيون (تابع 600 مليون متفرج المباراة النهائية). لم تعد كرة القدم شأناً محلياً ضيقاً خاصاً بالنوادي الوطنية والمدينية الصغيرة، أو بالطبقة العمالية الكادحة، بل أضحت مشهداً استعراضياً كونياً شاملًا.

 

 

حدث التحول الثاني في مونديال المكسيك عام 1970، الذي رمز لما أطلق عليه المختصون "الثورة السوداء " في مسار كرة القدم. أطل الشاب الأسود الساحر "بيليه" على المشهد بلياقته البدنية الباهرة ومهارته الأسطورية، فتحول إلى نجم لامع ينافس نجوم السينما المشهورين. لم تعد كرة القدم منذ ذلك اليوم لعبة يحتكرها الرجل الأوروبي الأبيض، أو شأناً خاصاً بالمجتمعات الصناعية المتقدمة. ظهرت المدرسة اللاتينية الأميركية في كرة القدم بأسلوبها المعتمد على الحركات الفنية الرائعة والتسديدات الاستعراضية، في مقابل المدرسة الألمانية القائمة على الانضباط (العسكري) والمدرسة الإسبانية القائمة على التناسق الجماعي، والمدرسة الإيطالية القائمة على القوة.

 

 

حدث التحول الثالث في مونديال إسبانيا عام 1982، الذي عزز موقع هذه الديمقراطية الناشئة الخارجة من عقود مظلمة طويلة من الاستبداد في منتدى البلدان الأوروبية الديمقراطية. رمز هذا التحول إلى مسار تسييس هذه اللعبة الكونية الكبرى، التي لم تعد مجرد نشاط رياضي عارض، بل إطاراً لتقويم أنظمة المجتمع وسياسات الدول ورصيدها في مجال حقوق الإنسان. وقد عزز المونديال الحالي هذه الصورة، باختيار جنوب أفريقيا البلد الأفريقي الأول المؤهل لاحتضان التظاهرة الكبرى، احتفاء بخروجه من نظام التمييز العنصري، وتنويها بتجربته الديمقراطية الناجحة في محيط من الاستبداد وعدم الاستقرار.

 

 

حدث التحول الرابع في مونديال فرنسا عام 1998، الذي فاز فيه الفريق الفرنسي المشكل من لاعبين ينتمون لمكونات قومية وعرقية متعددة، على رأسهم قائد الفريق "زين الدين زيدان" الجزائري الأصل، الذي أصبح متقدماً في الرصيد الشعبي على رموز السياسة والسينما. طرح هذا المونديال بقوة دور كرة القدم في توطيد النسيج الوطني في البلدان الأوروبية، التي تعاني في مجموعها من تآكل الهويات الجماعية، وانحسار دوائر الانتماء المشترك في ظل العولمة الزاحفة.

 

 

فما نشهده راهناً هو انحسار الطابع الإقليمي لرياضة كرة القدم، التي لم تعد تعكسها النوادي المحلية أو الوطنية. تعولمت كرة القدم، بفعل التلفزيون، وبانهيار الطبقة الاجتماعية (العمالية)، التي ارتبطت بها في الغرب الصناعي. تحولت النوادي إلى ائتلافات من دون هوية أو ارتباط عضوي، بل ولدت أشكالاً تعاضدية خاصة بها، وهويات هجينة بديلة عن الانتماءات القومية والمحلية، ثم إن هذه النوادي الكبرى غدت بالفعل مؤسسات تجارية عملاقة، تمتلك المنشآت الاقتصادية والإعلامية والترويجية، وتمارس في بعض الأحيان أدواراً سياسية خطيرة وناجعة، (نادي لومبارد الإيطالي الذي يشرف عليه رئيس الوزراء برلسكوني، ونادي لومبياد مارسيليا، الذي أشرف عليه برنارد تابي في فرنسا…).

 

 

بل إن رياضة كرة القدم نفذت بممارساتها وقيمها إلى المشهد السياسي. تحول النشاط السياسي من نموذج المدينة إلى نموذج المشهد الاستعراضي، كما تحول السياسي من صورة الزعيم إلى صورة النجم اللاعب، والجمهور من نموذج المناضل إلى نموذج المشجع، والرهان الانتخابي من صورة سباق المشاريع إلى حلبة الملعب، والمجموعة السياسية من نموذج الحزب إلى نموذج الفريق (وتلك كلها استعارات شائعة في الخطاب الإعلامي السائد).

 

 

السياسة لعبة كبرى، بقواعد منافسة لم تعد تحكمها الأطر الأيديولوجية الموجهة، وبوجوه قيادية لم تعد لها كارزمائية الزعامة، وإنما براعة الهجوم والدفاع والتسديد. أحزابها نواد وفرق، وليست تشكيلات عقدية، الحاكم فيها حكم يسوس السباق وينظم المباراة. يعكس ترويض السياسة في المجتمعات الديمقراطية الغربية أزمة عميقة في مستويات ثلاثة:

 

 

– الخطاب الذي لم يعد يقوم على متعاليات وقيم، وإنما تحول إلى مدونة إجرائية للمنافسة والكسب.

 

 

– الفاعل الذي لم يعد يستند إلى قوة اجتماعية أو إيديولوجية، وإنما هو لاعب في ميدان سباق مفتوح.

 

 

– القاعدة الجماعية التي لم تعد هويات عضوية، وإنما نواد وفرق اعتباطية. في المجتمعات العالم ثالثية، تؤدي كرة القدم دوراً مغايراً، يتحدد في مستويات أربعة أساسية: المجال الأوحد المتاح لمنافسة القوى الدولية الكبرى، والمساواة مع الدول الصناعية الغنية والمتقدمة. فبعد أن كانت الدول الأوروبية تحتكر كأس العالم لسنوات عديدة، تسنى للعديد من بلدان العالم الثالث، في أميركا الجنوبية أساساً الظفر بالكأس المقدسة (الأرجنتين، البرازيل).

 

 

– أحد المجالات المحدودة للمشاركة الجماعية في المجتمعات المغلقة، التي تقيد الحريات العمومية، وبذا تخلق وهم الإسهام في الحياة العامة، ولو من بوابة الملاعب الملتهبة. ومن الممارسات المألوفة في الأنظمة الأحادية (كما كان الشأن في البلدان الشيوعية)، تشجيع الاهتمام بكرة القدم للأسباب المذكورة.

 

 

– فتح فرص اندماجية أمام اللاعبين المنحدرين من البلدان الجنوبية، الذين خرج بعضهم من أزقة التشرد والفاقة إلى أضواء الإعلام وبريق الثروة بفضل الانضمام للفرق الغربية الغنية (مثال اللاعب الأرجنتيني البارع مارادونا).

 

 

– توطيد الهويات الوطنية في بلدان هشة التركيبة القومية، لا تستند فيها الدولة غالباً إلى تركة تاريخية مكينة. فلاعبو كرة القدم ينجحون أحياناً في ما يعجز عنه الساسة من بناء سياسات إدماجية وطنية فاعلة.

 

 

عن جريدة الاتحاد 14/6/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق