الناشطة السورية رندا قسيس :

رندا قسيس الكاتبة والباحثة المقيمة في باريس، تبحث عن الحرية في كل مكان وزمان، وضعت أقلامها وألوانها جانبا، ولبست ثوب العلمانية، لتكسر جليد الأنا لحساب العامّ والجماعة، وتبدأ في نسج لوحة حياتية منطلقها الانسان بأحلامه كفرد قيمي ومقدّس، والوطن كبيئة وجودية وأيقونة تضيء أحلام الشعوب بالخلاص والحريات، ترسم كرنفالات أنثوية وثقافية لأجل خلق مجتمعات ديمقراطية وانسانية عادلة، بعد تطهير المجتمعات كلها من ثقافات الطغيان والظلم، لتجد نفسها مع أبناء وطنها سوريا في نشاط وعمل جميل، غايته إنهاء الاستبداد وحكم العائلة والحزب الواحد، وتمزيق كلّ أقنعة العروبة والمقاومة والتصدي التي يخفي بها النظام السوري حقيقته، ومعاداته للانسان والحريات والقيم الشرقية ومتاجرته بكل شيء لأجل ديمومة عرشه واستبداده على حياة السوريين، وخلقه للفوضى في الشرق الأوسط.

رندا قسيس تحمل أفكارا ومبادئ تتجاوز حدود نهايات الاستبداد وإرثه، وتملك مشروعا حيويا لسوريا ما بعد البعث والشوفينية، وتؤسّس لعوالم مدنية وديمقراطية في وعاء العلمانية الجامعة للجميع من تلوينات وأيديولوجيات وفضاءات ثقافية، داخل البيت السوري الذي سيكون قوامه القانون والمؤسسات والتعددية في وطن تشاركي واحد.

انتقلت رندة قسيس من عوالم الكتابة والبحث الفلسفي والفنّ التشكيلي، إلى ثورة الحرية وكسر جليد الاستبداد في بلادها، ما هذه الثورة الذاتية؟

أعتقد أن ثورتي الذاتية بدأت منذ زمن بعيد، فهي تتجلى في ذلك التساؤل المستمر عن كل ما تلقنّاه وتعلّمناه أثناء حياتنا مع الاستمرار في التشكيك بجميع المفاهيم والصيغ للوصول إلى معارف جديدة تمرّ بمراحل مختلفة وعديدة. مهّد لي الفنّ التشكيليّ طريقاً للغوص في عالم الكتابة، وهي بدورها حفّزتني للخوض في عالم البحث والاستكشاف من أجل نفض الموروث الثقافي والتاريخي لدى الإنسان، لتكون رحلتنا في ظل ظروف اعتيادية عبارة عن رحلة استكشافية في هذه الحياة. لكننا اليوم نعيش ظروفاً استثنائية في المجتمعات تفرض علينا جميعاً القيام بعملية حسم واضحة، ليخرج بذلك المثقف من عالمه التأمّلي مشتعل الإحساس والباحث عن لمس التجارب الخارجية من خلال أداة يمتلكها للقيام بعملية الترجمة، لكننا نراه، في هذه الظروف، يتحول هو ذاته إلى أداة تعبيرية للجماعة مكرّساً بذلك معرفته ونظرته وخبرته لخدمة القضايا الإنسانية للجماعة.

هناك اختلاف نوعيّ في سبب الثورات، رغم تشابه ثقافة القمع وآلياتها، وتقاطع الشعوب في هدف إسقاط هذا الموروث الثقافي من الاستبداد وهياكله من آلهة تصنع الموت وقهر الانسان، لكننا نعيش نموذجا سوريا خاصا بين وجهي الجلاّد والضحية، فما هو سرّ الفلسفة الثورية في المجتمع السوري بهذين النقيضين؟

حرم المجتمع السوري ولمدة عهود طويلة من ممارسة حياته  بكلّ ما تحويها من معاني للحرية التي تؤهله لممارسة قدراته وكفاءاته. فقد اعتمد النظام السوري على تحويل الفرد إلى كائن تنحصر همومه ومتطلباته في إشباع حاجاته الأساسية فقط. مما سبب معاناة لدى الأفراد وحالة من “عدم الاكتفاء” المزمن وذلك لتسهيل عملية الإخضاع والهيمنة عليه. لكننا نجد أن هذه المعاناة الطويلة سببت لدى الأفراد رفضاً لاواعياً لواقعهم، باحثين وبشكل غير واع عن وسائل وحلول لطرح الشحنات السلبية المتراكمة والناشئة عن حالة عدم الاكتفاء، ليستغلوا أي ظرف خارجي يساعدهم للتخلص من معاناتهم. وهذا ما حصل في سوريا حيث انقلبت حالة الخضوع ألى حالة من التحدي والإصرار لمواجهة الإستبداد.

الحرية تبدأ من الفرد وتكون لخلق كينونة ذات فضاءات انسانية بلا حدود تحت وازع من القوانين الأخلاقية والطبيعية لرسم مسارات ممارسة هذه الحرية الفردية، وبالتالي تكون أساسا لحرية الشعوب والآوطان، كيف نستطيع أن نخلق هذا المحيط الثقافي في الوعي الفردي للمواطن، ومجتمعاتنا الجاهلة لحقوقها، والتي تشارك في صناعة آلهة بشرية تتحول لأداة أستبداد وطوطم يرمز للشرّ واستعباد الفرد وسيلة لديمومة ثقافة الطغيان؟

مما لا شك فيه أن المجتمعات ذات مفهوم الحقيقة الواحدة تعاني من الموروث البدائي، فنراها تفتقد لأدوات متنوعة تساعدها في تبني سلوكيات وتفكير متنوع. من هنا أجد أن الخطوة الأولى تبدأ في نشر التعاليم والمناهج لنماذج ثقافية وفكرية مختلفة من دون اتباع أي توجيه مشروط للأفراد. وربما علينا البدء في نشر مفهوم “اللاحقيقة” الذي يعكس تنوع الحقائق المتغيرة حسب نماذج الوعي البشري المنتشرة في أنحاء الأرض والمتلائمة في منحاها مع التنوع الطبيعي بدلاً من البحث عن حقيقة ما. أعتقد أن مفهوم “اللاحقيقة” هو الذي يدفع الفرد نحو تبني مفهوم التكامل مع الأنوات الفردية المتعارضة وهو الذي يعيد له الثقة بالنفس ليحثه على البحث والاستكشاف اللامتناهي من خلال ذاته والذوات الأخرى من دون الوقوع في فخ “الأنا” الضيق العاكس لثقافة محدودة ألغائية حقيقية.

كتبتِ في أحد مقالاتك بأن الشعوب ستبقى راضخة للذل والإستبداد ما دامت لا تملك ألا الإله، فهي تعزّي نفسها بأنها صاحبة الأديان السماوية، وأن الإله خصّها تحديدا واختارها كي تنام بجانبه نومة أبدية، هل سنشهد هذه الحالة بعد نهاية ربيع الحرية في الشرق الأوسط، في ظل الصراع بين آلهة الإسلام السياسي، ودعاة الدولة المدنية والعلمانية؟

إذا نظرنا إلى جميع الشعوب البدائية، نجدها تكرر نفسها وثقافاتها، فهي تؤجج مشاعر الافتخار والاعتزاز بدياناتها، أي نستطيع القول أن الافتخار بالديانة المحلية يعبّر عن حالة من الانهزام أمام الآخر المختلف، لينتج عن هذه الحالة انعزال وعدم قدرة على التكيف والتأقلم مع التحولات والانعطافات الصادرة عن المحيط الخارجي المتغير. أعتقد أن هذه الثورات لا تعبّر فقط عن إرادة صلبة لدى الشعوب في شرقنا المضطهد من أجل كسر قيود الاستبداد السياسي، بل تعكس لنا رغبة لاواعية لدى أفراد هذه المجتمعات من أجل تحطيم جميع القيود إن كانت اجتماعية أو فكرية… نحن الآن نعيش انعطافة تاريخية ومفصلية لدى هذه الشعوب ويمكننا في هذه الفترة الراهنة البدء في احداث بعض التغيرات لهدف توسيع الإدراك لدى الفرد. أعتقد أن الوقت الحالي يشكل أرضية مناسبة للبدء في مشروع فكري- ثقافي- سياسي يقوم على أساس أحترام الفرد وإعادة فكره الذي تم أغتصابه لفترات طويلة.

 أنت الآن أحد أقطاب الفكر العلماني وثقافته لأجل أحداث التغيير في الواقع المتشرذم بفعل سلطة رجالات الدين من جهة ومنظومة الديكتاتوريات من جهة أخرى، كيف يمكن في سوريا أن تكون العلمانية ثقافة فكرية تنقل البلاد من عقود القهر والظلم إلى منتوج جديد ديمقراطي؟

أجد أننا بحاجة إلى كوادر وآراء وأفكار مختلفة كي نقاطع فيما بينها لإنشاء ثقافة جديدة متنوعة تستطيع دغدغة مشاعر أفراد المجتمعات لتمكنهم من القفز إلى مستقبل أفضل. فمن وجهة نظر خاصة، أجد أن العلمانية لا تتلخص بمفهوم ثابت، بل تتلخص بذلك المتغير العاكس لمبدأ التطور والناتج من عملية فصل ما بين العقل المرتكز على أساس التجربة المعرفية وبين المشاعر الروحانية الناشئة عن التفاعلات النفسية. حيث تكون الأسس والقوانين الأخلاقية الجامعة بين الأفراد قائمة على أساس المصلحة المشتركة لإنشاء عملية توازن تصب في خانة الفرد وكتلته في آن واحد. ولا ننسى أن الحرية غير المشروطة تشجّع مبدأ التشكيك والنقد الذي يدفع الإنسان نحو الإبداع والعمل الفكري.

 الأقليات في سوريا، تعيش هواجس الخوف على مستقبلها بعد سقوط النظام البوليسي والبعثي، وخاصة أن هناك شخوصا في أقنعة الديمقراطية وتمارس في ثقافتها الإقصاء بحق المختلف قوميا ومذهبيا وأثنية؟

لا شك أن ثقافة الاقصاء والشوفينية تختبئ خلف كلمات وعبارات تمييزية تفصل بين الأديان والأعراق والأثنيات… والآتية إلينا من موروث بدائي منبعه مشاعر الخوف من الغريب، ليتحول هذا الخوف ألى مشاعر كراهية وميل للعنف تجاهه، فمشاعر التمييز ناتجة عن ردة فعل تجاه القلق الدفين لأي نموذج ثقافي مختلف (أقصد بالثقافة هو ذاك الوعاء السلوكي والوعي بما يحتويه من أخلاق وأسس وقوانين جمعية). لهذا أجد أن تغيير السلوك الفردي والجمعي تجاه النماذج المختلفة لا يمكنه أن يتسم بالمرونة إلا بعد وصولنا نقطة الصفر، أي أن اسقاط النظام التوتاليتاري السوري سيفتح لنا مجالاً أوسع لمحاربة كل أنواع التمييز والاستبداد ذات الأوجه المختلفة.

القضية الكردية في سوريا ستكون من أهم القضايا داخل الحياة السورية، وإنصاف الشعب الكردي السوري هو سبيل لتعزيز ثقافة الديمقراطية والتعددية، هل يمكن أن نشهد دولة سورية مدنية تنصف أكرادها دون تمييز وعنصرية؟

لا يمكن أن نشهد دولة عصرية حديثة إنسانية في سوريا دون الحديث والعمل على إنصاف الشعب الكردي الذي تم اضطهاده بشكل مكثف. صحيح أن المجتمع السوري برمّته عانى من التشرد والقتل…إلا أننا لا يمكننا أن نقارن معاناته بمعاناة الفرد الكردي الذي حرم من أبسط حقوقه. أعتقد أن على جميع الأطياف في المجتمع السوري البدء بالإعتراف لإعادة الحقوق كاملة للشعب الكردي، بما فيها حقه في تقرير المصير، كي نستطيع طيّ هذه الصفحة السوداوية. إن المواطنة تبدأ عند الاقرار بتاريخ ولغة الشعب الكردي وإعطائه الحق في الاختيار كي نستطيع بناء دولة عادلة، يتساوى فيها جميع الأفراد المنتميين ألى اثنيات أو أديان أو معتقدات أو افكار مختلفة، و من أجل تحقيق هذا الانتماء المتنوع، علينا أولاً بفصل الدولة السورية عن الغطاء العربي كي تكون سوريا وطنا للجميع من دون اعطاء أي غطاء قومي أو ديني لها.

المجلس الوطني السوري كيف سيكون صوتا شفافا للثورة، ومرآة عاكسة لطموحات السوريين في الحرية والخلاص، وهو لم يضع أجندة لأنهاء الإستبداد وأدواته، ويفتقد لخارطة عمل تفصل الدين عن الدولة، وتأسيس المجتمع المدني التشاركي، في ظل سيطرة التيار الإسلامي وضعف التيار الليبرالي والعلماني؟

سأتكلم عن المجلس الوطني بصفة شخصية وليس بصفة المتحدث باسم الائتلاف العلماني الديمقراطي السوري. نعلم أن الائتلاف أصبح شريكاً في هذا المجلس المتنوع والمتشكل بنسبة غالبيتة من الإسلاميين والذين ما زالوا يتعاملون مع الآخر من منطق الأكثرية و مبدأ التبعية. مع العلم أنهم لا يمثلون أكثر من 20 بالمئة من المجتمع السوري، إلا أنهم يملكون، وبفعل تجربتهم الطويلة وسيولة الأموال لديهم، تنظيماً ذا استراتيجية محددة للوصول ألى أهدافهم. من المؤكد أن الجميع قابل للتغيير، وعلينا عدم استباق الأحكام، إلا أن أفعال الاسلاميين ما زالت تبرهن إلى يومنا هذا عن استفحال “منطق الاستبدادية” لديهم، فسلوكياتهم الأقصائية بحق الآخر المختلف واضحة للعيان، فهم لا يتعاملون من موقف الند للند ، بل يتعاملون من موقف المتبرع والمتفضل على الآخر، ناسفين بذلك حقوق الأقليات المتكافئة للأكثرية وضاربين بعرض الحائط حق الفرد.

في ظل ذهنية إلغائية كهذه، أعتقد أن على جميع القوى الأخرى التكاتف والعمل سوية من أجل تحقيق دستوراً عادلاً مؤسساً على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، لكننا في هذه الفترة الراهنة نحتاج لتوحيد جميع أطياف المعارضة لهدف اسقاط النظام السوري. 

 كيف ستكون منطقة الشرق الأوسط ما بعد نهاية نظام الأسد، وحقب طويلة من خلق الفوضى واشعال الحرائق في لبنان وفلسطين والعراق، ومن ثم تحوله أمام المجتمع الدولي لنظام إطفائية وصاحب حلول يستمد من هذا الدور ديمومته واستمراريته؟

لا أعتقد أن منطقة الشرق الأوسط ستكون أسوء حالا مما عليه اليوم، لكن لا شك منه أننا أمام مرحلة انتقالية صعبة تحتاج إلى قدرات كبيرة وإرادة صلبة للوصول إلى الهدف الأعلى وهو تحقيق العدالة والمساواة للأفراد من أجل بناء مجتمع خال من التابوهات والشوائب الذهنية.

هل أنت تعيشين الأمل أن تشهد المجتمعات العربية ثورات فكرية وثقافية تطهّر تاريخها من أرث الإستبداد والظلم، ويكون المستقبل ديمقراطيا وعادلا بظهور مجتمعات عادلة على أسس ثقافة حقوق الانسان والحريات، أم سنحتاج لثورات دائمة وحية؟

الأمل هو مفتاح الحياة، فهو الذي يقود ارادتنا لتجاوز الصعوبات، فيعطينا اصراراً فولاذياً للاستمرار في معركتنا الوجودية ضد كل أشكال الاستبداد. ما زالت رحلتنا طويلة، لكني كلي أمل و تفاؤل وإصرار لكسب هذه المعركة ولهدم أسوار وجدران ثقافة مترنحة تحت ثقل موروثها البدائي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This