النساء بين عنف الدولة وعنف النوع

1. مع التعذيب الذي تعرّضت له الطفلة زينب بمدينة وجدة، طفا من جديد موضوع العنف الممارس على الطفلات العاملات بالبيوت. وفي نفس الفترة رمى الحرس المدني الأسباني على الحدود مع مليلية المحتلة بامرأة اعتقدت شرطة الحدود المغربية أنها فاقدة للحياة بعدما استشهدت امرأتان يوم 25 ماي من السنة الجارية بالحدود مع سبتة السليبة. ومسلسل العنف في أبشع صوره لا يتوقّف على النساء طفلات قاصراتٍ كنّ أو نساءً راشدات أحيانا، من طرف الدولة كما هو الشأن بالنسبة لتشغيل الطفلات بعدم تدخل الدولة لمنع ذلك، احتراما للاتفاقية الدولية المناهضة لعمل القاصرين، ولما تتعرّض له النساء يوميا من جميع أشكال العنف كما تم توصيفها في المواثيق الدولية، من طرف السلطات الحدودية لكل من المملكة الأسبانية والمملكة المغربية، أمام مرآى ومسمع من حكومتيهما.

الثابت في موضوع العنف هو معاناة النساء، والثابت أيضا في ذلك هي السلطة اللامتوازنة بين طرفي فعل العنف. وسبب اللاتوازن هذا تؤسّسه وتتفاعل فيه مقولات عديدة، منها مقولة النوع والطبقة الاجتماعيين، والسنّ، والمجال أي الانتماء للمدينة أو البادية، والإثنية (غربي، عربي مسلم…). فعندما تتقاطع هذه المقولات كلّها عند فئة اجتماعية معيّنة، كما هو الحال بالنسبة للطفلات الخادمات، من حيث هنّ فئة تعاني من صراع الأجيال و من انتمائهنّ إلى طبقة فقيرة، ومنحدرات غالبا من البادية يضاف إلى ذلك كونهنّ إناثا؛ أو النساء العاملات في “تهريب” السلع أو الاشتغال كخادمات بثغورنا المحتلّة، ففقرهنّ وجنسهنّ وانتماؤهنّ العربي المسلم، مع تركيب كلّ هذه المقولات تصبح النساء في أقصى حالات الهشاشة، ممّا يجعلهن عرضة لجميع أصناف العنف وأشدّها ضراوة، إذ تهدر في هذه الحالات أبسط الحقوق الإنسانية، وتصبح مسؤولية الدولة هي الأساس في رفع الغبن عليهنّ، بالعمل على إصدار القوانين الضرورية لإيقاف نزيف العنف الممارس على هؤلاء النساء والفتيات، والقيام بالتحسيس الضروري من أجل بناء الحسّ الجماعيّ المناهض لتشغيل الطفلات الذي يشكّل العنف الأوّل ضدّهنّ، ومن أجل منع كلّ تجاوز من لدن السلطات الحدودية ضدّ النساء العاملات بها. وبموازاة ذلك، يبقى التمكين الاقتصادي الشرط الأساسي لتفعيل الترسانة القانوية وخلق الحسّ الجماعي.

ففي حالة الطفلات الخادمات، يتعلق الأمر أوّلا بعنف الدولة الذكورية كما سلف ذكره. فعوض الدخول في نقاشات عقيمة عن أنّ النساء هن أيضا يمارسن العنف وكأنهنّ نزلن من كوكب آخر؛ وكأننا بذلك نريد شرعنة العنف الممارس ضدّهنّ، الأحرى بنا الوقوف عند العوامل الثاوية وراء كلّ أشكال العنف. العنف بشكل عامّ متأصّل في المجتمع الأبويّ ومجموع مؤسّساته السياسية والتربوية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. لأنّه مجتمع مبنيّ على السلطة غير المتكافئة بين مكوّناته. بل ذلك ما يشكّل جوهر وجوده. فمنذ عصر الأنوار، يعرف النسق الأبويّ ارتجاجات هامّة، غير أنّ له قدرة كبيرة على التكيّف مع الأفكار والأوضاع الثائرة على نمطه السلطويّ الإقصائيّ، إذ يتوفّر على خصائص ومميّزات تجعل جلبابه واسعا. فالثورة الفرنسية عبر تحقيقها لمفهوم الفرد المجرّد كأساس للديمقراطية السياسية كانت بمثابة الصدمة الأولى لهذا النظام. فجاءت صدمة ثانية خلال القرن التاسع عاشر، هي صدمة حقّ النساء في المدينة وبناء جدران زجاجية شفّافة لبيت الأسرة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، إذ أصبح كلّ ما يحدث في البيت حديثا للمدينة. فكلّ ما هو خاصّ لم يعد كذلك، بل أصبح عامّا. وهنا بدأ النساء يستشعرن أهمّية إعادة التملّك لذواتهن. فتمرّدت النساء على الأبوية عبر أجسادهنّ التي استعملت كأداة للتحكّم فيهنّ، ليس دوما بـ”النار والحديد” أي بالهارد، لكن وفي غالب الأمر بالحبّ والعطف، أو ما يمكن أن نطلق عليه بالصوفت أو السلطة الناعمة.

2. فماهو الدور المطلوب من الحركة النسائية المغربية في مواجهة هذا العنف؟

إنّ العنف الذي تتعرّض له الطفلات الخادمات تتقاطع عنده مستويات عديدة وهو ما تكلّمنا عنه. ويندرج عنف المشغّلات على الطفلات الخادمات وعاملات البيوت بشكل عامّ من لدن النساء في إطار العنف المبنيّ على الانتماء الطبقيّ اللامتوازن، وفي إطار سلطة الكبار على الصغار. إن الطفلات الخادمات يمارس عليهنّ عنف مركّب ينتج عنه اغتصاب لطفولتهنّ، كما هو الشأن بالنسبة للأطفال المشتغلين في بعض الحرف التقليدية كالحدادة والنجارة… فهؤلاء أيضا يتعرّضون لجميع أصناف العنف.

إنّ الطفلات، وخصوصا الفقيرات منهنّ، يشكّلن الفئة النسائية الأكثر هشاشة ضمن النساء، ولهذا أفردت أرضية بكين لسنة 1995 نقطة خاصة بحماية حقوقهنّ، ضمن النقط الإثنتي عشر والتي مازالت لا تشكّل نقطة اهتمام ضمن أجندة الحركة النسائية المغربية. ولذا، فإنّ هذه الفئة تحتاج لبرامج خاصّة بها تتماشى مع احتياجاتها التي تختلف عن حاجيات باقي النساء.

3. إن القول الجاهز بأنّ العنف يمارس على جميع النساء وفي جميع المجتمعات والثقافات، يتطلب منا نوعا من الحيطة. لأنّ من شأن ذلك في المجتمعات المتخلّفة كمجتمعنا، شرعنة ممارسته في وضح النهار دون أدنى مواربة، كما من شأنه أن يكبح نشأة الحسّ العامّ المناهض له، كما أصبح عليه الأمر عند البلدان التي تبنّت سياسات واضحة لمواجهته، على سبيل المثال أسبانيا الجارة. إننا لا نعيش العنف ولا نعاني منه بنفس الطريقة والحدّة. فالمرأة التي تحميها الدولة ويساندها المجتمع في مطلبها ليست نفسها تلك التي تعيش الحصار، ابتداء من ذوي القربى إلى مؤسّسات الدولة والمجتمع.

4. إنّ حماية النساء ضدّ العنف واجب على الدولة، وحقّ من حقوق الإنسان الأساسية لحماية التمامية الجسدية والنفسية للنساء. غير أنّ السياسات العمومية في مجال مناهضة العنف سوف لن تكون فعالة وناجعة إذا لم تأت في سياق برامج شاملة لتعزيز مكانة النساء وإحداث التغييرات الضرورية في العلاقات الاجتماعية بين النساء والرجال، في اتجاه المساواة من حيث القيمة الرمزية للأنوثة والذكورة. وهذا يتطلّب الاشتغال ليس على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فحسب، بل أيضا على مستوى المخيال الفرديّ والجماعيّ وتمثّلاته ورمزياته. ففي خطابه سنة 2007 بمناسبة اليوم العالميّ لمناهضة العنف الممارس ضدّ النساء، 25 نوفمبر، أكد الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنّ ” العنف المبنيّ على النوع، يشكّل أحد أخطر العوائق التي تواجه بلوغ المساواة الكاملة بين النساء والرجال”. ولهذا فطالما لم نقض على هذه الآفة التي لا تهدّد النساء فحسب، بل المجتمع برمّته، فإننا لن نتمكّن من بلوغ المساواة الحقيقية والفعلية.

5. كيف نتصوّر مقاربة شاملة لمناهضة العنف، وليس مقاربة جزئية لن تفضي إلى نتائج حقيقية مهما هدرنا من الطاقات والإمكانيات. مقاربة تزاوج البعد المباشر والأفق الاستراتيجي في المعالجة، تعمل على إحداث الشروخ في البناء المتكلّس للمجتمع الأبوي السلطوي. مقاربة متعدّدة الأبعاد بين مختلف المؤسّسات، المجتمع المدنيّ: الحركة النسائية والحقوقية ومجموعات البحث، والمؤسّسات الحكومية من صحّة وعدل وتربية وشغل…والمؤسّسات الأكاديمية ومؤسّسات التعاون. مقاربة حذرة من تداعيات اعتبار النساء مجرّد ضحايا ( (Approche de victimisation.

6. إنّ العقد الاجتماعيّ الأبويّ غير المكتوب الذي يقنّن الأدوار والوظائف لكلّ من الجنسين، يجعل من الرجل السيّد ومن المرأة التابع. هذا العقد المتجذّر في المخيال الجماعيّ والفرديّ للنساء والرجال على حدّ سواء، بدأ يعرف اهتزازا، وهو ما يمكن أن يشكّل عاملا لتأجيج العنف؛ لأنّ معركة المساواة، وإن كانت معركة اجتماعية سلمية، فهذا لا ينفي عنها أنّها معركة مبنيّة على المصالح والمنافع الفردية والجماعية.

7. العنف النوعيّ مفهوم يطرح اعتماده مخاطر عديدة، إذ نجده يتأثّث بقراءات محافظة تعمل على تكريس التقسيم الذكوري للوظائف بين الجنسين، وبتسطيح أسباب العنف تتساوى المرأة والرجل في ممارسته. فيصبح العنف النسقيّ الممارس ضدّ النساء من طرف المجتمع الأبويّ وخصوصا ذلك العنف غير المرئيّ الرمزيّ وهذا ما يجمعهنّ كنساء، مثله مثل ما يمكن أن نطلق عليه إسم العنف غير النسقيّ أو العرضيّ، وهو أيضا متجذّر في بنية النظام الأبويّ، ويمكن أن تمارسه المرأة على المرأة، أو على الرجل، أو يمارسه الرجل على الرجل. ويرجع هذا العنف غير النسقيّ من زاوية نظر النوع الاجتماعيّ إلى عوامل اجتماعية أخرى مرتبطة. فالرجال لا يعانون من العنف الرمزيّ كجنس، بل يتمتّعون بامتيازات رمزية كونهم يشكّلون “الجنس الأرقى”.

إنّ المقاربة المعتمدة حاليا لمناهضة العنف مقاربة تصلح لعنف غير نسقيّ، غير أنّ ذلك يكتسي أهمية على العديد من المستويات. وكما سبق ذكره فإنّه يساهم في كسر الحاجز الرّمزيّ الذي يفصل بين الحياة العامّة والحياة الخاصة. فلم يعد ممكنا أن يمارس الرجال العنف على النساء بأمان واطمئنان، ويحلقون ذقونهم ويضعون البارفان ويذهبون إلى عملهم، فالحماية القانونية والمدنية للنساء تقضّ مضجع عنف الأفراد على النساء، لكنّ عنف النظام الأبويّ يبقى قائما طالما بقيت العلاقات بين الجنسين مبنيّة على السلطة غير المتكافئة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق