النصّ الأصليّ لخطاب الحبيب بورقيبة عن رمضان (وبذيله فتوى الشيخ جعيط في ذلك)

نقدّم لقرّاء ” الأوان” وثيقة مهمّة في معالجة المسألة الدينيّة في الإسلام تتضمّن أوّل تأويل من زعيم دولة “دينها الإسلام” لركن الصيام تأويلا يخالف صريح النصّ القرآني ويستند إلى مقاصده وبعض ما ورد في السنّة النبويّة بقدر ما يستند إلى إعمال العقل والنظر في المصلحة الفرديّة والعامّة.

وقصدنا من هذا أن نوثّق التوثيق العلميّ للمسألة أوّلا، وأن نطلع القرّاء في تونس وفي العالم الإسلاميّ ثانيا على أسلوب الحبيب بورقيبة في معالجة ما اعتبره من أمور الدين عائقا يحول دون التحديث وبناء مجتمع متطوّر، وأن نوضّح ثالثا حقيقة موقفه من ترك صيام رمضان من خلال استدلاله وحجاجه الذي نترك للقرّاء الحكم عليه دون أن يحتاجوا إلى ما تحفل به الكتابات الإخوانيّة والأصوليّة الرجعيّة، هنا وهناك، من ضروب المغالطة والتزييف التي تختم بالمسارعة إلى الاتهام بالردّة والمروق عن الدين .

وإننا نقدّر حجم الصدمة النفسيّة التي يصاب بها المسلم العاديّ إذ يسمع مجرّد سماع بأنّ بورقيبة دعا إلى ترك الصيام فما بالك بمن له حظّ ولو محدود من المعرفة الدينيّة، دون أن نتحدّث عن الفقهاء التقليديين المتمسّكين بالتأويل المستقرّ تاريخيّا للدين والعقائد. ولكننا نعتقد أنّ قراءة نصّ خطاب بورقيبة يضعف من غلواء هذه المواقف المتسرّعة التي لم تتبّع التحليل في تدرّجه ولم تنظر في الحجج المقدّمة. فما انفكّ بورقيبة يقدّم تصوّراته للمسائل (التي تقرّرت عبر التاريخ الديني والاجتماعي على صورة تخالف ما يدعو إليه) على أنّها اجتهادات من داخل المنظومة الإسلاميّة تعبّر عن جوهر الإسلام كما ينبغي فهمه في عصرنا الحالي، بما أنّ الدين الإسلاميّ عنده صالح لكلّ زمان ومكان، ولكنّ الكسل الفكريّ والتقليد الأعمى وإيمان العجائز وعدم إعمال العقل هي ما يقعد بالمسلمين عن فهم دينهم الفهم الموافق لمقتضيات العصر ومتطلّبات التطوّر.

وإذ نترك للقرّاء متابعة تحليل بورقيبة لواجب الصيام في علاقته بواجب العمل، والحاجة إلى التفرّغ لبناء الأمّة ونهضتها قبل أداء الفريضة الدينيّة، وإذ نترك لهم اكتشاف الأساليب الخطابيّة المعتمدة في الإقناع والحجاج، فإنّنا نشير إلى أنّ الخطاب الذي ألقاه الزعيم بورقيبة لم يكن مخصّصا لرمضان، ولم يلقه أصلا في شهر رمضان، بل ألقاه يوم 5 فيفري من سنة 1960 أمام ثلّة من إطارات الدولة ليقدّم لهم مشروعا أعدّته الحكومة لتشغيل حوالي مائة وخمسين ألف عاطل عن العمل كانت الدولة تحتاج إلى تشغيلهم، حتى لا يبقوا عالة عليها، وليجدوا مورد رزق ولو كان محدودا ودون الضمانات الاجتماعيّة المطلوبة والحقوق النقابيّة التي يكفلها القانون. وفي هذا السياق عدّد الرئيس بورقيبة محاسن هذا المشروع،على نقائصه، ودعا إلى تغيير عقليّة التواكل والرضا بالقسمة والنصيب وبما كتب الله، معتبرا أنّ المعركة هي معركة من أجل محاربة التخلّف والبؤس والخصاصة. وفي هذا السياق العامّ عرّج بورقيبة على مسألة صيام رمضان بحضور مفتي الديار التونسيّة فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط (ت 1970، ولم يتورّع بورقيبة عن نسبة الفتوى إليه كما هو بيّن في إحدى فقرات النصّ الذي نورده أسفله.

لذلك ذيّلنا المقتطف الخاص برمضان من خطاب بورقيبة بنصّ الفتوى عدد 20 المتعلّقة بـ”الأعذار المبيحة للفطر في رمضان” وقد صنعها شيخ الإسلام بعد سبعة أيّام من الخطاب المذكور (أي يوم 13 فيفري 1960)، وقبل دخول شهر رمضان من سنة1379 هـ يردّ بها، ولا شكّ، على الزعيم بورقيبة بلغة تقليديّة لا ننتظر غيرها من رجل زيتونيّ أملى عليه ضميره وموقعه الدينيّان أن يقول ما قال، محدثا المفارقة الجلّيّة بين تصوّراته وتصوّرات بورقيبة وبين أسلوبين في مقاربة شؤون الدين والدنيا. لذلك نعتبر فتوى الشيخ جعيط مكمّلة لخطاب بورقيبة على ما بينهما من تناقض؛ فهما يجسّدان تاريخيّا الصراع الذي كان يخوضه بورقيبة ضدّ رجال الدين، وسعيه في آن واحد للاعتماد عليهم بصفتهم سلطة رمزيّة، بقدر ما يجسّدان الصراع الذي كان يعيشه الفقهاء بين تصوّراتهم التقليديّة وأفكار الرجل القويّ الخارج لتوّه من محاربة الاستعمار الفرنسيّ، وهي أفكار بدت لهم مجنونة: لا هم قادرون على مواجهتها وردّها ولا هم قادرون على قبولها وتبريرها.

{{1.مقتطف من خطاب بورقيبة}}

“هناك عراقيل كثيرا ما يعتبر التونسيون أنّ مرجعها إلى الدين والدين براء منها، فالدين خلو من الأوهام القديمة التي يعبر عنها بسطاء الناس: “بالمكتوب” فيقولون: “كل حدْ وقسمُهْ” و”ربّي ما يخلق نفس كان ما يخلق قسمها”.

ونحن اليوم على أبواب رمضان لا يفصلنا عنه إلاّ ثلاثة أسابيع. ومسألة صوم رمضان درستها طويلا ومن واجبي أن أبسطها هنا بكلّ صراحة بحضور مفتي الديار التونسية الذي اجتمعت به قبل اليوم وتحادثت معه مرّات متكرّرة بشأن هذا الموضوع.

إنّ التعبئة التي ندعو إليها والعمل المتواصل المتحتّم والضروريّ تعترضه عقبات يعتبرها الشعب ذات مصدر ديني، فيقول الناس: “أقبل رمضان ولا عمل فيه والأمر لا ينازع فيه منازع”، هذا هو الحدّ الذي وصل إليه الأمر … ويقولون: هل أسمى لدى المرء من دينه؟ ويرون أنّ صيام رمضان قد يؤدّي بالمرء إلى الإمساك عن كلّ عمل ولا جناح عليه. وعندما تريد أن تحاسبه عن تكاسله يتذرّع بالصوم ويتمسك برمضان.

إنّ أمّة بأكملها تسعى ما وسعها لتنمية الإنتاج القومي، وتبذل جهد طاقتها في ذلك السبيل، وبين عشية وضحاها ينهار إنتاجها ويكاد يضمحلّ تماما وتسأل عن السبب فيجيبك بأنّه رمضان.

وتلتفت حولك فلا ترى إلا متثائبا أو مستسلما للنوم.

وهذا أمر لا يمكن أن يستمرّ لأنّه ليس من الدين في شيء.

وهذا أقوله هنا بحضور مفتي الديار التونسية الذي سيخاطبكم مباشرة في الموضوع بعد يوم أو يومين، وأكرّر القول بأنّه ليس من الدين، وإنّه إسراف في فهم الدين.

إنّ من يكون صائما وقائما بواجبه الديني حسبما يفرضه عليه الإسلام ثمّ يدرك أنّ ضعف بدنه لا يسمح له بالعمل فيستمرّ في الصوم تاركا العمل .. إنّ من يكون هذا شأنه لا يقرّه الدين عليه حسبما يراه مفتي الديار التونسية. وسيشرح لكم ذلك بنفسه.

إنّ الله جعل الدين يسرا لا عسرا، وقد خفّف على عباده جميع الفروض التي تشقّ عليهم وينالهم التعب في أدائها، والصيام أشقّ هذه الفروض على النفس لم يفرضه الإسلام باعتباره ضربا من ضروب تعذيب النفس البشرية. والتعذيب الذي تقرّه بعض الأديان لا يقرّه الإسلام ولا يعتبره موجبا للجزاء بالجنّة أو أداة للتكفير عن الذنوب.

هناك أناس يفرضون الحرمان على أنفسهم وينزعون عنهم أثوابهم ويلوذون بالفقر ويلبسون بعض أكسية صوفية ويقنعون بكسرة من خبز تسدّ رمقهم. والذين يبلغون تلك الدرجة من التصوف ويتعبدون على تلك الصورة لا يقرّهم الإسلام في ذلك.

{{
التخلّص من الانحطاط كفرض الجهاد}}

إنّ ديننا دينٌ جميع فروضه قائمة على العقل والمنطق وغاياتها معروفة يتناولها التدريس.. وهي تمرين وتجربة وتطهير.

ولكن ما يتعارض منها مع ضرورة الحياة وما تقتضيه الحياة والكفاح من أجل الحياة فإنّها تسقط بطبيعتها ويصبح المسلم في حلّ منها.

فالله سبحانه وتعالى أعفى المسافر من الصوم نظرا لما كان يلاقيه من بعض الأتعاب، فكيف لا يعفيه عندما يتعلّق الأمر بشغله الذي لا عيش له بدونه. ولا يملك أن يقتات ويكسب تلك الكمية الضئيلة من الدقيق التي تكفل له قوت أطفاله إلاّ عن طريق الشغل، زد إلى ذلك أن الشغل ضرورة يفرضها السعي لخروج الأمة الإسلامية عن طور الانحطاط والتخلف، فتونس البلاد الإسلامية تعاني درجة من الانحطاط تجلب لها العار في نظر العالم، ولا سبيل لأن ترفع هذه المعرّة عن جبينها إلا بالعمل الدائب المتواصل والشغل المثمر المجدي، والتخلص من هذا الانحطاط فرض وجهاد حكمه كحكم جهاد السيف. ولذلك فإنه لا يمكن أن يعرقل جهادها أو يعطله أو يوقف انطلاقه أو يقعدها عنه فرض الصوم، فالصوم يحطّ من إمكانيات الفرد ويجعله لا يقوى على واجب هو ليس واجبا شخصيا بل واجب نحو أمّته ونحو دينه.

هذا ما يتعيّن عليكم إدراكه حقّ الإدراك دون أيّ التباس قد يركبه خصومنا الكثيرون مطيّة للتهجّم علينا وحملنا محمل الكفر والعياذ بالله. إني لا أدعو الأمّة إلى ترك الصيام بل إنّي أقول أنّ تعبا يقعدهم عن شغل حيويّ يكسبكم قوتكم وقوت ذويكم ويوفر لكم سببا من أسباب رفع هذا الدين إلى المستوى اللائق به .. إذا خفتم أن يحول بينكم وبين هذا العمل المطلوب منكم لبلوغ هذه الأهداف السامية، فإن فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط يقول لكم إنّ الدين يجعلكم في حلّ من الصيام على أن تؤدوا صيام الأيام التي فطرتم فيها عندما يتيسر لكم ذلك، يوم تحالون على التقاعد مثلا أو عندما تكون الظروف مواتية، ليس هناك مانع ديني يمنع من ذلك.

{{ولكم في رسول الله أسوة حسنة}}

أما اليوم فإننا نواجه تعبئة عامّة يتعيّن فيها أن يكون العمل متواصلا لا يعرقله معرقل ولا يوقف اندفاعه شيء. والخطر كل الخطر أن يتكسّر الاندفاع وأن يتعطل شهرا أو شهرين بدعوى أن صوم رمضان هو السبب.

إننا في غمرة مشاكلنا ومعاركنا السياسيّة لم نجد وقتا كافيا لدرس السيرة النبويّة بإمعان. ولقد اطلعنا عليها وعلمنا منها الكثير ولكن جوانب منها لم نهتد إليها. وقد أرشدني فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيط في مجلس جمعنا مع فضيلة الشيخ الطاهر بن عاشور إلى حادثة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم دلتنا على رأيه واتجاهه وعلى تصرّفه لو بقي صلى الله عليه وسلّم حتّى اليوم. يقول فضيلة مفتي الديار التونسيّة إن رمضان أدرك المهاجرين والأنصار وهم يسلكون طريقهم بقيادة النّبي الكريم إلى فتح مكّة فصام بعضهم وأفطر آخرون، فأراد صلى الله عليه وسلّم أن يشجعهم فأفطر ومع ذلك تمسك البعض منهم بالصوم فأمرهم بالإفطار وقال لهم :”أفطروا لتقووا على ملاقاة عدوّكم”، حديث شريف وسنّة نبويّة كريمة كانت مجهولة منا والحال أنها جديرة بأن تلقى كل يوم جمعة في الجوامع والمساجد، وأن تظفر بما هي حرية به من درس وتحليل لقد كان صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى جنود الإسلام ليقهر بهم أعداء الدين، وماذا يفيد الدين يا ترى إذا تمسكوا بالصوم ثم اندحروا أمام قريش.

إنّ جميع رجال الدين الحاضرين في هذه القاعة يعلمون أن الإسلام يحضّ على الإفطار في رمضان ليقوي المسلمون على أعدائهم وأعداء المسلمين اليوم: الانحطاط والخصاصة والذل والمهانة. إن الدين يأمركم أن تقووا على أعدائكم كي لا تبقوا في مؤخرة الأمم، وإذا اردتم أن يكتب الله لكم ثوابا في الدار الآخرة فما عليكم إلاّ أن تعملوا بضع ساعات إضافية خير لكم من صوم لا عمل فيه يدفعكم إلى زيادة التقهقر.

وهذه السنة النبوية كشفت القناع عن حقائق دينية كانت مجهولة لا يتعرض لها الفقهاء خشية من بساطة الناس.

وهناك واقعة أخرى في السيرة النبوية حدثنا عنها أساتذتنا عندما كنا تلاميذ بالمدرسة الصادقية، وهي أن النبيّ صلي الله عليه وسلم التقى في طريقه برجل يتعبّد في صومعة يقضي ليله ونهاره مصليا، وقيل له أنه زاهد في الدنيا، فسال عمن يطعمه فقيل له إنه أخوه، وكان حاضرا، فالتفت إليه رسول الله وقال له: إنك أفضل منه لأنك تعمل من أجل إطعامك وإطعامه أو كما قال.

{{الدين لا يبيح القعود عن العمل:}}

هذا هو ديننا الحنيف الصالح لكل زمان ومكان والمساير لجميع الظروف، والبلاد التي تدعو فيها الحاجة إلى الشغل والعمل والجهاد في منطقة معينة لا يمكن أن يقعدها الدين عن ذلك، لاسيما وهو دين يدعو إلى الجهاد، وإذا ما قال قائل إن الدين يقعد بالمسلمين عن التطور والتقدم فإنّي أردّ عليه بأنه يستحيل أن يكون الدين سببا في تأخّرنا وفي ضعفنا.

والأمر لا يدعو إلى اجتهاد كبير، بل يكفي أن نراجع كتب السيرة التي لا تترك مجالا للتردد في الإمساك عن الصوم حالما يشعر المرء بخطر يهدد بدنه أو شغله أو إنتاجه، أو ينال منه في القيام بواجبه في هذه الدنيا وفي سعيه ليحظى بعيش الكرامة وفي مساهمته لتخليص بلاده من التخلف والانحطاط.

إن الدين والحالة تلك لا يطالب بالاستمرار في الصوم ويراه غلوا ولا غلوّ في الدين. ولكنه الجهل جعل الناس يعتقدون أمورا ما أنزل الله بها من سلطان عن حسن نية.

وقد تكونت عادات وتقاليد ارتبطت برمضان، لعلها السبب الرئيسي فيما أصابنا من انحلال عزائمنا في ذلك الشهر، فقد ألف الناس أسماره الطويلة ومآكله الدسمة وخلاعة ملاهيه وغير ذلك مما يأباه الدين ويجرّ إلى النكبات وفقد الثروات، وكثرة المأكل تؤدّي إلى تأزم الأمراض بل هي التي تثيرها.

كل هذا يجب أن يوضع له حدّ وأن يتوقّف السهر عند حدّ معقول، لأنه هو الذي يحول بين الرجل وبين القيام بواجبه في الغد، فتتكون عادات جديدة وتتبدل المواعيد وينحزم كل نظام وتشحب سحنات وتصفرّ وجوه، ولا يعود أيّ كان يستطيع أن يقوم بعمل منتظم مثمر، وكلٌّ يشكو رمضان وتعب الصيام. ولعل أكثر الناس شكوى من رمضان اولئك الذين يفطرون ولكنهم يتأخرون عن مواعيد العمل أكثر من سواهم.

وعليه، فابتداء من هذا العام تقرّر منع جميع هذه التصرّفات المخلّة بالكرامة والمفسدة للأخلاق، فلا تتغير أوقات العمل في المصالح الإدارية، ولا يتجاوز السهر منتصف الليل، ولا تقام الحفلات الراقصة في المقاهي وغير ذلك من الأمور المزرية، ولنا الكفاية في أعيادنا الدينية والوطنية لنتّعظ ونعتبر، ولا داعي لتواصل عيدنا شهرا كاملا وأن يمتدّ إلى شهر قبله وشهر آخر بعده، فكفانا استهتارا بالقيم والأخلاق والدين في آن واحد. إنّنا في حاجة إلى القوّة وهذه الدولة بما عرف عنها من حزم ونكران ذات واخلاص وحبّ للخير جديرة بأن تلقى من الشعب الامتثال والطاعة والعمل المثمر رغم العادات الماضية.

ولقد اندحرنا وتقهقرنا ودعانا داعي الجهاد المتواصل فما ضرّنا لو تخلّصنا من جميع العادات الوبيلة وانكببنا على العمل واتخذنا لنا أفراحا معقولة واضحة المعالم مثل الأفراح الوطنية والدينية، بدون أن نتذرّع بها للاستهتار والتفسّخ أو لإثارة الخصومات والخلافات والانزلاق إلى التصارع وتبادل اللكم في سوق العصر والباب الجديد متذرّعين بأنّ ذلك هو تأثير رمضان.

يجب أن نتمسك بجادّة العقل وأن نتبيّن الهدف الذي نسعى لإدراكه، وعندها تهون علينا التضحية بالعادات والسهرات مما يعود علينا بالضرر من جميع الوجوه.

وما كل هذا إلاّ توفير لأسباب النجاح في معركة البناء والتشييد وفي التشغيل المستمر، والأمر يعود إلى التفكير وإعمال الرأي.

والعاطلون الذين نشغّلهم يجب أن يقتنعوا بأننا لا نبغي تمكينهم من الأجور فقط، بل نروم توفير ثروة البلاد والخروج من طور الانحطاط الذي يصمنا بوصمة عار باعتبارنا تونسيين وعربا ومسلمين.

وإذا ما تحقق هذا الهدف ولقينا من الشعب الحماس والامتثال والعمل والعزوف عن العادات البالية والمعتقدات الدينية الخاطئة، وإذا ما واصلنا السير جنبا إلى جنب يدا واحدة، فإننا منتصرون في معركتنا الكبرى؛ معركة بناء دولة حرّة وأمّة مسايرة لمقتضيات العصر في مقدّمة الشعوب الحيّة.

والسلام عليكم ورحمة الله ”

[*{{المصدر:الحبيب بورقيبة :خطب، الوزارة الأولى، نشريات كتابة الدولة للإعلام، تونس 1960-1961}}*]

( العناوين الفرعيّة موضوعة في المصدر نفسه)

{{2.فتوي الشيخ جعيط}}

” بسم الله الرّحمان الرّحيم

و الصّلاة و السّلام على أشرف المرسلين

الفتوى رقم 20 :الأعذار المبيحة للفطر في رمضان

السؤال :ما هي الأعذار المبيحة للفطر في رمضان؟

الجواب: أوّل ما يلزم معرفته أنّ الله تعالى أمر المسلمين كافّة أن يقوموا بصوم أيّام هذا الشهر، أي يمسكوا عن شهوتي البطن والفرج من الفجر إلى غروب الشمس، واهتم بأمر الصوم فجعله من دعائم الإسلام ونصّ على فرضه القرآن والسنّة وانعقد الإجماع على وجوبه واشتهر ذلك فصار من المعلوم من الدين بالضرورة يخرج منكر وجوبه من حظيرة الإسلام ويستحقّ المعتقد وجوبه المتخلّف عن أدائه لغير عذر شرعيّ عقاب الله في الدار الآخرة ذلك هو الخسران المبين.

و الأعذار الشرعية المبيحة للفطر في رمضان هي المرض والسفر بنص القرآن المبين قوله تعالى:

” و من كان مريضا أو على سفر فعدّة من أيّام أخر “البقرة 185 .

وأمّا المرض المبيح للفطر في رمضان فهو المرض الذي يتسبّب الصوم في زيادة آلامه وتأخّر البرء منه، أمّا إذا بلغ المرض حدّا يكون الصوم معه وسيلة لهلاك النفس فإنّه يجب الفطر منه ويحرّم الصوم. ويجب الصوم على الأصحّاء أصحاب الأشغال اليدوية الشّاقة المضطرين للشغل للقيام بشؤون حياتهم وحياة أهليهم، وإذا عرض لهم أثناء الشغل في نهار رمضان عطش شديد أو دوار أو إغماء أو غير ذلك من الأمور المبيحة للفطر، يباح لهم الفطر في ذلك اليوم ويقضونه في بقية الأشهر ولا يلزم الشغّالين ترك العمل خيفة عروض ما يفضي إلى الفطر.

وهنا أنبّه الصّائمين إلى أن ما يشعرون به من الفتور أثناء الصوم متولّد في غالب الأحوال من مواصلة لسهر الليل كلّه أو جلّه فيصبح الصائم لقلّة النوم فاترا عاجزا عن القيام بعمله على الوجه الأكمل، وليس ناشئا عن الإمساك عن الطّعام والشراب بضع ساعات إذا لم يكن الإنسان معتلا. وهذا ما يدعوني إلى التنويه بما أعلنه الرئيس الحبيب بورقيبة على تحجير فتح دور اللّهو في ليالي رمضان هذا الشهر المبارك وعلى وجوب إغلاق الدولة المقاهي في الأوقات المعتادة في أشهر الفطر، الأمر الذي يعين على القضاء على السهر بالقضاء على أسبابه وبذلك نحفظ للجسم صحّته وتوفّر نشاطه وتصان الأخلاق من التدهور.”

{{المفتي شيخ الإسلام في تونس

محمد العزيز جعيط}}

[*{{المصدر: جريدة الصباح 14 فيفري 1960(وقد ألقيت في الإذاعة التونسيّة قبل يوم من نشرها)}}*]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. عبد الرحمن الليثي

    لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
    تكررت كلمة العقل في المقال كثيرا …..الصوم من العبادات …. وكل العبادات لا تخضع للعقل …. ولا يستطيع بشر مهما أوتي من علم ان يفسر الحكمة في فرض العبادات ولا الفائدة التي يجتبيها المتعبد وعلى رأي ابراهبم عيسى عن الصوم ( امر سيادي)
    العبادة والعبودية مشتقان من أصل واحد ….. المسلم الحق يؤدي العبادات من منطلق الطاعة التامة لله سبحانه وتعالى ….. سمعنا وأطعنا ….ليس للعبد ان يناقش اوامر سيده ….او ان يكون له الاختيار في ان يفهم او لا يفهم…ذل …. عبودية ….طاعة بدون فلسفة .
    يصل الإنسان الى الله بعقله ولكن لا يستخدمه في الطاعة …… قول جميل في هذه النقطة (الدابة مطية للوصول الى باب السلطان وليس للدخول عليه)
    قال تعالى( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ان الله لا يهدي القوم الظالمبن) وقال ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق)

  2. imed

    La force des musulmans c”est l’islam et uniquement l’islam. Mais c’est l’élite occidentalisée qui n’a rien compris. La laïcité c’est pas notre fort . Malheureusement …ou heureusement .

  3. imed

    A ce sujet je ne peut que conseiller la lecture des oeuvres d’Emmanuel Todd dont le dernier en date ” Où en sommes nous ? Une esquisse de l’histoire humaine” . Et là on aura tout compris.

أضف تعليق