النصّ الحقيقي والكامل للمناظرة بين رينان والأفغاني (3): رد الأفغاني

 كان يمكن لمحاضرة رينان أن تمرّ دون صخب، لولا عاملين أساسين. أولهما شخص رينان الذي لم يكن مجرد باحث أكاديمي بل كاتب يثير الجدل في كل مواقفه ويمارس تأثيرا كبيرا في الرأي العام السياسي والثقافي في فرنسا. ثانيا، وجود ثلة من المثقفين المسلمين في باريس كانوا قد لجأوا إليها بعد الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882. تحوّلت المحاضرة لهذين السببين إلى حدث إعلامي وحضاري ولقيت صدى ضخما وتصدّى كثيرون للردّ عليها. ومن بين الردود ما كتبه جمال الدين المدعو بالأفغاني ونشر في صحيفة “لوديبا” يوم 18-05-1883.

لقد نسيت كل الردود باستثناء ردّ الأفغاني، مع أن هذا الردّ كان أثار عند نشره سخط المسلمين المحافظين بينما حظي بإعجاب رينان والمثقفين الفرنسيين. قلبت الوقائع لتكرّس صورة الأفغاني المنافح عن الإسلام المتصدي للافتراءات الغربية ضده. بدأها أحمد أمين في كتابه “زعماء الإصلاح في العصر الحديث” عندما انتقى فقرات من الردّ مبتورة لتستقيم هذه الصورة، ثم نقل عنه أغلب الدارسين.

لا شك أن المطلع على الأصل تتملكه الحيرة أمام الآراء الواردة في المقال المنشور بقلم الأفغاني، ما يطرح سؤالا آخر عن حقيقة نسبة الآراء إليه وهل تراها تعكس فعلا قناعاته؟

أمّا أن يكون المقال قد نشر باسم الأفغاني فهذا ما لا يقبل الشك، فقد احتفظ المستشرق لويس ماسينيون بنسخة من الصحيفة التي نشر فيها المقال موقعا باسم الأفغاني، وتاريخها الجمعة 18 مايو 1883، وكان رينان قد قرأه بهذا التوقيع فرغب في ملاقاة الأفغاني شخصيا. كذلك قرأ كتاب وديبلوماسيون مسلمون الرد باسم الأفغاني وعبّر بعضهم عن سخطه للأفكار الواردة فيه.

وأمّا أن يكون الأفغاني قد كتبه بنفسه فلا نشكّ في بطلانه، لأنّ الأسلوب الفرنسي الراقي الذي كتب به المقال لا يمكن أن يكون أسلوب الأفغاني، فهو أسلوب شخص يتقن لغة فولتير منذ فترة طويلة. أما المعلومات التي تقول إن الأفغاني كان يتقن العديد من اللغات فهي مجرد أسطورة من الأساطير الكثيرة التي علقت بشخصه. فقد كانت معرفته باللغة الفرنسية ضعيفة أو شبه معدومة، على الأقل في سنة 1883.

والافتراض الذي نميل إليه هو أن الأفغاني قد عرف صحيفة “لوديبا” التي نشرت المقال المذكور بفضل صديق له هو خليل غانم (1846- 1903)، وهو واحد من النواب العرب في المجلس النيابي العثماني (“مجلس المبعوثان”) فرّ إلى فرنسا بعد قرار السلطان عبد الحميد الثاني حلّ هذا المجلس، والتقى الأفغاني في باريس، كما تشير إلى ذلك بعض تقارير المخابرات الفرنسية، ويبدو من خلالها أيضا أن أحد الموظفين العثمانيين قد استغل صدور هذا المقال ليعرّض بالعلاقة بين الأفغاني وخليل غانم، وهي علاقة يمكن ترجمتها سياسيا بأنها بداية ولادة قومية شرقية غير عثمانية بعد تخلي عبد الحميد الثاني عن سياسة الإصلاحات. فالأرجح أن يكون خليل غانم هو محرّر أفكار الأفغاني في الرد على رينان، وقد تصرّف فيها خالطا إياها بآرائه الخاصة. وكان خليل غانم يتقن الفرنسية ويكتب بها المقالات في الصحف الفرنسية وكان من المناوئين للتدخل الأجنبي وللاستبداد العثماني في آن واحد وقد حاول مثل الأفغاني تأسيس صحيفة تعبّر عن هذا الخط السياسي فأنشأ “البصير” لكنها لم تنجح لأسباب مالية.

ومع ذلك يتحمّل الأفغاني مسؤولية المقال، لأنه ألقى أفكاره الأولى، ولم يتبرّأ منه عند صدوره، ولا يمكن أن نتصوّر أن مساعديه الذين كانوا يلخّصون له الصحف الأجنبية قد فاتهم أن يلفتوا نظره إلى خطورة بعض الآراء الواردة فيه. وافتراضنا أن الأفغاني فضّل إبقاء الأمر على ما هو عليه لأنه كان يحاول التقرب في تلك الفترة من التيارات السياسية الفرنسية، المناهضة للاستعمار عموما أو المناهضة خاصة للتوسع البريطاني في المشرق. ولم يكن همّه إلا توجيه الرأي العام الفرنسي للضغط على السياسة الخارجية الفرنسية لتكون أكثر حضورا في القضيتين المصرية والهندية وتمنع بريطانيا من الاستفراد بهما.

ثم إنه يبدو لنا أن الفكرة الأولى التي انطلق منها الأفغاني ترجع إلى ابن رشد والصوفية المسلمين، وهي ثنائية الحقيقة ووجود معرفة عقلية للخاصة ومعرفة شرعية للعامة. هذه الفكرة قد تكون نفسها مضمون المحاضرة المشهورة في الصناعات التي كانت سبب طرده من عاصمة الخلافة وانتقاله إلى مصر. أما ترجمان أفكاره إلى الفرنسية فقد أخرجها في قالب “نشوئي”، وكان العصر يتميز بانبهار المفكرين العرب المستنيرين بالنشوئية الداروينية والسبنسرية، فضلا عن آثار النزعة القومية العلمانية الواضحة المعالم في هذا المقال.

ومهما يكن الأمر، فإن هذه الوثيقة التي نقدم للقارئ العربي تعريبها كاملا ودقيقا تطرح لغزا آخر من ألغاز حياة الأفغاني، ولا يمكن للبحث العلمي أن يتغاضى عنها أو يسقط بعض أجزائها. مع الإشارة إلى أنّنا نحتفظ في بعض المواضع بالتعريب الذي نشره أمين إذا بدا لنا وفيّا في نقل المعنى.


الردّ على رينان
صحيفة “لوديبا”، الجمعة 18 مايو / أيار 1883


سيدي،

اطلعت في العدد الصادر بتاريخ 29 مارس من صحيفتكم المحترمة على محاضرة في الإسلام والعلم ألقاها في محفل مرموق السيد رينان الشهير الذي عمّ صيته الغرب كله وبلغ أقاصي البلدان الشرقية. ولقد أوحت إلي هذه المحاضرة ببعض الملاحظات رغبت في تسجيلها في هذه المقالة متشرفا بإرسالها إليكم رجاء أن تنشر على أعمدة صحيفتكم.

لقد سعى السيد رينان إلى توضيح مسألة تتعلق بتاريخ العرب ظلت إلى الآن غامضة، كما سعى إلى إزاحة الستار عن حقيقة التاريخ العربي. إلا أن الحقائق التي يقدمها قد تعكّر صفو من أضمر الإجلال لهذا الشعب العربي الذي لا يمكن أن يتهم بكونه قد اغتصب دون حق المكانة والرتبة اللتين احتلهما سابقا في التاريخ. ولا نظن أن السيد رينان كان يقصد النيل من مجد العرب، بل نراه قد استنفد جهده لاكتشاف حقيقة تاريخية وإذاعتها كي تكون معلومة بين الناس، وخاصة الباحثين في أثر الديانات في تاريخ الأمم والحضارات. فأبادر بالتسجيل أن السيد رينان قد برع في هذه المهمة العسيرة لأنه قدّم استدلالات على مسائل كانت خافية إلى حدّ الآن. إني أجد في محاضرته ملاحظات رشيقة ونظرات جديدة وروعة يتعذر وصفها. ولم أطلع على هذه المحاضرة إلا من خلال ترجمة تقريبية لمعانيها، فلو كنت قادرا على قراءتها بالفرنسية لأحطت بأفكار هذا الفيلسوف بأفضل مما فعلت. فليتقبل مني تحية متواضعة تكون عربون احترام وتعبيرا صادقا عن إعجابي. وأنقل إليه في هذه المناسبة قول شاعر كان يحب الفلسفة هو المتنبي، فهو القائل منذ قرون
وذنبي تقصيري وما جئت مادحا بذنبي ولكن جئت أسأل العفو

إن محاضرة السيد رينان تقوم على فكرتين أساسيتين. فقد اتجه الفيلسوف الألمعي إلى الاستدلال على أن الديانة الإسلامية هي في جوهرها ديانة تناقض تقدم العلوم، والاستدلال على أن الأمة العربية تبغض في طبعها الفلسفة وعلوم ما بعد الطبيعة.

كأن السيد رينان يقول: إن الفلسفة نبتة نفيسة يبس عودها بين أيدي العرب فكأنها تحترق بلفح رياح الصحراء. إلا أن قراءة محاضرته تدفع إلى التساؤل إذا كانت هذه العوائق تختص بالديانة الإسلامية وطريقة انتشارها في العالم، أم هي عوائق تختص بطبائع الأمم التي اعتنقت الإسلام وما تتميز به من أخلاق واستعدادات، سواء الأمم التي اعتنقت الإسلام طوعا أو بالقوة؟ لا شك أن ضيق الوقت قد حال دون توضيح المحاضر هذه المسائل. على أن الداء الذي يشير إليه حاصل، ولئن كان عسيرا تحديد الأسباب بدقة والاستدلال بالقاطع من البراهين فإن الأكثر عسرا أن نجد لهذا الداء الدواء الشافي.

أقول حول الفكرة الأولى: لا توجد بين الأمم أمّة قادرة منذ النشأة أن تتبع طريق العقل المحض. إن الرعب الذي يخيّم على كل أمّة ويحكم عليها غشاءه لا بدّ أن يمنع عنها القدرة عن التمييز بين الخير والشر وعن إدراك أسباب السعادة وتبيّن مصادر الخيبات وعوامل استمرار الشقاء. فتظل عاجزة عن استجلاء العلل وتبين الآثار.

هذه حال تمنع الأمة أن تنقاد لما فيه خيرها أو تمتنع عن المضر بها بمحض الإرادة والاختيار. فاضطرت الإنسانية أن تبحث خارجها عن موئل للسكينة وملاذ يجد فيه ضميرها المضطرب شيئا من الراحة. وبرز حينئذ بين الناس معلّمون لئن لم يكونوا قادرين على حملها على إتباع سبيل العقل فقد دفعوا بأبصارها في متاهات الغيب وفتحوا أمام أنظارها آفاقا رحبة ترضي خيالها وتجد فيها مجالا للتعبير عن آلامها عندما يتعذّر عليها الإشباع الكامل لرغباتها.

إن الإنسان لما كان جاهلا في بدئه بعلل الحوادث المحيطة به وأسرارها فقد رام تسليم أمره إلى المعلمين يتبع إرشادهم ويخضع لأوامرهم. ففرضت عليه الطاعة للكائن الأسمى الذي نسب إليه هؤلاء المعلمون كل الأحداث ومنعوا أن يجادل في الشر والخير. إني أسلم أن الإنسان قد أخضع بذلك إلى أثقل استعباد وأكبر ازدراء. لكن هل ينكر أحد أن ذلك التهذيب الديني، سواء أكان مسيحيا أم إسلاميا أم وثنيا، هو الذي كان مرشد الأمم للخروج من حال التوحش والارتقاء في طريق المدنية؟

وإذا سلّمنا أن الديانة الإسلامية كانت عائقا يحول دون تطوّر العلوم فما الذي يدفعنا إلى اليقين أن هذا العائق لا يرتفع في يوم من الأيام؟ بماذا تختلف الديانة الإسلامية عن غيرها من الديانات؟ أليست الأديان جميعا تشترك في التعصب، كل بطريقته الخاصة؟ خذ مثلا الديانة المسيحية، وأقصد الناس الذين اتبعوا تعاليم هذه الديانة وتكيف سلوكهم بأحكامها. لقد خرجت من الطور الأول الذي أشرت إليه وهي تتقدم بخطى سريعة في طريق العلم والتطور بعد أن أصبحت حرّة مستقلة. أما المجتمع الإسلامي فلم يتخلص إلى الآن من وصاية الدين. وكلما تذكرت أن الديانة المسيحية سبقت الإسلام بقرون إلا واعتراني الأمل في أن تحطّم الأمة الإسلامية يوما أغلالها وتتقدّم شامخة في طريق المدنية على شاكلة الغرب الذي لم تثنه عن ذلك العقيدة المسيحية رغم صرامتها وتعصبها.

لن أقبل أبدا أن يستثنى الإسلام من هذا المسار، وأنا أدافع هنا في وجه السيد رينان عن قضية مئات من ملايين البشر الذي سيقبعون في غياهب التوحش والجهل لولا هذا الأمل، ولا أدافع عن قضية الدين الإسلامي.

أقرّ بأن الإسلام حاول خنق العلم وعرقلة تطوّره، فنجح في تعطيل حركة الفكر والفلسفة وأثنى العقول عن البحث عن الحقائق العلمية. لكن الديانة المسيحية لم تكن على علمي براء مما يشبه هذا، فرؤساء الكنيسة الكاثوليكية وهم الممثلون للأغلبية لم يلقوا إلى الآن أسلحتهم في المعركة ضد العلم. ومازالوا يحاربون حربا ضروسا ما يدعونه التدليس والضلالة.

إني أدرك أن المسلمين سيواجهون مصاعب جمة في سبيل بلوغ المدنية لأنهم ممنوعون من اقتحام الطرق الفلسفية والعلمية. والمؤمن عندهم مدعوّ إلى الابتعاد عن طلب الحقيقة العلمية التي هي حقيقة الحقائق، كما يشهد ذلك الأوروبيون. فهو مثل الثور المقرون إلى العربة، إنه مقرون إلى العقيدة مستعبد لها مدفوع أبدا إلى السير في المنهاج الذي خطه له الفقهاء. كما نراه مقتنعا بأن دينه حاو كل الأخلاق والعلوم فلا يرى حاجة إلى التطلع إلى مصدر غيره ولا يشعر بفائدة في أن يرهق نفسه بتفكير يبدو غير ذي جدوى بعد أن ساد لديه اليقين بأنه يمتلك كل الحقائق. هل يفقد الإيمان ويترك ما هو عليه من سعادة أو يدرك أن الكمال ليس الدين الذي يدين به؟ إن الخشية من لفح الحيرة تجعله نفورا من إعمال العقل.

أدرك هذا تمام الإدراك، لكني أخالف السيد رينان في الوصف الذي قدّمه لكم للفتى العربي المسلم عندما رسم هيأته في عبارات قاسية، قائلا إنه يتحوّل بتقدّم السن إلى متعصب أحمق متكبر لشعوره بامتلاك الحقيقة المطلقة. إن هذا الفتى ينتمي إلى جنس ترك بالغ الأثر عند دخوله حلبة التاريخ، ولم يكن أثره السيف وحده فقد قدّم أيضا الأعمال الجليلة التي تثبت ولعه بالعلوم، العلوم جميعا ومنها الفلسفة التي اعترف أنه لم يتحمّلها إلا فترة قصيرة.

أراني أساق هنا إلى الحديث عن المسألة الثانية التي طرحها السيد رينان في محاضرته ببراعة واضحة. لا ينكر أحد أن الأمة العربية خرجت من وضع التوحش الذي كانت عليه في الجاهلية وأخذت تسير في طريق التقدم العلمي والذهني في سرعة لا تعادلها إلا سرعة الفتوحات، فاستوعبت خلال قرن كل العلوم الإغريقية والفارسية التي كانت في منشئها الأصلي قد ّتطوّرت ببطء وامتدّ تطورها قرونا. وفي مدة لم تتجاوز القرن أيضا امتدت فتوحات العرب من الجزيرة العربية إلى جبال الهمالايا وقمم البيرنيس. فتقدمت العلوم تقدّما مدهشا في تلك الفترة وشملت كل مجتمعات العرب والمجتمعات الخاضعة لسلطانهم. كانت رومية وبيزنطة في السابق مهدين للعلوم اللاهوتية والفلسفية ومركزي أنوار المعارف الإنسانية جميعا، وقد دخل اليونان والرومان عصر المدنية منذ أمد بعيد فكانت لهم القدم الراسخة في ميدان العلم والفلسفة. ثم جاء عصر توقف فيه علماء اليونان وروما عن البحث وتخلوا عن الدرس، فهدمت النصب التي أقاموها للعلم ودرجت كتبهم القيمة في طي النسيان. وقد كان العرب في وضعهم الأصلي من الجهل والتعصب حين ورثوا عن الحضارات المتمدنة ما تخلت عنه، ومع ذلك فقد أحيوا العلوم المندثرة وطوروها وأعادوها إلى الحياة بما لم يسبق له مثيل. أليس هذا دليلا على تعلقهم الفطري بالعلم؟

أجل، أخذ العرب عن اليونان فلسفتهم كما جرّدوا الفرس عن ما اشتهروا به في العصور القديمة. لكن هذه العلوم التي اغتصبوها بحقّ الفتح قد طوّروها ووضحوها ووسعوها ونسقوها بذوق كامل ودقة نادرة. ثم إن روما وبيزنطة لم تكونا أقرب للعرب وعاصمتهم بغداد من الفرنسيين والألمان والإنجليز، فلماذا لم يبذل هؤلاء جهدا في سبيل استغلال الكنوز العلمية المطمورة في تلك المدينتين إلى أن أنارت المدنية العربية على قمم جبال البرينيس وأشعت ضياء وبهاء على الغرب؟ أجل، استقبل الأوروبيون أرسطو بعد أن توشّح بالزي العربي، لكنهم لم يهتموا به عندما كان قابعا بين جيرانهم اليونان (المسيحيين الشرقيين). أوليس هذا برهان ناصع ثان على تفوّق العرب في مجال الفكر وتعلقهم الفطري بالفلسفة؟

حقا سقطت في الجهل ثانية الأقطار التي كانت مراكز المعرفة مثل العراق والأندلس بل أصبحت أوكارا للتشدّد الديني، لكن لا يمكن أن نستنتج من هذا المصير البائس أن العرب كانوا غائبين عن الحركة العلمية والفلسفية في القرون الوسطى وهم الذين كانوا أصحاب السيادة آنذاك.

إن السيد رينان يقرّ لهم بذلك على كل حال، ويعترف أنهم حفظوا قرونا تراث الإنسانية العلمي وطوّروه. وهل من رسالة أكثر نبلا من هذه يمكن لأمة أن تضطلع بها؟ يسلّم السيد رينان أن الأقطار الإسلامية ضمّت علماء ومفكرين عظاما طوال خمسة قرون من سنة 775 ميلادي إلى أواسط القرن الثالث عشر. وكان العالم الإسلامي آنذاك يتفوق على العالم المسيحي في الثقافة والعلوم. لكننا نراه يقول إن النابغين من رجال الإسلام كانوا في الغالب من أصل حراني أو أندلسي أو فارسي أو أنهم كانوا من نصارى الشام. ولست أقصد أن أغمط علماء الفرس صفاتهم الباهرة ولا أن أغض الطرف عن الدور الجليل الذي اضطلعوا به في العالم العربي، ولكن أرجو أن يسمح لي بأن ألاحظ أن الحرانيين كانوا عربا وأن العرب لما احتلوا إسبانيا والأندلس لم يفقدوا جنسيتهم وظلوا عربا. إن اللغة العربية كانت قبل الإسلام عدّة قرون لغة الحرانيين، ولا يتناقض ذلك وكونهم قد حافظوا على ديانتهم القديمة وهي الصابئية كما لا يلغي ذلك انتماءهم للجنس العربي. كذلك كان رهبان الشام في الغالب من العرب الغساسنة الذين اعتنقوا المسيحية.

أما ابن باجة وابن رشد وابن طفيل فلا يمكن القول إنهم كانوا أقل عروبة من الكندي لأنهم نشأوا خارج الجزيرة العربية، فالعامل الأكبر في تميز الأجناس البشرية هو اللغة، ولو ارتفع التمايز باللغة لنسيت الأمم أصولها. إن العرب الذين سخروا أنفسهم لخدمة الشريعة المحمدية وكانوا في الآن ذاته رعاة ومحاربين لم يفرضوا لغتهم على المغلوبين بل احتفظوا بها لأنفسهم وكانوا غيورين بها على الغير. من المسلم أن الإسلام قد دخل البلدان المفتوحة بالعنف الذي نعلم ففرض لغته وتقاليده وعقائده ولم تقدر هذه البلدان على التخلص من نفوذه، وتمثل بلاد فارس مثالا على ما نقول. لكننا إذا بحثنا في القرون السابقة لظهور الإسلام وجدنا علماء فارس على دراية باللغة العربية. فلئن مكنت الفتوحات من تسريع انتشار اللغة العربية فقد أصبح علماء فارس بعد اعتناقهم الإسلام يفخرون بتحرير مؤلفاتهم في لغة القرآن. لا شك أنه لا يحقّ للعرب أن ينسبوا لأنفسهم مجد انتماء هؤلاء الكتاب إليهم لكننا نعتقد أنهم لا يحتاجون إلى ذلك إذ بينهم العدد الكافي من العلماء والكتاب العظام.

ثم ما عسى تكون النتيجة لو أننا تابعنا العرب منذ انطلاق الفتوحات إلى سيطرتهم على العالم فأقصينا كل أجنبي عنهم وعن أحفادهم ولم نعدّ من مزاياهم الأثر الذي تركوا في الأذهان والدفع الذي قدموا للعلوم؟ ألسنا نضطر حينئذ أن نقصر مزايا الفاتحين وخصالهم على حادثة الفتح وحدها؟ آنذاك يسترجع كل شعب مغلوب استقلاله المعنوي ويسند لنفسه المجد كله فلا يبقى شيء يفتخر به هؤلاء الذين زرعوا الزرع وسقوه.

لو عمّمنا هذا الأسلوب لقالت إيطاليا لفرنسا إن مازارين ونابليون إنما ينتميان إليها، ولطالبت ألمانيا وإنجلترا أن ينسب إليهما فخر من رحل من أبنائها إلى فرنسا وتعلم في جامعاتها ورفع عاليا مكانتها العلمية. أما الفرنسيون فسينسبون إلى أنفسهم الأمجاد التي حققها الأحفاد من الأسر النبيلة التي توزعت في أوروبا بعد الثورة الفرنسية.

فإذا كان الأوروبيون ينتمون جميعا إلى نفس العرق فإنه يصحّ أيضا أن يعدّ الحرانيون والسوريون منتمين إلى العائلة العربية الكبرى، وجميعهم من الساميين.

بيد أنه يمكن التساؤل كيف انطفأت جذوة الحضارة العربية بعد أن أبهرت العالم بضيائها؟ وكيف ظلّ هذا المشعل منطفئا والعرب غارقين في لجج الظلام؟

هنا تبدو الديانة الإسلامية مسؤولة، فمن الواضح أنه حيثما حلّت فقد خنقت العلم، وأعانها الاستبداد إعانة كبرى على تحقيق مقاصدها. يروي السيوطي أن الخليفة الهادي أعدم في بغداد خمسمائة فيلسوف ليطهر الإسلام من جرثومة العلم في بلاد المسلمين. وإذا سلمنا أن هذا المؤرخ قد بالغ في عدد الضحايا فلا مجال لإنكار أن هذه المجزرة قد حدثت وأنها تمثل لطخة في جبين هذه الديانة وفي تاريخ الأمة. لكن أراني قادرا على أن أجد في ماضي الديانة المسيحية حوادث من هذا القبيل. إن الديانات كلها تتشابه وإن تعددت أسماؤها ولا مجال للتوافق أو التوفيق بينهما وبين الفلسفة. فالدين يفرض على الإنسان عقائد والفلسفة تحرّره منها أو من بعضها. كيف يمكن والحال هذه أن يتوافقا؟
دخلت الديانة المسيحية أثينا والإسكندرية متواضعة متوددة، وكانت المدينتان على ما هو معلوم المركزين الرئيسيين للعلوم والفلسفة، ثم استقرت المسيحية فيهما وتوطنت فكان أول همها إلغاء العلوم الحقيقية والفلسفة. فخنقتهما ورمت بهما في أدغال المجادلات اللاهوتية، وأصبحت قادرة بذلك على أن تستدلّ على ما لا يمكن الاستدلال عليه بالعقل، من أسرار التثليث والتجسّد وتحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه. تلك سنّة الأديان، كلما سادت وقويت إلا واتجهت إلى إلغاء الفلسفة، وكذلك تسلك الفلسفة إذا آلت إليها السيادة. وسيستمر الصراع بين العقيدة والنظر الحرّ وبين الدين والفلسفة استمرار التاريخ الإنساني. إنه صراع شديد أخشى أن لا تكون الغلبة فيه دائما للنظر الحرّ، فالعقل لا يوافق الجماهير وتعاليمه لا يفقهها إلا نخبة المتنورين. والعلم، على ما به من بهاء، لا يرضي الإنسانية كل الإرضاء وهي المتعطشة إلى المثل العليا التواقة إلى التحليق في الآفاق المبهمة البعيدة التي لا عهد للفلاسفة برؤيتها أو ارتيادها.

جمال الدين الأفغاني

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق