النص القلق … النقد القلق

 
نشر الأستاذ صلاح بوسريف في هذا الموقع بتاريخ 05-7-2008 مقالا بعنوان “النصّ القلق” تناول ما رآه خاصّية جامعة بين عدد من المبدعين العرب في حقل الأدب أمس واليوم (أبو تمّام-جبران-بنطلحة-سليم بركات) تتمثّل في إنتاج “نصّ قلق” لا يطمئن للمعايير الجمالية المستقرّة ويتحرّر من إكراهات النمطية بحيث يَؤُولُ الأمرُ بالقارئ إلى “أفق مفارق لتوقّعاته”. ولهذا النصّ القلق خصائصه لغةً وبنيةً ومعنًى أتى عليها الأستاذ صلاح-بلغة إبداعيّة رفيعة تكاد تكون شعرية أحيانا- يمكن إجمالها بسرعة في التالي :


– الخروج عن المسار البيانيّ العامّ الذي ارتأته الثقافة التقليدية (“شعرية النمط”).
– الاعتداد بمعيار الاختراق والتأسيس لنمط في القول جديد ولذائقة تلتذّ به (شعرية الأفق”).

– من خصائص هذا القول توقه إلى بناء التجربة بناء مستمرّا قائما على الاحتمال والنقصان مقابل ما كان يَسمُ “النمطَ” من اكتمال وانتهاء (“الدينامي” و”المتصيّر”). فهي كتابة لا تقرّ على قرار “تؤكّد قلقها وتؤجّل المطمئنّ وتخوض المجهول “وهي” انسياب وسيلان”.
– ولمّا كانت هذه الكتابة “متشظّية” “ذات فروج وتشقّقات وتصدّعات” فإنّها تنفلت عن محاصرة تراتيب الشعرية الباحثة بمعاييرها الثابتة عمّا يجعل الأدب أدبا وما به يُصنَّفُ في خانة من خانات المدارس الأدبية أو الأجناسيّة.

وربّما مكّنت العودة إلى هذا المقال من تفاصيل أخرى في هذا الصدد.

والمقال عندي فرصة مواتية لإثارة مسألة مهمّة تتّصل بخصائص نمط من الكتابة النقدية الأدبية يقدّم نفسه تحت يافطة “النقد الإبداعي”. ومن أهمّ مطالبه إنتاج نصّ نقديّ إبداعيّ على نصّ إبداعيّ، بحيث تغدو ممارسة النقد مناسبة للكتابة على الكتابة لا مناسبة للهجوم عليه بأدوات نقدية شبيهة بالمعاول الصدئة التي أعدّها أصحابُها-من واضعي المناهج النقدية القديمة والحديثة- لهذا النصّ وغيره بقطع النّظر عن سياقات إنتاجه وخصوصيات صناعته ومقاصد أصحابه ورهانات قرّائه وتباين آفاق معرفتهم وإلخ. هذه المسألة تبدو اليوم من المسلّمات منذ أن تمّ الإعلان منذ نهاية السّبعينات عن أزمة البنيويّة وفشلها في الظّفر بخصوصيات القول الأدبيّ. يومها تمّ إغلاق الدكاكين النقديّة التي جعلت الممارسة النقدية أشبه بالتعذيب النصّيّ وبالممارسة التعبّدية الواحديّة (رغم أنّ بعض أكادميينا لا يزالونَ يَدسُّون مفاتيحَهَا الصدئة ويُديرون بعض حوانيت “الملابس النقدية القديمة” وهم في الآن نفسه يديرون الظهر أمام ما يطرأ من تحوّل في وجوه فهم آليات إنتاج الخطاب الإبداعيّ عامّة وخصائص تقبّله).


وبسبب التنصّل من الإرث البنيويّ أساسا الذي نَمَّطَ مقاييس المعالجة الأدبيّة (مهما اختلفت النّصوص نشأة ذاتية وتاريخية وثقافية وإنشاء لغويا وأسلوبيا وبلاغيا وانتماء أجناسيا ومدرسيا أدبيّا وتقبّلا فرديا وجماعيا)، تمّ إعلانُ ولادة النقد الإبداعي شرطا أساسيا للتعامل مع النصوص الإبداعية نثًرا وشعرًا. وليس خافيا أنّ هذا التوجّه مكّن من إعادة تأهيل الخصوصيّة الإبداعية زمن إنتاج الأقوال الأدبيّة وأعاد الاعتبار للفرد لحظة التقبّل. وليس خافيا أيضا أنّ هذا الاتجاه أثرى الخزائن بروائع نقدية فاقت أحيانا من الناحية الجمالية النصّ الأدبيّ موضوع القول النقديّ، بل أسهمت في التعريف بالأثر الأدبيّ وإدارة الأعناق إليه.


لكنّ مقابل هذا كثر اللّغطُ واختلط السّمين بالسّمين، وتعالت أصوات هنا وهناك تعلن “موت النقد الأكاديميّ” و”سقوط جدار الصرامة النقدية” وضرورة “التحرّر من إكراهات المناهج” و”ضيق المصطلح وتشقيقاته” إلخ… كلّ هذا يجري باسم “الحداثة النقدية” و”ميلاد الناقد المبدع”.


ليس المقام مواتيا هنا لإثارة قضايا ذات علاقة بوجاهة هذا الرأي أو ذاك. وليس جديدا إن قلنا إنّ زمن “محاكم التفتيش النقدي و/أو الإبداعي” قد ولّى. وأنّ الخطاب النقدي لا يمكن بأيّة حال أن يكون حكرا على “تقنييّ النصوص” الذين يشقّقون النصوص تشقيقا ويقتلونها بل يغتالون ماء الأدب فيها إلخ…


لكن هذا كلّه لا يشفع لنا أو لغيرنا أن يجعل من النقد ممارسة “شَعبَويّةً” لمن هبّ ودبّ من فاقدي أصول القراءة وأبجديات المعرفة أو ممارسة نقديّة ذات فائض بلاغي تجعل من القراءة الأدبيّة مجالا خصبا للرطانة والبلاغة الجوفاء بما يحجب إمكان تمييز “الدرهم الأصيل” من “المزيف” على حدّ تعبير أسلافنا من النقّاد القدامى وهم يشبّهون النقّاد بالصّيارفة.


لا يشفع لنا كلّ هذا أن يكون النقد باسم التحديث مناسبة للتضليل والإيهام بالمعرفة من خلال توظيف المصطلحات والتّسميات دون معرفة لمنابتها المفاهيمية وسياقات إنتاجها وتحوّلاتها إلخ… بحيث يجوز نثرها في كلّ موطن بلا ضابط.


وبالعودة إلى مقال الأستاذ بوسريف، ورغم طرافة فكرة مقاله “النصّ القلق” فإنّه بدا في رأينا-ما لم نتبيّن خلاف هذا في ما قد يكون مقالا أو مقالات أخرى توضّح أكثر مقاصد قوله- مثالا على ما آل إليه النقد “المنفلت من عقاله” المعرفيّ والمتحرّر من البعض من الصَّرامة المتأسّسة على حجج نصيّة وتناسق في بناء الفكرة. ويكفي أن نشير إلى بعض السّمات التي ميّزت المقال المذكور والتي لا تحتاج إلى كثير فطنة من ذلك قيامه على :


 المسلّمات:
 
ونشير هنا مثلا إلى حديثه عن أبي تمّام. فعلى إيجازه جاء “ملغّما” بالأحكام النقدية في شأن شعره والتي ملأت بطون الكتب النقدية القديمة والحديثة من ذلك “غموضه” و”اختراقه للنمط” ومفارقة “شعرية المألوف” واعتماد “الاستعارة أساسا لكلّ هذا”. ولا نحتاج هنا إلى شواهد كثيرة لمعرفة أثر الأحكام الأدونيسيّة فيما قاله الأستاذ بوسريف. أمّا قرينة منزع التسليم عنده فغياب الأدلّة وتحليل الشواهد لإقامة الحجّة على ما يورده والذي قدّمه كأنّه من باب تحصيل الحاصل.

 

التعميم والاختزال:
 
وفي هذا المقال أحكام عامّة تختزل التجارب على اتّساع مداها في خاصيّة أو بعض خصائص جمالية وإغفال غيرها ممّا قد يكون من سمات التجربة الجمالية لهذا المبدع أو ذاك. فأبو تمّام صاحب مقترح “شعرية الأفق”. وجبران له ” مشروع” يكمل به ما جاء به أبو تمّام “ليذهب به إلى أقصى التجريب”، وغير هذا كثير من الأحكام “التبسيطيّة” “التعميميّة” و”التعويميّة”.

 

ضبابية الاصطلاح والمفاهيم:
 
 ولا تعوزنا في هذا الشواهد، حيث إنّك تجد نفسك أمام ركام اصطلاحيّ/مفاهيميّ يعسر إدراك أصوله ودلالته فضلا عن وجاهة توظيفه. ويمكن أن نعطي بعض الأمثلة لا غير:

أ- بخصوص نصّ أبي تمّام جاء قول الأستاذ بوسريف “نوع من التركيب الذي كان يخرج باللّغة من التركيب الخطّي المتواصل إلى التركيب المتقطّع الناتئ أو ذي الأضلاع المتعددة التي تفضي إلى المعنى الكثير وتضع قارئها في مهبّ انكساراتها”.


ب- بخصوص نصّ جبران نذكر ما قاله الأستاذ بوسريف : “وضع نصّه في مفترق الجرح- ولعلّ في إقدامه على الكتابة خارج النمط وإبعاد مسبّقات التجنيس ما جعل لغته تختار المفارق وتتيح للشكل أن يكون متصيّرا سائلا أو ديناميا”.


ج- بخصوص تجربة الشاعر المغربي بنطلحة ذكر أنّه: “يجازف بالمعقول ويقصف بكلّ القرائن التي عادة ما تكون في الاستعارة هي نقطة الضوء التي تفضي إلى آخر النفق- يبدّد صلة الوصل ويختار المتشظّي والمتقطّع كصيغة جمع بين المتفرّقات وبالمتقطّع ذاته يصل النصّ كلّه”.


د- وبخصوص تجربة سليم بركات قال : “نصّ يضاعف ليله- هذا ما ضاعف أيضا من بلبلة الشكل وأحرج قراءات قاربت النص أو باعدته باعتمادها على أداة “لا اهتماما للذاتي والمتفرّد”. أمّا بعد فما الذي حصل لنا من فكرة في ذهننا؟ لا أجازف إن قلت: بعض السّراب.


 منزع الإسقاط والربط بين المتباعد :

ثمّة خاصّية لافتة للانتباه وهي أنّ الأستاذ بوسريف على صغر حجم المقال كثّف من الجمع بين تجارب لا جامع بينها إلاّ تسمية “النصّ القلق”. ولا يحرجه في ذلك تباعد الأزمنة والديار واختلاف المشاغل وتباين خوّاص التجربة الجمالية وما تصدره عنه من ابستيميات يعسر إيجاد ما يقرّب بينها. ولا عجب أن نجد سهولة في القفز بين الأسماء وحشد المفاهيم  التي لا رابط بينها، بما يؤكّد خاصيّة المفارقة التاريخية (Anachronisme). فمن أبي تمّام مرورٌ إلى جبران وتوقّفٌ عند مفهوم “ميشونيك” للنصّ والديناميّة “لتينيانوف” وما امتازت به “الأناجيل الأولى : “بابل” و”سومر” من خصائص الكتابة، فحديثٌ عن “ميتولوجيا الواقع” فاستشهادٌ ببنعبد العالي بشأن خلخلة النصّ المعهود، فتناولٌ لتجربة بنطلحة الذي “نقل تجربته كليّا من وضع القصيدة إلى وضع الكتابة” ثمّ عودة إلى حديث “ميشونيك” في “التبعيد” فمرور إلى “إيكو” وحديث عن “الكتابة كتجربة شخصية”. كلّ هذا كان يمكن أن يكون في سياق منهجيّ أكثر اتّساقا ودقّة حتّى لا يتحوّل النقد إلى مجرّد استعراض لأسماء لا مسميّات لها فيكون مجرّد خلطة سحرية لا نظفر من ورائها بشيء.


لكلّ ناقد خصوصيته وحقّه في اختيار المقاربة التي يصطفيها، سواء التزم بالمنهج الواحد أو أقام قراءته على ضرب من الحوارية بحيث يوظّف ما بدا له أنسب بمشاغل النصّ الذي يتناوله، وربّما اصطنع طريقا بكرا يختصّ به، ولكن مع كلّ هذا فلمن يقرأ الحقّ في أن يفهمه ولا نتوقّع ردّا من قبيل ما جاء به أبو تمّام عندما قيل له “لماذا تقول ما لا يفهم؟ فردّ ” ولماذا لا تفهم ما يقال؟)” ويتوصّل إلى بعض مقاصده. ليس النقد في تقديري رجع صدى يرتدّ إلى صاحبه، وليس النقد إهدارا للمُتَاح اللّغوي إيهاما بالحداثة. قد نُفرطُ في هذه “التمارين الأسلوبية” فَنُفرّطُ في النصّ إبداعا ونقدا، فيكون النصّ النقديّ قَلقًا في مكانه…


أمّا خاتمة الكلام فما قاله أبو حيّان التوحيدي محدّثا عن محنة النقد والنقّاد: “إنّ الكلام على الكلام صعب”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This