النص والسياسة والحقيقة في الفكر الأدونيسي

لا شكّ أنّ صدور أيّ كتاب للشاعر أدونيس يُعدّ في نظر مؤيّديه ومعارضيه إشكالية، فأدونيس ورغم تقدّم عمره، ما زال يعمل في تحليله للفكر العربيّ كأنه شابّ، دون أن يظهر الملل عليه، محاولاً أن يكتشف الثغرات والعقبات التي تقف في وجه تقدّم الفكر العربيّ، ولهذا توجد أينما حلّ إشكالية تؤدّي إلى جدل لا مفرَ منه بينه وبين معارضيه، ورغم محاولاته الدائمة في الابتعاد عن هذه المحاورات من خلال عمله وبحثه المتواصل عن الحقيقة الغائبة عن أذهان العرب، فإنّ خصومه مازالوا يتّهمونه بالفوقية وأنه مفكّر يُحاول أن يُصدّر نفسه من خلال أبحاثه المُثيرة للجدل، وهذا ما جعله حالة استثنائية في الفكر العربيّ، أي بكلمة واحدة “مالئ الدنيا، وشاغل الناس”.

في كتابه الجديد “الكتاب الخطاب الحجاب”، الصادر عن دار الآداب ـ بيروت، يحاول أدونيس كعادته أن يثير عدّة قضايا متعلّقة بالتراث والفكر العربي ـ الإسلامي، فالكتاب الجديد لم يضمّ دراسة واحدة بل تضمّن عدّة مقالات شكّلت ترابطاً وثيقاً لا يخفى على قارئ الكتاب، ممّا أضاف جمالية فكرية للكتاب، فمثلاً في مقالة« تفكير/ تكفير»، يرى أنّ ثقافة التكفير جاءت من خلال الرؤية الدينية للنصّ الدينيّ الذي مازال يُعدّ المكان الوحيد للحقيقة، ممّا جعل النصّ الدينيّ في الثقافة العربية ـ الإسلامية “نصّا ثقافيّا واجتماعيّا وسياسيّا، والحقيقة هي أمّ الحقائق جميعاً، لا تعارض معها ولا خروج عليها”، وقد نتج عن هذه الرؤية الشمولية الحكم على كلّ من” يفكّر” بأنّه”يكفر”، وقد جعلت هذه الرؤية المتحجّرة للنص الدينيّ المكّفرين” يدمّرون باسم النص الديني ما أعطاه الخالق للإنسان تمييزاً له عن سائر المخلوقات: العقل، والحرية، والإرادة”.

أما في مقالة” حول “التجديد” في الإسلام”، والتي قد تُعدّ كأساس للدراسة التي سبقتها، وتُصنّف من أهمّ المقالات الموجودة في الكتاب، يتساءل أدونيس حول مفهوم الحقيقة في الشعر ومفهومها في الوحي الديني، ويرى بأنه منذ أن”حُصر “الحقّ” في الوحي الديني وحده، وحصر قوله أو تبليغه في النبي،(…)، تأسست نظرة جديدة إلى الشاعر والشعر، صار الشاعر(غاوياً) وصار الشعر(غواية)”، وبالتالي فإن الإسلام لم يستطع أن يلغي الشعر، لكنه استطاع أن يغيّر مفهومه، وجعله خاضعاً لنظامه، إلا أنّ الشعر استطاع أن يستعيد مكانته في العصر الأمويّ وباقي العصور، لينتقل بعد ذلك للحديث عن اللغة العربية ويرى بأنها “كانت وسيطة لنقل وحي إلهيّ جاء في نبوّات أخرى، قبل النبوّات الإسلامية. وهي في ذلك، تُعد لغة “ثانية” نقلت وحياً إلهياً نزل في لغة قبلها”، ليصل إلى استنتاجه بأنّ اللغة الأصل للعرب هي اللغة العبرية، لكن لماذا لم يرث العرب هذه اللغة، لأنّ الأب في الإسلام عند أدونيس مركّب من ثلاثة أباء هم« 1ـ إبراهيمي ( اليهودية والمسيحية)، 2ـ عربي( قبل الإسلام: اللغة، القبيلة)، 3ـ إسلامي( خاتم الأنبياء، خاتم النبوات، الكلام الإلهي الأخير، والحقيقة الأخيرة».

ولهذا نجد في الإسلام أنّ الحقيقة موجودة في الوحي، أي النص القرآني، ولذلك هي ثابتة لا تتغير، ولكن ماذا يعني التجديد للحقيقة الدينية والحقيقة الشعرية؟ يؤكّد أدونيس حول مفهوم الحقيقة الشعرية مستنداً إلى تجربته التاريخية، بأنّ الشعراء الكبار في اللغة العربية كالمتنبّي وأبي نواس، استطاعوا أن يجدّدوا في اللغة من خلال طريقتهم في الكتابة الشعرية، وقد كان هذا التجديد متمثلّاً باختلاف الأسلوب المتبع في الكتابة الشعرية، ولهذا فإن “جوهر التجديد إذاً، يقوم على رفض المعيارية التي ترسم سلفاً، قواعد لا يجوز تخطيها”، وينظر إلى الحقيقة الدينية، بأساس متكامل يخلص إلى أن النص هو حقيقة إلهية، لا يمكن تغيره، لأن “التجديد والإحداث هما، إذاً، نقيض الدين، أما شعرياً، فإن الشعر يكون تجديداً وإحداثاً، أو لا يكون شيئاً”. لهذا نجد أن الشعر والدين نقيضان لا يلتقيان، لأنّ الشعر يستطيع أن يقبل التجديد، في حين أنّ الإسلام ليس باستطاعته أن يقبل التجديد نظراً لتمسّكه الشديد بالنص القرآني، ليبدأ بعد ذلك بتحليل التاريخ الإسلامي، وتحديداً منذ وفاة النبيّ وبدء العمل بنظام الخلافة، أي منذ حادثة السقيفة ونشوء الدولة الإسلامية الأولى، وما تبعها من خلافات، لأنّه ومنذ تلك الحادثة “أخذ الصراع على السلطة باسم الدين يتحول إلى وسيلة إيديولوجية”، ولهذا يرى بأن “التاريخ العربي ـ الإسلامي مليء بالإبادات الفردية والجماعية، بدءًا من حروب الردّة في بدايات الدولة الإسلامية الأولى، مروراً بالحركات التمرّدية السياسية”، ليخلص في نهاية الحديث إلى تساؤل مهمّ هو:” إذا لم يكن الدين ميداناً للتفكير الحرّ في الله والإنسان والعالم، فما تكون الجدوى من الوجود في الدين، وما تكون الجدوى من الدين نفسه”.
الإضافة الممتعة في هذا الكتاب كانت بوجود حوار بين علي الصراف مستشار التحرير في جريدة” العرب” و أدونيس، ففي أحد الأسئلة التي وجّهها الصراف حول مغادرة الشعر المسرح مهزوماً، يجيب أدونيس بأنّ هذه المغادرة تعدّ نصراً لا هزيمة لأنها “تعني خلاص الشعر من كلّ ما هو غير شعريّ أي من السياسات والإيديولوجيات التي شوّهته خصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين”.

أمّا القسم الثاني من الكتاب الذي حمل عنوان “السياسة والحقيقة”، ففي مقالة” البيت/ المنفى” يؤكد على أن فكرة البيت ـ الوطن تتمثل في الحرية، أي في المكان الذي يستطيع الإنسان أن يعبر فيه عن ذاته، دون أي قيود أو روابط تعيق فكره وإبداعه، ولهذا تتأسس فكرة “لا بيت، لا وطن إلا بحضور الخلاف الحرّ”.

أما في بحثه الأخير الذي جاء عنوانه “دين الموالاة/ فقه المعارضة”، يحاول أدونيس أن يشرح تلك الثنائية الوهمية، فبنظره الفكرتان مؤسّستان على نوعٍ فكريّ واحد هو إلغاء الآخر، أي من ليس معي فهو ضدّي، ولذلك نجد فكرة التخوين والاتهامات الفكرية كثيرة في المجتمع العربي، وإذا استطاعت هذه النظرة الأحادية أن تسيطر على عقلية الإنسان العربي المؤدلج، فإنّ المبدعين مازالوا خارج هذه الدوامة ولهذا يقول إنّ: “اهتمام المبدعين يتمحور حول الثقافة، لا حول السياسة: حول الأساس والكلّ، لا حول الفرع والجزء”، ولذلك نراه في النهاية يتساءل حول المعارضة وفكرها قائلاً: “ما معنى أو ما قيمة معارضة لا تتميّز عن السلطة إلا بهاجس واحد: طردِها، والحلول محلّها”.

القسم الأخير في الكتاب جاء تحت عنوان “شذرات” كانت قد نشرت في جريدة “الحياة” تحت عنوان”مدارات”، ومنها نختار ختاماً لحديثنا عن هذا الكتاب بقول أدونيس “ما أقسى الحياة، إذا لم تحتضنها المخيلة”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق