النظام الأبوي/القربان: النظام الأبوي كبنية سوسيو-ثقافية

تشكل موضوعة حقوق الانسان الحلقة الأضعف في سلسلة الحلم العربي وهو يتطلع الى الحرية والديموقراطية، منذ بدأ العرب يتحسسون ذاتهم وهويتهم بوصفها كينونة قومية متمايزة، بل ولقد غدت كينونة -لدى أكثرهم – متميزة …!

وعلى اعتبار ان النظام العربي اليوم غدا منيعا ضد التغيير على المستوى الداخلي، عندما تمكن من ازدراد المجتمع المدني ازدرادا عاتيا، فإنه لم يعد يعبأ بتداول المفردات التي تتصل دلاليا ومعرفيا بالديمقراطية بعد أن شاعت إلى درجة الابتذال ككل المفاهيم الحديثة التي تسللت إلى مجتمعاتنا العتيقة فأنهكتها، حيث لم يعد هذا النظام معنيا سوى بموضوعة حقوق الانسان، وذلك لأن لهذه المفردات هيئات دولية تشخصها منظمات وجمعيات أهلية ومدنية مستقلة، لا تعبأ كثيرا بالديبلوماسية الخارجية البيرغماتية لدولها الغربية، التي لا تتحدث عن حقوق الانسان الا عند الطلب، طلب مزيد من التبعية والإلحاق لآباء النظام العربي البطركي الاستبدادي العتيد، ولتذكير الآباء العتاة العرب بأن عليهم أن يكونوا دائما “أولادا مهذبين” في حضرة الفحولة الاستعمارية الأبوية الاغتصابية الغربية، وذلك لتفريغ شحناتها (الليبدية) المكبوتة أو المتعثرة هنا أو هناك على حد تعبير بوش الأب، عندما يتحدث عن ولادة النظام العالمي الجديد عبر دفن عقد فيتنام في سواد العراق بكل ما يمتلك العراق من تاريخ شرقي استبدادي ذكوري وحاضر فحولي مدعى شعاريا في خطاب (قوموي) نغل: أبوه التراث التمجدي (العربو-اسلاموي) وأمه الفاشيات القومية الغربية التي أنجبت الحرب العالمية الثانية.

ان الاستقلالية النسبية للهيئات الدولية المدافعة عن حقوق الانسان، هي التي يخشاها النظام الأبوي العربي المستبد أكثر من أنظمتها الغربية الحاكمة، وذلك لأنه يستطيع أن يتكيف مع شروط النظام “العولمي الجديد” فيما يتعلق بمسألة التنازل عن السيادة القومية والوطنية لصالح الحرية المطلقة للسلعة، بينما يكون هذا النظام العربي عاجزا تكوينيا عن الاستجابة للوجه الآخر للعولمة الذي تعبر عنه حركية المجتمعات المدنية العالمية المتطلعة لعولمة قيم الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان والمواطنة العالمية الجديدة، وذلك لأن قوة حركات المجتمعات المدنية الداعية للمواطنة العالمية وقيم حقوق الانسان هي القوة الوحيدة الموازية لتفلت السلعة من القيود الاجتماعية والإنسانية، وهي الوحيدة القادرة على لجم نزعات توحش رأس المال على حساب قيم الديموقراطية والعدالة، وهي الوحيدة التي تستطيع أن تمد يد العون والتضامن النسبي للأبناء الأشقياء والمشاغبين والمنشقين عن عائلة الأب الحاكم من مثقفي العالم العربي والعالم الثالث عموما، ولهذا فإن النظام العربي يجبر على غض الطرف عن بعض شغب مثقفيه تجنبا لهذه الهيئات المدنية العالمية المستقلة التي غدت الحصانة الوحيدة الممكنة للمثقف العربي الشقي المعلول والممرور بداء الحرية، بعد أن حول الآباء الحكام أوطانهم الى سجون ومقابر صامتة، حتى إذا رميت الإبرة فانك تسمع لها رنينا، وذلك بعد أن حازوا رضا المتروبول (الأب) وصمت مراكزه الاعلامية والسياسية بسبب إذعانهم وطاعتهم للأب الأكبر في المركز، لأن منظومة العلاقات الأبوية تنتج منظورا للعالم يقوم على القبول والرضا بهذه التراتبية السلطوية كقانون طبيعي .

فالأب العربي الحاكم يعتقد أن له حقا مقدسا برقاب شعبه، بوصف هذا الشعب ابنا (قربانا) يمكن تقديمه على عتبات مقدساته السلطوية الوثنية في صيغة الافتداء بـ”الروح والدم” حتى ولو لم يكن يحمل إثم قتل الأب في الثقافة الاسلامية –باستثناء الشيعة- وذلك بالتمايز عن الانتربولوجيا الثقافية اليهودية والمسيحية كما كان قد أظهر فرويد، لأن الأب في الانثربولوجيا الثقافية العربية يحمل في ذاته استعدادا ثقافيا في بنيته اللاشعورية الجمعية لتقبل مجموعة من النماذج البدئية للأب الذي يقدم ابنه قربانا: من إبراهيم الخليل وصولا الى عبد المطلب جد النبي، تلك المنظومة الطقسية الميثية تتيح له بسيكولوجيا أن يتحول من ملك عضوض إلى كلب غير عضوض أمام المركز الأبوي العالمي الذي يصنع الحكام والأنظمة في عالم الفخر والسؤدد لأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة… كذاك الكلب الذي تحدث عنه تشيخوف وهو يصور حالة الخراب الروحي والدمار الأخلاقي الذي لحق بالشعب الروسي في ظروف الاستبداد القيصري الأبوي، حيث كلما تلقى الكلب ركلات صاحبه كلما هز ذنبه استعطافا، وأقعى عند قدميه راضيا صابرا يصدر أنينا مكبوتا.

{{المثاقفة / المجامعة}}

هذه الصورة لمنظومة العلاقات الأبوية الاستبدادية، وما تنتجه على مستوى البنية الثقافية والروحية الشعورية واللاشعورية في العلاقات الأبوية مع المتروبول الغربي الأوربي، ستشكل أحد المحاور المهمة في الرواية العربية في صورة المثاقفة المجازية بين الشرق والغرب التي تقصاها جورج طرابيشي في كتابه الريادي في موضوعه “شرق وغرب /رجولة وأنوثة ” حيث المثاقفة تحيل إلى المجامعة بين الشرقي المهزوم حضاريا وثقافيا (استعماريا) والأنثى الغربية التي يقهرها بركوبها جنسيا، فينتصر ذكوريا على هزيمته الحضارية بانتصارات فحولية موحدا بين (قضيته وقضيبه)، ومماهيا بين الغرب وفرج الأنثى على اعتبار أن النكاح في الموروث الثقافي العربي هو نوع من الرق حسب الإمام الغزالي –كما سنرى- حيث تسترق فيه الذكورة الأنوثة بوطء الزوجة بوصفها حذاء موطوءة كالنعل -حسب الزبيدي- في تاج العروس كما سيأتي لاحقا، وبذلك يستعاض عن علاقة الاغتصاب والسيطرة الغربية الاستعمارية تجاه المستعمِر بانتصارات جنسية (ثأرية)، حيث الرد على الركوب الحضاري الاستعماري والطبقي لأوروبا، بركوب جنسي على حد تعبير بطل نجيب محفوظ في رواية “بداية ونهاية ” المتطلع بهوس للصعود الاجتماعي ، فيتشهى فتاة ارستقراطية مستبطنا غحساسا مأزوما يعبر عنه بأنه “إذا ركبها فإنه سيركب طبقتها بأسرها”[1]لكن صورة الحاكم العربي بمثابته نموذجا نمطيا للأب: عائليا، قبليا، سياسيا، وهو يستشعر الضعف أمام الأبوية الغربية، يعبر عنها عبد الرحمن منيف بشكل مبدع في خماسيته الشهيرة “مدن الملح”، من خلال تناوله لعلاقة الملك خريبط الأب المؤسس، بالتاج البريطاني وذلك، في الجزء الثالث “تقاسيم الليل والنهار”[2]لعل نوعية العلاقة بين النظام الأبوي وحقوق الانسان تتكشف منذ الوهلة الأولى بوصفها علاقة تناقض وتضاد ببداهة دلالة الصياغة وإيحاءاتها، فالنظام الأبوي يحيل وعي المتلقي مباشرة تجاه منظومة من العلاقات الاجتماعية والثقافية التقليدية الموروثة، بينما مصفوفة بيان حقوق الانسان تومىء في صياغتها الى بداهة انتمائها للعصر الحديث، أي عصر الثورة القومية الليبرالية الديموقراطية الأوروبية، وبالتالي فان هذه العلاقة بين النظام الأبوي ومباديء حقوق الانسان، ستضعنا مباشرة أمام علاقة صراعية تنطوي على تناقض ( القديم / الجديد – التأخر / الحداثة ) بغض النظر عن الحمولات الدلالية المتصلة بعلم النفس التي ينطوي عليها اصطلاح النظام الأبوي.

ولهذا وجدنا ان البحث في هذه العلاقة تستوجب ضرورة تحديد المعنى الاصطلاحي، والسياق الدلالي (التاريخي – الثقافي ) لكلا المفهومين لنتبين شكل العلاقة التي حكمت تواصل وتفاصل بنية النظام الأبوي بمنظومة حقوق الانسان.

{{نشأة النظام الأبوي .}}

، وذلك لأن الذكر الشرقي يعتقد أنه في عملية المجامعة إنما هو الكاسب الوحيد،على اعتبار أن دور المرأة في عملية الوطء ليس سوى الرضوخ والاسترقاق والاستسلام والمعاناة في سبيل إرضاء نزوات وشهوات الذكر الفحل بعد أن تمت عملية التماهي التامة بين الثقافة والذكورة من جهة، والطبيعة (البِكر) والأنوثة من جهة أخرى، ليس على المستوى الثقافي العربي فحسب، بل وعلى المستوى الثقافي الذكوري العالمي، حيث سيصف فوكو هذه العلاقة –كما سنرى- بوصفها علاقة ولوج واختراق وسيطرة وفق مصفوفة الوعي الذكوري .

تتحدد نشأة النظام الأبوي تاريخيا بالضد من النظام الأمومي الذي كان طورا في تاريخ الاجتماع البشري، وقد كان نتاج الأسرة الواحدية الأبوية التي كان انتصارها النهائي من أمارات مطلع الحضارة الانسانية.

هذه الأسرة الواحدية الأبوية مبنية على سيطرة الرجل، وهدفها الصريح إنتاج أولاد لا يشك في صحة أبوتهم، هذه الأبوة التي لابد منها لكي يرث الأولاد- في يوم ما- ثروة أبيهم بوصفهم ورثته الطبيعيين[3]ويضيف انجلز ان الرابط في هذه الأسرة غدا أمتن، مع الاحتفاظ بحق الرجل في حل هذا الرباط وتسريح زوجته، الاحتفاظ بحق الخيانة الزوجية عرفا على الأقل (مجموعة قوانين نابليون تمنح الزوج هذا الحق بصراحة ما دام لا يحضر معشوقته إلى منزل الزوجية).

ويلاحظ ماركس ان انخفاض منزلة النساء بدأ مع العصر البطولي اليوناني، بعد أن كان لهن منزلة أوفر حظا من الاحترام والحرية، عندما كن يحضرن آلهات في الميثولوجيا، لكنهن مع العصر البطولي سيتغلب عليهن الرجال وتنافسهن الجواري، حيث يستطيع المرء أن يقرأ في الأوديسة كيف يوبخ تيلماك أمه ويأمرها بالسكوت، وفي هوميروس تصبح الأسيرات هدفا لشهوات الغالبين الجنسية، والإلياذة كلها تدور، كما هو معروف، حول النزاع بين آخيل وآغاممنون على واحدة من هؤلاء الأسيرات[4]وعلى هذا فالأسرة الأبوية كانت نتاج الزواج الأحادي، الذي ظهر كنتاج لتركز ثروات كبيرة في أيدي شخص واحد – أيدي الرجل – ومن الحاجة الى توريث هذه الثروة لأولاد هذا الرجل لا لأولاد شخص آخر، هذا المضمون الثاوي في تاريخية نشأة الزواج الأحادي سيظل مستمرا، رغم تفكك النظام الأبوي في المجتمع الغربي الذي دخل طور الحداثة مع التطور الصناعي الذي حققته الرأسمالية، والذي كان من شأنه ان يرغم المرأة على الخروج من المنزل والانخراط في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن الرأسمالية التي تجاوزت النظام الأبوي، لم تستطع بحكم طبيعتها التكوينية أن تقوض مضمون الهيمنة في العلاقة الأسرية، فظل الرجل في الأسرة هو البورجوازي، والزوجة تمثل “البروليتاريا” وفق تاريخانية إنجلز الماركسية[5]وعلى هذا فإن العنصر الحاسم في صياغة مفهوم النظام الأبوي، كبنية سوسيو–ثقافية، إنما يتحدد من خلال “محورية الأب” في بنية الأسرة، التي تنتظم حوله بوصفه السيد المطاع، الذي يملك حق السيادة الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، بوصفه المالك الطبيعي للعائلة، حيث أحادية الزواج تسمح له بهذا الاعتقاد الراسخ بأبوته الطبيعية التي تتيح له وفق النماذج البدئية للوعي الميثي أن يذبح الابن قربانا وتقربا من الله، ويباطن هذا المفهوم العضوي للعلاقة بالابن، مفهوم عضوي يعطي الذكورة دلالة السيطرة والهيمنة والتفوق من خلال الفعل الجنسي، الذي يكتسب نموذجه البدئي في صيغته الميثية (الأسطورية)، في صورة الأكل، حيث المخيال الأسطوري يصوغ مجازاته الطبيعية في صورة الرجل الآكل والمرأة المأكولة، حيث العلاقة وثيقة بين الجنس والأكل، حسب ستروس[6]ذلك أن المرأة وفق هذه السلسلة من الاستحضارات الميثية في اللاشعور الجمعي، تحضر بوصفها امتدادا عضويا للطبيعة، ويحضر الرجل كممثل للثقافة والفعل في هذه الطبيعة.

وعلى هذا فان فوكو يستقرئ الفعل الجنسي، إذ تستعيده الثقافة الذكورية بعد أن تمؤسسه بوصفه فعل ولوج واختراق وسيطرة وتفوق[7]وهكذا تؤسس العلاقة الأبوية على مستوى الأسرة نوعا من التواشج العضوي الطبيعي، الذي ستصوغه لغة الاجتماع باسم “رابطة الدم”.

هذه الرابطة الدموية، هي التي ستؤسس بدورها لنظام القرابة، لنظام من التراتبية التي تحكم علاقات التواصل الاجتماعي، حيث ستكون الأسرة حجر الزاوية في بنية المجتمع العشائري، وتركيب العائلة سيكون النواة، والنموذج للتشكيل الاجتماعي للعشيرة، فالقبيلة، فالمجتمع. في مجتمع تحكمه العلاقات الأبوية، فان رابطة الدم تغدو هي الرابطة الأساسية التي تميز طبيعته العضوانية، فالولاء للعائلة والجماعة الإثنية يحل محل الانتماء الى المجتمع، الوطن، الأرض، الطبقة، فكل هذه المفردات الأخيرة تبدو غريبة على الحقل الدلالي لنظام الكلام الأبوي. .

[1]- راجع كتاب جورج طرابيشي (شرق وغرب رجولة وأنوثة)- دار الطليعة –بيروت -1977 .

[2]- في الجزء الثالث من رواية ” مدن الملح ” الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1989 .

[3]- فريديرك انجلس – أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة – ترجمة أديب يوسف – منشورات دار الفارابي ودار الكتاب العربي – بيروت 1958 – ص 95 .

[4]- المصدر نفسه – ص 96 .

[5]- المصدر نفسه – ص 115 .

[6]- كلود ليفي ستروس، الفكر البري – ترجمة نظير جاهل- المؤسسة الجامعية للدراسات – بيروت 1984 – ص 162
لعل متح الحداثة الشعرية من مناجم الأسطورة، هي التي تكمن وراء تللك الصور الحسية الغريزية البدائية الشرسة التي تعبر عنها الصورة الشعرية كالتي يصوغها محمد الماغوط عن شهوته للأنثى في صورة ” الرغبة بأكل النساء بالملعقة …”

[7]- راجع ميشيل فوكو – استعمال اللذات، ترجمة جورج أبي صالح – مركز الانماء القومي – بيروت 1991 – ص 151

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق