النظام الأبوي/القربان: نظام الخطاب الأبوي والبذخ البلاغي

في سياق تحديده لنظام الكلام، يكشف جاكوبسون برهافة ودقة عن الفرق بين المنظور الفيلولوجي الفقهي الذي يرى في نظام الكلام هو ما “يتيح” لنا هذا النظام قوله، وبين المنظور الألسني الحديث الذي يرى في اللغة أداة فعالة في صياغة الفكر، وليست أداة سلبية ناقلة له، وعلى هذا فإن نظام الكلام وفق جاكوبسون – هو ما “يضطرنا” هذا النظام الى قوله.

وفق هذه الصياغة، يبدو لنا نظام الخطاب الأبوي، بمثابته نظاما مغلقا بانغلاق دورة روابطه الدموية، يقوم على (التلقين – الامتثال – الطاعة – الاذعان – الاستظهار – الحفظ – الترداد – تقديس الماضي – تقديس النص) هذه العناصر التي تستولي على الساحة الدلالية لنظام الخطاب الأبوي، كان الغرب دائما يحترم استقلاليتها، فهي الساحة الوحيدة التي أراد الغرب أن يتركها للعرب والمسلمين يمارسون فيها استقلالهم الطقسي وسيادتهم الميثية، وذلك منذ بالمرستون وزير الخارجية البريطانية الحانق على “همجية محمد علي التحديثية” مرورا بكرومر الذي أمر أن توضع مناهج الجامعة المصرية وفق خصوصية العقل العربي الاسلامي الأبوي الذي يقدس الماضي والنصوص، والحفظ والتلقين والاستظهار، مرورا بتواطؤ الإنكليز مع الأزهر والقصر ضد كتاب علي عبد الرازق في “الاسلام وأصول الحكم”، وصولا لرفع راية الخصوصية اليوم، باسم تنصيب التراث مرجعا أبويا، لا يمكن التأسيس لأي مشروع نهضوي تحديثي إلا باستئنافه تراثيا، أي البحث عن مشروعيته الأبوية من خلال استشارة التراث حول وجاهة الأسئلة التي يطرحها الحاضر.

نظام الكلام الأبوي العربي، يستلهم اللحظة الأولى، والنموذج الأول للغة العربية الفصحى بكل سلطانها البياني الساحر، حيث القول يصوغ مقولته وفق ضرورات نظام الكلام التي تضطرنا – حسب جاكوبسون – إلى إنتاج ملفوظ القول ليس وفق ما “يتيحه” هذا النظام للقول، حيث المتاح، يفتح الأبواب أمام المباح، والمباح طريق مفتوح للبوح، والبوح ممنوع أبويا سماويا وأرضيا، بدءا من رب السماوات والأرض وانتهاء برب البيت[1].

سحر البيان العربي، هو معجزة النبي العربي، معجزة الرسالة القرآنية، حيث لسحر البيان سلطته على العقل والفؤاد، هذه السلطوية اللغوية – بتعبير بارت – تتيح للفصحى الأصلية أن تظهر نفسها بمثابتها النموذج البدئي الأصلي لهذا السحر، أي أن تمارس سحرها الأبوي في تطويع الكلام وإخضاعه لنظام ضروراتها، ليست الضرورات التركيبية والمجازية والرمزية فحسب، بل وضروراتها التي يضطرنا نظام قولها لهيكلة فكرنا، وقولبة وعينا، وتأطير معرفتنا وفق نظامه، وعلى هذا فإن العربية الفصحى تمثل العنصر التكويني الأساسي في تكوُن الفكر العربي، وهذا ليس مرده فقط الطبيعة العقائدية لهذه اللغة ذات القالب الديني والأبوي الصارم، بل أيضا بسبب قابليتها على “التفكير بذاتها” أي قدرتها على فرض أنماطها وبناها على كافة الصياغات اللغوية، وقد وصفها حليم بركات بأنها لغة الآخرين الجاهزة، “إذ انها تفضل الكتابة الأدبية على الكتابة العلمية والخطابة على النص المكتوب والكلام على الكتابة”[2]

هكذا تمارس العلاقات الأبوية سلطتها من خلال نظام القول، أي من خلال تأبيد نموذجه البدئي الأسطوري، وذلك عندما يتحول الأسطوري إلى إيديولوجي، حيث الأسطورة هي أدلوجة ذكورية تعريفا، وبذلك فان السلطة السياسية العربية الأبوية: السلطانية الملوكية، والسلطانية (المحدثنة/الجمهورية) وهي تكبل أفواه الأمة لا تخل ببندين هامين من بنود إعلان حقوق الإنسان فحسب (لا يجوز التنكيل بسبب الآراء – وحرية نشر الأفكار)[3]، بل هي تعمم نمطا من الخطاب القائم على البذخ البلاغي، والفاقة الدلالية، حيث يموه هذا الترصيع البلاغي والبياني واقع بؤس المعنى مما سيؤدي إلى “شعرنة” الثقافة العربية، حيث تحول المجاز (البلاغة والمبالغة والازدواجية والكذب الفني) إلى نموذج ذهني وممارسة اجتماعية وثقافية وسياسية وفق المباحث الرهيفة الشيقة التي قام بها د. عبد الله الغذامي مما سنعرض له لاحقا[4]، كما أن هذا البذخ “المشعرَن” سيضيّع قيم الحوار في متاهات العموميات السديمية والرمادية والماورائيات، وحيث يتبدى خط أحادي صارم في انحداره العمودي وفق متوالية تراتبية تبدأ من قمة السماء وصولا الى العالم السفلي، حيث يتسفّل كل شئ أمام صدوع الأمر الهابط أبويا من الأعلى.

العالم السفلي (العباد – الرعية – العائلة) ليس له سوى الانصياع والاذعان واستخدام حاسة واحدة (الأذن) لأن معيار الأدب واللياقة في مصفوفة التربية الأبوية هو “سماع الكلمة” هذا السماع هو التعبيرالمجازي الذي يتداوله المجتمع الأبوي للتعبيرعن حسن سلوك الأبناء “إنهم يسمعون الكلمة”.

{{بين قمع النظام المحدث وسيف الإرهاب الأصولي}}

يتحرك الخطاب الفكري والاجتماعي والسياسي في كتاب «النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي»[5] للراحل الدكتور هشام شرابي في فضاء معرفي لغوي متوتر يحتويه قوس تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة…» يبدأ الكتاب بهذه الموضوعة لغرامشي، ويختتم بها، حيث تشاؤم العقل لا يقاومه، إلا تفاؤل الإرادة، ولعل هذه الموضوعة هي السر وراء الجهد القيم للباحث بل وهي التي تبرره.

الكتاب موضوع باللغة الإنكليزية، وقد ترجم وأعيدت صياغته بالاشتراك بين المؤلف وأدونيس، الذي يسجل له المؤلف الشكر لما أضفاه أدونيس على كتابه من رونق خاص. إن الفترة الزمنية التي ينصب عليها جهد المؤلف تحليلاً واستنتاجاً هي الفترة الممتدة خلال الثلاثين سنة الأخيرة (1950-1980) التي أضاع فيها النظام البطركي العربي ثلاث فرص تاريخية. هي: فرصة تحقيق الوحدة، وفرصة التنمية الاقتصادية على نطاق قومي بعد أن أدت أموال النفط في اليد البطركية إلى الإفساد الأخلاقي وإلى إزادة الإفقار، وفرصة بناء مجتمع ديمقراطي عادل حيث قضى هذا النظام على أشكال الديمقراطية كلها، والنتيجة هي الواقع الذي نعيشه، واقع الانكسارات العسكرية والتمزق الاجتماعي والغطرسة القبلية والغباء البطركي، فواقعنا هو من صنع النظام البطركي، لا من صنع التاريخ. فالتاريخ نحن نصنعه أو ندعه يصنعنا[6].

الفترة الزمنية موضوع البحث، يتناولها الباحث في إطار سيرورة المجتمع العربي المعاصر منذ لحظة النهضة، التي هي موضوع شغل واهتمام وإنتاج الباحث، إلى اللحظة الراهنة بكل ما تنطوي عليه من آفاق وخيارات ثقافية وفكرية ومنهجية، حيث الضرورة بإعادة النظر في كل شيء، فلم يعد بالإمكان الهرب نحو أحلام «التراث» أو أساطير الخلاص الغيبية أو يد «الثورة» فلا بد من الانطلاق من الواقع ذاته، فالعالم كله تغير خلال الثلاثين والأربعين سنة الأخيرة، ولم نتغير نحن: لم نتغير في أسلوب تفكيرنا (القومي أو الثوري) ولا في نظام علاقاتنا الاجتماعية والسياسية (على صعيد العائلة، المجتمع، الدولة)، ولا في طريقة ممارستنا (التي مازالت مرتبطة بالقيم العشائرية والعائلية وبالأهداف الدينية والغيبية).

{{مفهوم المجتمع البطركي الحديث وواقعه}}

يشير الباحث إلى أن نظرته المنهجية تميل إلى مفهوم للمجتمع والتاريخ كتلك التي عبر عنها ماركس وهيغل. لكن هذه النظرة ستبرز عامل الثقافة وتشدد على عناصر البنى القومية أكثر مما تشدد على الاقتصاد، وعلى هذا فإن ماكس فيبر لا يعود متعارضاً مع ماركس، بل هو يكمله ويتابع تحليلاته، ملفتاً الانتباه إلى أن البنيوية وما بعدها، «الابستمولوجيا» لن يكون لها تأثير كبير في نهجه في البحث، إلا في حدود إدراجه لبعض الموضوعات الأساسية التي تناولها وذلك في سياق تحليله للحركة التقدمية الجذرية في العالم العربي، منطلقاً من موقف «تقليدي» ـ حسب تعبيره ـ وهذا الموقف ينطلق من الإيمان بالتاريخ وإمكانية فهم وقائعه، حيث الريبية الجذرية، لدى ميشال فوكو وجاك دريدا، تغدو مجازفة لدى مفكري البلدان الخارجة من عصر الاستعمار، لأنهم بذلك يفقدون القدرة على التأثير في المجتمع والوعي الاجتماعي[7].

«المجتمع البطركي» يستخدمه شرابي كمفهوم ذي أوجه واستعمالات عديدة، فهو في آن مقولة تحليلية ونوع أو نموذج مجرد ومبدأ تفسيري ونظرية مكتملة، وهو يشير إلى حد سواء، إلى البنى الاجتماعية الكلية (المجتمع، الدولة، الاقتصاد) والبنى الجزئية (العائلة أو الشخصية الفردية)[8].

يعرض في هذا الفصل سمات هذا المجتمع، في كونه نموذجاً أمثل للتخلف، وأن أكثر العناصر فعالية وتقدماً في الدولة البطركية الحديثة «في الأنظمة المحافظة والتقدمية» على السواء هو جهاز أمنها الداخلي، أي ما يدعى بالمخابرات (تنظيم عسكري ـ بيروقراطي) إلى جانب تنظيم بوليس سري يهيمن على الحياة اليومية ويشكل أداة الضبط النهائية في الحياة المدنية والسياسية. فالمواطن حسب ذلك يتحول أسير الدولة كما كان الحال في ظل السلطنات القديمة[9].

وفي المجال الاجتماعي تبرز البنى الداخلية للأشكال الخارجية «الحديثة» (المادية والقانونية والجمالية)، للعائلة أو المجتمع أو الدولة في النظام البطركي الحديث، وهي مرتكزة على القيم والعلاقات السائدة في النظام البطركي القديم، أي على علاقات القرابة والعشيرة والفئة الدينية أو الإثنية.

وقد ينشأ السؤال من جديد عن مغزى استخدام الأداة المفهومية “البنية البطركية” كأداة قادرة على كشف وسبر خاصيات متميزة ومتمايزة لبنية المجتمع العربي، فالكاتب أشار إلى سمة أساسية من سمات هذا المجتمع، عندما أشار إلى سيطرة الأب في العائلة، شأنه في المجتمع، إذ العلاقة بين الأب وأبنائه وبين الحاكم والمحكوم، علاقة هرمية، فالأب هو المحور الذي تنتظم حوله العائلة بشكليها الطبيعي والمجتمعي ، فإرادة الأب في كل من الإطارين (العائلي والوطني)، هي الإرادة المطلقة ويتم التعبير عنها في العائلة والمجتمع بنوع من الإجماع القسري الصامت، المبني على الطاعة والقمع.[10].

هذه السمة الأساسية، يطرحها الكاتب في إطار عدد من السمات، في الوقت الذي تعتبر فيه ـ حسب رأينا ـ هي الخاصية النوعية المحددة لدلالة المصطلح، أو بمعنى آخر هي العنصر الحاسم في إطار البنية، أي العنصر التكويني الذي ينظم حركة العلاقة بين العناصر الأخرى المحددة للهوية النوعية للبنية التكوينية للظاهرة، وعلى هذا فقد كان من الممكن للكاتب الذي أعلن في تقديمه لمنهجه في البحث: أنه سيعول على أهمية الثقافة ودور البناء الفوقي من خلال ما تقدمه المنهجية السوسيو-ثقافية لماكس فيبر.

نقول: كان بإمكانه أن يخترق باقي العناصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال العنصر الحاسم في البنية البطركية (الأب ـ السلطان ـ الإله) ليتمكن من دمج هذه العناصر في البنية البطركية بوصفها بنية ثقافية تعتمد على المخزون النفسي واللاشعور الثقافي والاجتماعي في إنتاج رؤية ما حول العالم وشكلاً من أشكال الممارسة فيه.

فالبطركية ليست نمطاً في الإنتاج، ولا نظرية في المعرفة، إنها ظاهرة كما شخصها ماركس في «كوندريسه»: بوصفها ظاهرة شرقية تسم المدينة «الآسيوية» التي لم يكن لها تاريخٌ مدنيٌ، ولم يكن لها تشكيلٌ ونظامٌ مدنيٌ، بل هي «معسكر ملكي».

لقد كان بالإمكان الانتقال بهذه الظاهرة إلى مستوى البنية لو تم التعامل معها كخيط أساسي جابذ يشد إليه باقي الخيوط وينظمها وينتظم بها، لاسيما أن الباحث هو الذي توقف عند موضوعة ماركس هذه، لكنه ـ مع الأسف ـ لم يثمّر دلالتها التاريخية، بل همشها. إن هذه التمايزات في التعامل مع الأدوات المعرفية بالتحليل لا تتعارض مع النتائج العامة التي يخلص إليها نص «النظام الأبوي» المهم في قدرته على الولوج عمقاً في بنية اللحظة العربية الراهنة، مما يضفي غنى وثراءً لتيار الفكر الديمقراطي العلماني النقدي الراديكالي في مواجهة الأصوليات (الدينية والقومية واليسارية) الزاحفة.

[1]- الاستخدام اللغوي العربي لصيغة “رب البيت، رب العائلة، رب العمل” تومئ إلى تناظر الدلالي، يشي بإيحاءات التناظر اللفظي، الذي يفضي الى شكل من أشكال التماهي على مستوى الدال والمدلول بين ما هو مضمر مشترك في الأنساق الثقافية والاجتماعية والدينية.

[2]- د. هشام شرابي – النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – ترجمة محمود شريح – بيروت 1992 . ص 107 . وحليم بركات، المجتمع العربي المعاصر: بحث استطلاعي اجتماعي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت 1984، ص 246 عن المصدر السابق.

[3]- إعلان حقوق الانسان – تعريب الدكتور أيوب ثابت نقلا عن رئيف خوري الفكر العربي الحديث –. وزارة الثقافة – الطبعة الثالثة دمشق 1993 – ص 15

[4]- عبد الله الغذامي –راجع الفصل الثاني من هذا القسم تحت عنوان : النسق الثقافي المضمر : الفحولة / الطغيان –(عبد الله الغذامي : المثقف الاشكالي) – ص 40 .

[5]- هشام شرابي – النظام الأبوي- سبق ذكره- راجع ص109.

[6]-. المصدر السابق – راجع ص14

[7]- المصدر السابق- ص17

[8]- المصدر السابق- ص19

[9]- المصدر السابق- ص23

[10]- المصدر السابق- ص22

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق