النقاب بوصفه مشكلةً وإشكاليةً: بين الهداية والتنوير (مناقشة نقدية لمقالة أ. رجاء بن سلامة)

النقاب، هذا الغطاء الذي تضعه بعض النساء على وجوههنّ، يمثِّل ارتداؤه أو عدم ارتدائه، مشكلةً وإشكالية بالنسبة للبعض. يمثل ارتداؤه مشكلةً بقدر ما يتمّ اعتباره امتهاناً للكرامة الإنسانية وتناقضاً مع متطلبات العيش المشترك في دولة المؤسسات، وتنافراً مع مقتضيات العيش الودي المشترك، وتأسُّساً على أفكار وفتاوى أشبه بالفضيحة، لكونها ترى أنّ “وجه المرأة عورةٌ كفرجها” … إلخ. في المقابل، وبالنسبة لبعض المتدينين المسلمين، تكمن المشكلة، في هذا الخصوص، في عدم ارتداء النقاب، لا في ارتدائه؛ ولهذا يكون ارتداؤه ضرورةً دينيةً وأخلاقيةً واجتماعيةً تفرضها نصوص العقيدة، وظروف المجتمع، والأخلاقيات الواجب توفرها لدى المسلمين والمسلمات، في هذه الظروف.

لا سيبل للالتقاء بين مثل هذين النوعين من الخطابين، وغالباً ما لا يؤثِّر أحدهما في الآخر إلا سلباً. ولهذا يشكل تناول هذه المسألة إشكالية نظرية تبدو أحياناً أشبه بمعضلة، لا يمكن حلها نظرياً ما لم تتغير الوقائع والمعطيات على الأرض. ورغم أنَّ هذين الخطابين يختلفان في كلّ شيءٍ تقريباً مضموناً، إلا أنَّه يبدو أنَّ كليهما يحاول ممارسة دور واحد، وإن اختلفت مسميَّاته، فيسمّيه غير المتدينين من أعداء الحجاب تنويراً، ويسميه المتديّنون هدايةً. والقواسم المشتركة بين التنوير والهداية أكبر ممّا قد يتصوَّر البعض للوهلة الأولى : فكلاهما يملك حقيقةً لا تتسامح غالباً مع من يخالفها أو يختلف عنها. كلاهما يسعى لتحرير البشر، أفراداً وجماعات، من الجهل والتخلف. وكلاهما يتناول وعي الفريق الآخر بوصفه وعياً مأزوماً أو مريضاً أو جاهلاً بمصلحته الخاصة، وبما يجب عليه فعله أصلاً؛ ولهذا كان من الضروري تنوير هذا الوعي أو هدايته إلى الطريق القويم أو الصراط المستقيم. كلا الخطابين يخلو من التسامح الذي يعني القبول الإرادي والودي باختلاف الآخر. كلاهما ينظر بنوعٍ من الدونية إلى الآخر المختلف عنه، فهم يعتبرونه كافراً أو جاهلاً أو كلا الأمرين معاً. كلاهما يعتقد امتلاكه القدرة على الكشف عن أمراض الوعي عند الآخر، والدواء المناسب لهذه الأمراض؛ ولهذا يفرضان نوعاً من الوصاية عليه، وهي وصايةٌ أشبه بوصاية الطبيب على المريض. وما على المريض في هذه الحالة إلا اتباع وصفات التنويري أو الشيخ وفتاويهما التي ستوصلهما إلى الشفاء حتماً.

قد يبدو هذا التقريب بين خطابات التنوير “العقلاني” وخطابات الهداية الدينية مجحفاً بحق أحد الطرفين أو كليهما. وقد يبدو أنَّه تقريبٌ شكليٌّ لا يأخذ بعين الاعتبار الاختلاف الكبير بين مضمون التنوير وفحوى الهداية. لا أنكر ذلك، لكنني أرى أنَّ لهذا التقريب معقولية أو مشروعيَّة ما تكمن في إظهار المنطق المتعالي والمؤسس الذي يتحدث من خلاله، وانطلاقاً منه، كلا الخطابين، غالباً على الأقل. ومن الواضح ربما أنَّ هذا التقريب المختزَل (والمختزِل أيضاً بمعنى من المعاني) يتضمن نقداً أو انتقاداً ضمنياً أو صريحاً لهذا المنطق المؤسِّس لكلا الخطابين. وهذا النقد شائعٌ، بشكلٍ كبيرٍ، بخصوص الخطاب الديني أو خطاب المتدينين، ولهذا قد يبدو أنَّه موجَّه بشكلٍ أكبر وأخصّ إلى الخطاب التنويري الذي يحاول ممارسة الهداية العقلانية ذات المضمون اللاديني أو المضاد للديني.

بدا لي أن المقالة الأخير للأستاذة رجاء بن سلامة والمعنونة ﺒ ” أسئلة أطرحها على من يعتبرون النّقاب “حرّيّة” تمارس المنطق نفسه المشار إليه آنِفاً. ولهذا رأيت وضع المقدِّمة السابقة، ولهذا مارست، في تعليقاتي على هذه المقالة، نوعاً من النقد والانتقاد المؤسَّسين جزئياً على رؤيتي السابقة لمنطق الخطاب التنويري. وسأقتبس هذه التعليقات حرفيَّاً تقريباً هنا – رغم طولها، لكنّني سأفعل ذلك طواعيةً وبرضا، تنفيذاً لطلبها الكريم بوضع هذه التعليقات في موضوعٍ منفصل بما يسمح بمناقشتها باستفاضة أكبر – لرغبتي في مواصلة مناقشة هذه المسألة مع أ. رجاء ومع كل من يهمه هذا الأمر أو يستثير تفكيره ويحفِّز قلمه. ولن يمنعني ذلك طبعاً من مواصلة مناقشة هذه المسألة في تعليقي على التعليقات التي تتناول المقالة المذكورة.

***

أشكرك أ. رجاء على طرح هذا الموضوع الشائك بهذه الطريقة الواضحة التي قد يراها البعض شفافيةً وجرأةً، ويراها البعض الآخر أسلوباً صدامياً قد يفضي إلى عكس ما يُفترض أنه يبتغيه. وسأحاول في تعليقي أو تعليقاتي مناقشة بعض أهم الأفكار المطروحة، والإجابة عن الأسئلة التي تطرحينها، رغم أنَّه من الواضح أنَّها ليست بالأسئلة التي تنتظر جواباً. فطريقة صياغتها ومناقشتها في مقالتك تتضمن ليس جواباً جاهزاً وناجزاً فحسب، بل تتضمن قتلاً وتقييماً سلبياً لكلِّ جوابٍ أو إجابة مختلفةٍ محتملةٍ أو ممكنةٍ. وليس ذلك بمستغرب طالما أنَّ المقالة تأخذ شكل الانتقاد لا النقد، والتفسير لا الفهم. وأقصد بالانتقاد إظهار الجوانب السلبية في الموضوع المبحوث أو المدروس، أما النقد فهو أكثر توازناً، لأنَّه يحاول أن يبيَّن، بالإضافة إلى السلبيات، إيجابيات الموضوع المدروس. وتبيِّن هذه الإيجابيات العلِّة المعقولة جزئياً وراء وجود هذا الموضوع أو الظاهرة، والتي قد تبرر، جزئياً أو كليَّاً، وبدرجة أو بأخرى، أسباب وعوامل وجود الظاهرة المبحوثة ومدى معقوليتها من منظورٍ ما، هو منظور ممارسيها أو متبنيها غالباً. ويترافق الانتقاد الممارس في هذه المقالة مع منهجٍ أو أسلوبٍ تفسيري لا فهمي أو تفهمي، بمعنى أنَّه يحيل الظاهرة المدروسة إلى عوامل وأسباب خارجية كالبنية الاجتماعية أو الاقتصادية أو اللاوعي النفسي؛ وقد يكون التفسير حينئذٍ بالأسباب أو الوظائف أو التكوين إلخ. وحتى إذا تمَّ إحالة الظاهرة المدروسة إلى وعي الذات التي تمارس الفعل المُنتقد أو تتبناه أو تدافع عنه إلخ، فيتم وصف هذه الذات بالجهل والتناقض وبالتفكير أو التصرف بشكلٍ لا أخلاقي، بوعي وقصدٍ أو بدونهما. ولا يمكنني تسمية هذا النوع من التعامل مع فكر الآخر أو فعله فهماً، لأنني أرى أنَّ الفهم يتطلب إدراك درجة ما من المعقولية والحصافة في فعل أو قول الآخر. ولهذا كان موضوع علم الاجتماع لدى ماكس فيبر مثلاُ هو الفعل الحصيف “l’action sensée”، ولهذا كان المنهج المتبع في هذا العلم هو التفسير التفهمي أو الفهم التفسيري. ولم ألحظ وجود أي درجة من الفهم (بالمعنى المشار إليه) للنقاب والمنقبات والمؤيدين لهذه الظاهرة أو المدافعين عنها. وأفسر ذلك مبدئياً، بل وأبرره جزئياً ونسبياً، بأنَّك تعتبرين نفسك، من خلال طرح أفكارك الواردة في المقالة في معركة ضد الشر – والمتمثل في الظلم وإهانة المرأة بل والإنسان إلخ – ومن أجل الخير، المتمثل في تحرير الإنسان عموماً والمرأة خصوصاً مما يشكل قيداً لها وإهانةً لها ومساً بكرامتها إلخ. ورغم كلِّ ما سبق، ورغم شعوري واعتقادي بأنَّ معظم الأفكار التي أطرحها أو سأطرحها في هذه التعليقات ستكون مدانة، أو هي مدانة مسبقاً، في نص المقالة، فسأحاول طرحها، على أمل أن تتقبليها، دون أن يعني ذلك طبعاً أن تقبليها.

وعلى الرغم من أنَّك تربطين بعض أفكار مقالتك بسياقٍ معيَّن – سياق الربيع العربي عموماً والتونسي خصوصاً – كما توجهين انتقاداتك أحياناً إلى وجهات نظر محدَّدة وأفكارٍ متطرِّفة معلَّبة، إلا أنني سأعتبر، انطلاقاً من عنوان المقالة، أنَّ انتقاداتك تخصّ كلَّ من يعتبر أنَّ ارتداء النقاب، أو عدم ارتدائه، أمرٌ يرتبط، بدرجةٍ أو بأخرى، وبشكلٍ أو بآخر، بحرية المرأة، وأنَّ كلَّ امرأة لها الحق في أن تقرر بحرية، وبدون أيِّ إكراهٍ أو قسر خارجي، إن كان يجب عليها أن ترتدي النقاب أو الحجاب أم لا.

أولاً- أتفق معك بأنَّه ومن حيث المبدأ يجب رفض كل أشكال الرقابة الخارجية على الفكر، والتي تسعى لإحاطتنا بالكثير من الخطوط الحمر والصفر والخضر، والتي تريد أن تمنعنا من التفكير والتحدث في الكثير من الأمور التي يجب علينا وضعها تحت المجهر لأسباب عديدة. وموضوع الحجاب أو النقاب هو من هذه المواضيع التي لا يجب منع الناس من طرح رؤاهم حولها، مهما اختلفت هذه الرؤى. لكن مقابل هذه الحريَّة “شبه المطلقة”، أرى أنَّه من الضروري أن يحاول كلٌّ منا طرح أفكاره بشيٍّ من الودية وعدم التغييب الكامل لاحترام الآخرين (أشخاصهم أو أفعالهم أو أقوالهم إلخ.) وبين هذين الحدين تنوس الحرية في المجتمعات عموماً، وإن كنت أتمنى الوصول إلى مرحلة يمكن فيها لكلٍّ منا أن يعبر عن أفكاره بحرية “مطلقة”، وبدون أي قسر أو قهرٍ أو قيدٍ خارجي.

ثانياً- أتفهم وأؤيد جزئياً تجنبك الخوض في الطرح الديني لظاهرة النقاب، ومعك الحق في الإشارة إلى تعدد تأويلات المتدينين لهذا الأمر، بل وتناقضها أحياناً أيضاً. لكنني أخشى أنَّ هذا التجنب هو أحد العوامل التي منعتك أو تمنعك من رؤية أيَّة معقولية في ظاهرة النقاب؛ ومنعتك بالتالي من إظهار أي نوعٍ من أنواع الفهم أو الوصول إليه، في تفكيرك أو مناقشتك لوجود هذه الظاهرة وأفعال ممارسيها وآراء المدافعين عنها. كيف نستبعد مناقشة الطرح الديني لمسألةٍ يشكِّل فيها هذا الطرح عقيدةً مؤسِّسة جزئياً ونسبياً لأفكار وسلوك بعض أو معظم المتبنين، عملياً أو نظرياً، لهذه الظاهرة، والمدافعين عن أحقية وجودها؟

سأسمح لنفسي بأن أسألك الأسئلة التالية: ما هي الغاية المبتغاة من وراء انتقادك لهذه الظاهرة؟ هل يكمن غرضك في التعبير عن رأيك فقط، أم أنَّ ثمة غايةً أبعد من ذلك؟ هل تتمثل هذه الغاية في الحدِّ من ظاهرة النقاب وإقناع المنقبات بالتخلي عن نقابهن، وإقناع الآخرين والأخريات بضرورة عدم ارتداء النقاب، أو بعدم ضرورة ارتدائه؟ هل ترين أنَّ هذا الأسلوب “الصدامي” أو “الجبهي” هو الأفضل أو “الأنجع” لتحقيق الغاية المفترضة في السؤال السابق؟ هل ترين أنَّه يمكن تحقيق هذه الغاية، في حال أهملنا أسس معتقدات الآخرين وأبعادها الدينية المهمة في ظاهرة النقاب؟ رؤيتي الشخصية تفرض عليَّ الإجابة بالسلب على السؤالين الأخيرين، لكنني لا أستبعد وجود إجابة مختلفة لديك، في حال كانت هذه الأسئلة مطروحة لديك أصلاً، أو كانت تستحق أن تطرح من وجهة نظرك.

السؤال الأول المطروح في مقالتك هو: كيف يتحوّل اعتبار المرأة عورة إلى موضوع مطالبة بالحقّ؟

يتأسَّس هذا السؤال على “طرحٍ دينيٍّ” متمثلاً بفتوى أحد الشيوخ الذي اعتبر “وجه المرأة عورة كفرجها”، وبالتالي يجب على المرأة ارتداء النقاب. وقبل محاولة الإجابة على هذا السؤال، سأحاول مناقشة ذهولك من مضمون هذه الفتوى التي تم وصفها بالجنونية وبالهاذية وبالباعثة على القلق. وسأضع جانباً مسألة كون هذه الفتوى باعثةً على القلق (لأنني أتفق معك في ذلك وأجد التعبير معقولاً شكلاً ومضموناً). لماذا تجدين هذه الفتوى جنوناً وأمراً غير منطقي. يجب التذكير في البداية بأننا نتحدث هنا عن مسائل أخلاقية اجتماعية لا تخضع لمنطق العقل الخالص أو المتحرر من كل اعتبارٍ وضعي أو اجتماعي أو أخلاقي متعيِّن. فإذا كان هناك من يعتبر حالياً أنَّ ثديي المرأة عورة، فربما سيكون ذلك بالنسبة لسكان مملكة ماري قديماً أو أفراد بعض القبائل أو البلدان الإفريقية أو الأوربية حالياً، أمراً غير منطقيٍّ أيضاً. ما هو المعيار المقبول بالنسبة لك للعورة عند المرأة؟ من حيث المنطق العقلي، أنا لا أجد أنَّ ثمة عورة في المرأة بما في ذلك فرجها، لكنني لا أستغرب وجود من يعتقد بأنَّ وجه المرأة عورةٌ. ولا أعتبر عدم الاستغراب هذا خضوعاً لقيمٍ لا أؤمن بها، بل أعتبره نوعاً أو درجةً من الفهم يجب الانطلاق منه لفهم المنقَّبات وفهم ظاهرة ارتداء النقاب، ومن يدافع عنها. ولا تسمح المرجعية التي تحيلين عليها في نقاشك لهذا السؤال، والمتمثلة في التحليل النفسي الفرويدي، بمناقشة وعي المنقبات أو فهمهن؛ لأنَّ هذا التحليل يفسِّر الوعي باللاوعي، بدلاً من محاولة فهم هذا الوعي ومناقشته من داخله. طبعاً أنا لا أجادل هنا المعقولية النسبية والكبيرة لهذا التحليل، لكنني أشدد على محدوديته وعدم قدرته على الإحاطة الكاملة بأبعاد ظاهرة النقاب ووعي متبني هذه الظاهرة، أو فهمهم وتبريرهم لها. فهل الالتزام بالنقاب بداعي التقوى والورع يرتد، بالضرورة وفقط، إلى “فشل الثّقافة والتّنشئة الاجتماعيّة في تهذيب غرائز هؤلاء”؟ ألا يمكن ارتداء النقاب بداعي التقوى والورع دون أن يكون ذلك علامةً على وجود مرضٍ نفسي أو ما شابه؟ هل تعتقدين فعلاً أنَّ كل المنقَّبات مريضات نفسيات أو مأزومات نفسياً، بالضرورة؟ أحترم خبرتك العملية بوصفك محللة نفسية، وأعترف لك بسلطة معرفية نسبية في هذا المجال، لكنني ومن خلال خبرتي كإنسان عادي في مجتمع يوجد فيه منقبات ومن خلال احتكاكي معهنَّ بدرجة أو بأخرى، لا أرى أنه من الإنصاف أو الموضوعية الإجابة على الأسئلة الأخيرة بالإيجاب.

وحتى إذا افترضنا أنَّ ارتداء النقاب، أو الاقتناع بضرورة ارتدائه، هو علامةٌ مرضية كما تقولين صراحة في صياغتك الجديدة “كيف تتحوّل علامة مرضيّة إلى موضوع مطالبة بالحقّ؟” لسؤالك الأوّل، فالسؤال هنا كيف نتعامل مع هذه الظاهرة المرضية؟ والملاحظ أنَّ المرض هنا يصيب الوعي نفسه، أو يصيب فكر الإنسان ومشاعره تجاه هذه المسألة؟ فكيف يجب علينا حينها التعامل مع هؤلاء المرضى؟ هل يكمن الحل في التنديد بوعي هؤلاء، وانتقاده، والانتقاص منه، وإظهار دونيته؟ هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى شفاء وعي هؤلاء المرضى؟ ومن وجهة نظري، لم يصل مرض هؤلاء الأشخاص إلى درجة تستوجب عدم احترامهم، وعدم احترام خياراتهم، والحجر عليهم، والتقرير بدلاً عنهم في أمور أفترض أنَّها تخصهم وحدهم فقط. ولهذا أجيب بوضوح، حتى لو كان النقاب علامةً مرضيَّةً، فأنا لا أجد أنَّ ذلك يجب أن يمنع من اعتبار ارتداء النقاب حقاً لمن يقتنع بضرورة ذلك. ومن وجهة نظري، يجب على الآخرين الاعتراف بهذا الحق واحترامه واحترام من يمارسه. ولتوضيح ضرورة هذا الوجوب أرى ضرورة الانتباه إلى النقاط التالية:

أولاً- ليس هناك تناقض بين الحرية والكرامة أو بين الكرامة والنقاب. وبدلاً من الانطلاق، وفقاً لمحاجَّتك، من المسّ بالكرامة (وفقاً لفهمك لها) للقول بأنَّ هذا المسّ يجب أن يبرّر للسلطة مثلاُ بأن تحمي الإنسان من نفسه ومن هذا المسّ بكرامته، أرى أنَّه من الأولى طرح السؤال التالي (دون نفي المعقولية النسبية لطرح السؤال السابق) ألا يؤدي المسّ بحرية الإنسان إلى المسّ بكرامته بالضرورة؟ فتمتع الإنسان بالحرية الإنسانية الممكنة هو شرط لتمتعه بالكرامة، والعكس صحيح أيضاً. ولا أرى أنَّ ارتداء النقاب هو حالة مماثلة لحالة رمي القزم. أما بالنسبة للأمثلة الأخرى، فأرى أنه، ومن الناحية المبدئية، من حق الشخص أن ينتحر إن أراد، وليس من حق أي جهة أن تفرض عليه وصايتها، في هذا الخصوص. ورأيي نفسه، من حيث المبدأ، في حالة إدمان المخدرات، ومعياري في ذلك هو أنَّه من حق الإنسان فعل ما يريد طالما أنه لا يسعى من وراء ذلك إلى الإضرار المباشر بالآخرين، ولا يفضي عمله إلى حصول هذا الإضرار. وأقول إنَّ هذا هو رأيي الخاص، من حيث المبدأ، لكنني أتفهم جزئياً عدم حصول البشر في معظم أنحاء العالم على بعض هذه الحقوق أو ما يماثلها. وباختصار هناك نساء يعتقدن أنَّ نقابهنَّ هو جزءٌ من كرامتهنَّ. والاتساق مع مفهومهنَّ الخاص بالكرامة يبدو أولى من الاتساق مع مفهومك الخاص المعروض هنا.

ثانياً- بالنسبة للتعارض بين النقاب والمؤسسات، أجد أنَّه يمكن حلُّه، إن توفَّرت الإرادة لدى مؤسَّسات الدولة المعنيَّة. وتوفّر الإرادة يتطلَّب توفّر القناعة بأحقية الآخر واحترام خياره، وعدم توفّر كل ذلك هو العامل الرئيسي لوجود تعارض فعليّ أحياناً بين النقاب والمؤسسات. أمّا الأفكار الأخرى الواردة في هذه الفقرة فأجد فيها نوعاً من العقلنة لنفورك الكبير من ظاهرة النقاب. ويمكن الاعتياد على هذه الظاهرة والتعامل معها بأريحية أكبر ممّا تصوّرين. وحتى إن كانت ظاهرة النقاب تفضي إلى شعور البعض بالنفور وبعدم الثقة، وتمنع أحياناً من التواصل والشعور بالألفة، فربما هذا هو الثمن الذي قد نضطرّ لدفعه في سبيل احترام الآخرين واحترام خياراتهم الخاصة.

ثالثاً عملياً لا توجد حرية مطلقة للسلوك وإن كنت أتمنّى السعي للاقتراب من تلك الحرية ما أمكن. لكن عدم وجود حرية مطلقة في السلوك لا يعني عدم أحقية الدفاع عن حق المنقبات بارتداء النقاب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق