النقد في ميزان العقل العربي

النقد عملية قائمة على التحليل والتركيب والاستنتاج، مؤداه بيان الحقيقة، والتي تحاول جاهدة البحث عن كل عملية تمس واقع الحياة وتكون خاضعة لعمليات عقلية، وإخضاع الأفكار لعملية التحليل والتركيب للانخراط في صناعة الحياة. إن عملية النقد المنهجي للكثير من العلوم التي حاول العقل إيجاد المخرج المناسب للمعرفة، وهي الطريق لحل الإشكاليات التي حيّرت العلماء والفلاسفة والمفكرين في الماضي والحاضر وإلى المستقبل، حول تحولات الكون الغريبة والمعضلات التي واكبت حياة الإنسان، فكانت عملية البحث والتجربة مستمرة باستمرار وجود الإنسان على هذا الكوكب. وكانت الحياة وأسرارها الخفية والغريبة عن الإنسان هي ميدان العقل الرياضي الذي مارس فيها دوره الفعال لإيجاد المعنى لوجوده والقيمة الحقيقية لمعنى الوجود والحياة، وأصبح العقل النقدي هو الأداة البشرية التي لم تخضع إلا عبر مقدمات علمية وقوانين ثابتة وأخرى متغيرة، فكانت الحقائق العلمية هي البداية لولادة عالم جديد، عالم المعرفة ولجج العلوم الطبيعية وغيرها من العلوم الحياتية.

عملية البحث قائمة وبشكل أساسي على نقد الموروثات وعدم الاستسلام لميثولوجية شعبية توارثها العقل البسيط لإنسان العصور الغابرة. والعاجزة عن تفسير الظواهر الطبيعية إلا عبر تلك المسلمات التي أسسها التراث القائم على النقل، وتحولت تلك المفاهيم المنقولة من التراث البشري بعد ذلك إلى مقدسات وخطوط لا تُمسّ إلا بإذن من الذين أقحموا أنفسهم ليكونوا الأوصياء على البشر وعلى عقول الناس.

ولكنّ العقل تطور، وتطورت معه المدارس الفلسفية فأصبح الصراع لا محال قائما بين رجال العقل ورجال النقل. وكانت ساحات العالم هي الميدان للمعارك الفكرية والفلسفية الأولى بين رجال التراث والفلاسفة العقلانيين، والتي انتهت لصالح الإنسانية عبر قرون من محاكم التفتيش والقتل والسجال الفكري والبحث المضني لإعادة دور الإنسان الفعلي للمساهمة في تكوين حضارته الممتدة في كل زاوية من زوايا الحياة.

وفي النظر لدور العقل في التاريخ العربي، لم نجد له موقفا من التراث سوى ومضات بسيطة في فترة ما من العصر العباسي، ولدور الترجمة في بروز تلك المدارس العقلية التي أحيت فصلا من فصول التفكير المنطقي، فظهر أخوان الصفا والمعتزلة بعلوم تجاوز التراث الديني والتاريخي إلى علوم الطبيعة والطب والفلسفة، وتلاشت بعد ذلك جهود المفكرين والعلماء العقلانيين بعد أن سيطر ثوار العقل النقلي على مقاليد الأمور في زمن المتوكل وإلى يومنا هذا.

فنجد إصرارا غير مبرر لوأد أي محاولة لتجديد الفكر الديني والتراث التاريخي، وإبقاء دائرة الاجتهاد مغلقة وغير متاحة للآخرين. ويكون حق النقد خاص فقط بأصحاب بالفكر الديني لكل فلسفة أو فكرة وتكون عبر منابر المساجد لتأجيج عامة الناس على المفكرين والفلاسفة والليبراليين، وهم وحدهم من بيدهم حق الرفض والسماح لأي فكرة، ويستنفر باقي الجوقة إلى محاكم النيابة بتهمة تحقير الدين وجرح مشاعر الناس، والشواهد

لا حصر لها. وهم الميزان لكل ما هو جائز ومحرم ومباح ومكروه، ويبقى الإنسان تابعا ومقلدا دون أدنى اعتراض أو مناقشة، إما لعدم الإيمان بأهمية العقل في حياته وإما الخوف من عقاب الجماعات المتطرفة.

بل نستطيع القول إن العقل العربي عقل مضطرب، وذلك لتناقض وقائع الأحداث التاريخية والقضايا الفقهية، إذ كيف يمكن للعقل البشري تقبل حديث (العشرة المبشرون بالجنة) وفيهم من قتل الآخر في مواقع تاريخية شهيرة، بل والتعرض لتلك الأحداث مرهون بشرط عدم الإيغال في الأسباب والمسببات، ويستمر تبريرهم لأية حادثة تاريخية بدعوى الحفظ على التراث من الجرح والتعديل؟! وكيف يتم إقناع العقل العربي بالفرق بين حرمة ربا البنوك غير الإسلامية والمرابحة في البنوك الإسلامية. والتي في النتيجة هي الربا بالمعنى الواقعي؟!

إن عدم التطرق لتلك الأحداث ونقدها وتحليلها ووضعها تحت المجهر الآن لن تكون في منأى من التجريح في المستقبل القريب، إن لم يكن قد بدأت فعلا المواجهة بين المعقول والمنقول. لقد أصبح التاريخ الإسلامي اجترارا للماضي وتمجيدا للأسلاف التاريخية وبكائيات أبدية أو أشبه ما يكون بمتحف تاريخي نشاهد أحداثها ونرى وقائعها بصمت وذهول في آن معا!

تفكيك التراث والنصوص بأدوات المنهج العقلي بما يتجانس مع المنطق والواقع بعيدا عن المكابرة والنظرة الاستعلائية والثقافة الغيبية وقبول مبدأ الاختلاف، مهما كان قاسيا، هو جوهر أساسي في التطور والتكامل وبعيدا عن التطرف والمغالاة والتشدد من أجل إثبات الرأي وإلغاء الآخر.

{نشرت في جريدة أوان في 10/3/2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق