“النكاية” باعثاً للفكر الإسلامي

وقف دارسو تاريخ التشريع الإسلامي في بحثهم لأسباب اختلاف الفقهاء عند الأسباب الموضوعية والظاهرية لهذا الاختلاف، وفتشوا عنها في طبيعة النص، وفي طرق دلالاته واحتمالاتها وتعارضها، إلى آخر ما هنالك من أسباب معروفة مشهورة، لكن هذه الأسباب المعروضة من قِبل هؤلاء الدارسين لم تكن كاملة، فقد أغفلوا أسباباً أخرى لصالح رسم صورة متخيلة مأمولة مثالية، فهم لم يتناولوا دور الفقيه نفسه بما هو إنسان باعتباره سبباً من أسباب هذا الاختلاف، اللهم إلا في حديثهم عن اختلاف الاستعدادات والملكات الذهنية والعقلية بين العلماء، وكونها مسؤولة عن بعض هذا الاختلاف، غير أنهم لم يمتلكوا الجسارة التنويرية ليدرسوا الأسباب الذاتية النفسية كـ (النكاية) مثلاً، أوليمحصوا الأسباب النفعية كـ (التملق) و(اصطناع الأيادي) التي تحرّك الفقيه أوالعالم لإنتاج رأي دون رأي، أولتبني رأي على رأي، أو تدفعه للاصطفاف في طابور فقهي أومذهبي ضد طابور آخر، ولو على خلاف ميوله سواء أكانت صاحية أم هاجعة، ولم يتوجهوا لصياغة كل ذلك ضمن رؤية بانورامية متكاملة.

ولئن سألني سائل: ما الذي تقدمه لنا مثل هذه الإثارة؟ وبماذا تفيدنا؟

فإني أجيب: يكفي أن تقدّم لنا شيئاً واحداً لا شريك له، ألا وهو (الفهم).

أن (نفهم) ما جرى، وأن (نفهم) ما يجري. وهذا في حد ذاته أهم مكسب وأعظم ربح. أما جميع الفوائد الأخرى فتأتي في الدرجة الثانية، وفي مقدمتها الخروج من حالة (سوء الفطنة) التي تتلبسنا جرّاء (حسن ظننا) المفرط بـ (العلماء)، ومعاملتهم على أنهم نوع من الكائنات العلوية الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهذه الفائدة تنطلق من المنطق القرآني نفسه الذي عاب على السابقين إضفاءهم القداسة والعصمة على (الأحبار والرهبان) {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}التوبة: 31 ، ومن البيان القرآني عينه الذي يؤكد أن الانخراط في سلك (العلم) و(الرهبنة) و(المشيخة) لا يعصم الإنسان من النوازع المادية التي قد تسيطر عليه، فتوجهه وتدفعه وتؤثر على حركته الفكرية والسلوكية {يا أيها الذين آمنوا إنّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله}التوبة: 34.

ومن هذا المنطلق نقول: إنّ بعض الناس يظنون أنّ (العلماء) والمشايخ ورجال الفكر الإسلامي الغابرين والمعاصرين رهط مؤتلفون، وزملاء في الله، لا تحرّكهم إلا روح عذبة وإرادة طاهرة، ونحن إن سلّمنا بذلك لبعضهم أو لقلة قليلة منهم، فإننا نجزم أنّ أكثريتهم تتوزع بواعثهم ودوافعهم ومحركاتهم على (المنافسة) تتبعها (النكاية)، وعلى (التملق) يصحبه (اصطناع الأيادي)، بل نعتقد أنّ أخوّتهم تناحرية، وصداقتهم تشاكسية، مصداق ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فو الذي نفسي بيده لهم أشد تغايراً من التيوس في زُربها"، وما روي عن مالك بن دينار: "يؤخذ بقول العلماء والقرّاء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض فإنهم أشد تحاسداً من التيوس، تُنصب لهم الشاة الضارب فيثب هذا من ههنا، وهذا من ههنا".

  وفي حومة تطاحنهم تُجدَل أحابيل الدهاء فينتج عنها ما نسميه في العرف العام (مواقف)، وفي خضمّ تناطحهم تنقدح شرارات متطايرة فنسميها في العرف الفقهي (فتاوى)، وفي العرف الكلامي (مقالات).

  أما المطّلع على المعاصرين منهم فيعرف أنّ كل واحد من هؤلاء هو أعظم في نفسه من جلفر بين الأقزام، ومن البراق بين الحمير، وأما المنغمس فيهم فيعرف ما في صدورهم على بعضهم من سخيمة وحسيكة، وما في قلوبهم من غلّ ووغر، وليس هذا أمراً طارئاً ولا مستحدثاً، فلو رجعنا إلى المؤلفات والكتب التراثية فإننا سنجد توثيقاً كاملاً لما ندّعيه، وخذوا على سبيل المثال الباب الذي عقده الإمام ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" تحت عنوان: (باب: حكم قول العلماء بعضهم في بعض)، حيث نقرأ في هذا الباب عرضاً موثقاً بالأسانيد المتصلة لآراء أئمة العلم في بعضهم بعضاً فيصيبنا الذهول والعجب، فهذا الإمام مالك يصف ابن إسحاق مدوّن السيرة النبوية الأهم بـ (دجّال من الدجاجلة)، ويتحدث عن فقهاء العراق فيقول: "أنزلوهم منكم منزلة أهل الكتاب، لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد".

  وهذا ابن أبي ذؤيب يتكلم في الإمام مالك بكلام فيه من الخشونة والجفوة ما يُخجل ابن عبد البر عن إيراده وذكره، أما إبراهيم بن سعد فلم يكن يشفيه مجرد ذم الإمام مالك بل كان يدعو عليه، وكذلك تحامل على الإمام مالك الإمام الشافعي نفسه، وبعض أصحاب الإمام أبي حنيفة.

  وهذا حمّاد بن أبي سليمان فقيه الكوفة وشيخ الإمام أبي حنيفة يقول لأهل الكوفة بعد أن يعود من مكة: "يا أهل الكوفة إني لقيت عطاء وطاووساً ومجاهداً فلَصبيانكم وصبيان صبيانكم أعلم منهم".

  وهذا هو الزهري يقول: "ما رأيت قوماً أنقض لعرى الإسلام من أهل مكة".

  أما الشعبي فيُذكر عنده إبراهيم النخعي فيقول عنه: "ذاك الأعور الذي يستفتيني بالليل، ويجلس يفتي الناس بالنهار"! وعندما يُذكر ذلك لإبراهيم يقول عن الشعبي: "ذاك الكذّاب لم يسمع من مسروق شيئاً".

  وأما سعيد بن المسيب وعكرمة فكان بينهما من تكذيب وانتقاد واتهام يصل إلى حدّ التخوين، وكذلك الحال بين الأعمش والإمام أبي حنيفة.

  أما ابن معين فكان لديه فضل طاقة تجريحية تدميرية لم يسلم منها الإمام الأوزاعي ولا الزهري ولا طاووس ولا الإمام الشافعي.

  ويقول الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبه به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أولمنصب أولحسد، وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمتُ أنّ عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئتُ لسردتُ من ذلك كراريس". ج1، ص111.

  وما أوردناه للتوّ يكشف لنا حقيقةً لسنا في حاجة للجدال بشأنها من كون (العلماء) ليسوا في قلعة حصينة منيعة من الغرائز والطباع، فهم أولو هواجس، ينتابهم ما ينتابنا من انفعالات، ويحيق بهم ما يحيق بنا من وساوس! ويخضعون لآليات التنافس والتحاسد نفسها التي يخضع لها أرباب المهنة الواحدة، وهذا ما قرره الجاحظ وابن الجوزي، وهذا ما أسهبا في شرحه وضرب الأمثلة له، ولئن أكدا أنّ أهل الظرف قلما يتحابون فيما بينهم، فإنني أؤكد أن (أهل العلم) قلما يتصافون، فضلاً عن أن يتحابوا، غير أنهم يمتازون من الجميع بأنهم ذوو جِبلّة حارة وقائظون، ولا يطيقون شيئاً فوق ذواتهم، فقد اعتادوا أن يكونوا أولاً، وأن يكونوا مرادين، وأن يكون الناس تابعين مريدين، لذا فهم يَشْقَوْن بالمنافسة، ويعيشون حالة من التوهم الكئيب الذي يسومهم سوء العذاب، ويحيون بتأهب دائم لأن تترعرع حفائظهم ضد مزاحميهم، ولأنهم بشر فإنّ لهم شياطينهم أيضاً، وهي كشيطان كزنتزاكس الذي يكمن منتظراً وراء فضائلهم لابساً لبوس الفضيلة، وهو واثق أن ساعته ستجيء عاجلاً أم آجلاً، وهي عندما تأتي لا يتجه عملهم غالباً إلا إلى إساءة فهم أقوال المنافس، وإلى تشويه رأيه أو موقفه تشويهاً مسبقاً، ثم إلى محاربته على أنه شيء رهيب خطير، من دون أن تأخذهم في الله لومة لائم.

  أما سيوفهم في ذلك فالتقصي الدائب عن لوازم الرأي أوالموقف أوالفتوى، وتضخيمها وتهويلها لينقَضّوا بها على ذلك الموقف، أوليَنقُضُوا بها تلك الفتوى، ناسفين بذلك القاعدة العلمية التي جفّ حلقها وهي تصيح وتنادي: "لازم المذهب ليس بمذهب".

  وأما حرابهم فالحفر والتنقيب في النوايا والبواعث والمقاصد والمرامي، فهم الأقدر على تولي (السرائر)، وعلى كشفها وهتكها وفضحها وإبلائها، لأنها أهم من (الظواهر)، وأصدق منها، وهي الأساس وعليها المعوّل، بغض النظر عن صلاح (الظاهر) أو صلاحيته للصلاح.

  وأما سهامهم فالتفتيش والتقميش حول العلاقات الخفية المشبوهة المنسوجة وراء الأكمة, في غفلة منّا نحن عباد الله.

  ومن هنا فإن كثيراً من آرائهم التي يبثونها، أوفتاويهم التي يقدمونها، أومواقفهم التي يتبنونها ما هي إلا شكل من أشكال الغثاثة المتبادلة المنطوية على متعة إيذاء الخصم وتحطيم المنافس، وإيقاع (النكاية) فيه.

  وهكذا تنشأ عن الفتاوى فتاوى مضادة، وعن الآراء آراء مخالفة، وعن المواقف مواقف مباينة، وكلها ليس بينها نِسَب منطقية على الإطلاق، لأنها في المحصلة ليست سوى مضاربة على كسب مرضاة ذبذبات السلطة أو المعارضة أو الشعب، والمحظوظ من هؤلاء (العلماء) من يتغلب بالسعاية والمكيدة والحيلة والاختلاق والقوة والمظلومية والفضيلة والمعونة الربانية.

  على أنّ (النكاية) لا تكون في حدود الأشخاص فقط، ولكنها تعبر للمذاهب  والطوائف، ولا بأس هنا بالعنديات والاختلاق نكايةً بالمذهب المخالف، وإغاظةً للطائفة المباينة، وخذوا على سبيل المثال تفسير الآية القرآنية: {خافضة رافعة}، فهذه الآية بحسب جميع المفسرين تدور على كون القيامة خافضة لأعداء الله إلى النار،  رافعة لأوليائه إلى الجنة، لكن (النكاية) تعمل عملها عند ابن العربي المالكي فيختلق قولاً لم يرد بتاتاً في كتب السابقين، ويورده في كتابه سراج المريدين (مخطوط)، فيقول: "ترفع عائشة على فاطمة، فإنّ النبي مع عائشة، وفاطمة مع علي". [نقلاً عن: عبد الحي بن محمد الصديق، كتاب: حكم اللحم المستورد من أوربا النصرانية. ص 18، ط3. طنجة. تقديم مفتي مصر علي جمعة]، و(النكاية) هنا تطل برأسها بدون برقع أو حجاب، ذلك أن النبي كان له زوجات غير عائشة، وبنات غير فاطمة، فلماذا خصّ ابن العربي الخفض بفاطمة دون سائر بناته، وخصّ عائشة بالرفع دون سائر زوجاته؟؟

بل و(النكاية) تعبر للأديان، وهنا تكون (النكاية) في الأعم الأغلب خالصةً لوجه الله تعالى، أوَليست هذه النية الحسنة أحد أبرز دوافع حركة (الوضع) و(الاختلاق) في الحديث الشريف والسيرة النبوية، والتي اجترحت للنبي محمد صلى الله عليه وسلم إرهاصات ومعجزات تضاهي بل تفوق معجزات عيسى وموسى عليهما السلام، (نكاية) باليهودية والمسيحية، ولو راجعنا أسماء الوضّاعين والكذّابين في تراثنا الإسلامي فسنقع على مقولات عدة لهؤلاء كانوا يقولون فيها: "إنما نكذب لرسول الله ولا نكذب عليه". وهي نفسها الدافع وراء إخراج كم هائل من الروايات مما بات يُعرف بـ (المناقب والفضائل) التي تتوزع بالتساوي على أفراد آل البيت وعلى أفراد معينين من الصحابة، بل وتطال قبائل وأمكنة وبلداناً، وقد أورد الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن سعيد القطان قوله: "لم نرَ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث".

وببركة مبدأ (الاستصحاب) فإنّ ما صدق على الماضي يصدق بصورة أفدح وأفظع على الحاضر، والأمثلة الحاضرة تملأ أيضاً كراريس، ولكننا نمسك عن إيرادها لمناسبة أخرى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق