الهفوة التي أصبحت خطأ

لأيّ حدث مصطلح أو كلمة تعبّر عنه، وله تاريخ ولادته وتطوّره وتصحيحه أو تناوله ليخرج بنتيجة ما، أو عدم الخوض فيه، كونه مشبعاً في خطأ غير مجد، كما أنّ الخطأ جزء من الحقيقة التي هي مجموعة من الأخطاء، إذاً من هنا فالحقيقة لا تصبح حقيقة إلا بعد مرورها بمجموعة من التجارب والتصحيح والإضافة والإزالة. بعد هذا التمحيص أما أن تصبح جزءا من تاريخ المعرفة أو يكون مقلوباً رأساً على عقب.

في الحالة الأخيرة يجب تركه كي لا تتراكم المعرفة الغير المجدية، لأنّ العلم يبغي الاقتصاد في الكلام، أمّا الإيمان فلا يقف عند هذا الحدّ، ومن حقه أن يكثر من الكلام بحجّة أنّ الإيمان القويّ بحاجة إلى كلمات كثيرة، أو بكلام آخر يقول سبينوزا:[1]” اذ يظلّ كلّ فرد حرّاً في أن يقحم على الايمان ما يشاء، بحجّة أن ما يقحمه وسيلة ضرورية للطاعة”. يكون الناس المؤمنون فقط هم المثقفون، ولا يحتاجون من يرشدهم كون أن الايمان كما يقول يعقوب(2:17): الإيمان دون الأعمال مائت. ومن هنا فالايمان يعني الخضوع والطاعة دون أيّ قراءة أخرى. عكس ما تذهب اليه المعرفة يكون الناس أحراراً بقدر معرفتهم للقوانين الطبيعية والاجتماعية.

ثم إنّ التاريخ يجب أن يكون تاريخ المعرفة، وتاريخ المصطلح هو بحدّ ذاته فعل من أفعال المعرفة. ولكنّ الخطأ الذي نحن بصدده هو أوّل ما اقترفته يد البشرية ولم يجر عليه أي تبدلات وعاقبت جميع الأجيال اللاحقة، بهذا الجرم الغير المنسود بالنسبة إلى الأجيال اللاحقة التي لا علاقة لها بذلك، أو أنها ستحمل الإثم العشائري في حالتنا الراهنة، أو هي ستحمل الإثم وهي لم تخلق بعد، وهنا تصبح القضية كيدية بلغة القانون، وتصبح المشكلة خطأ، كان من الممكن معالجتها أو تركها جانباً. أو أن تجعله مشكلة دون أن تكون خطأ، هنا نتكلم ليس عن الفرد وثقافته وسيكولوجيته بهذا المنحى وإنما عن الله الكلي القدرة، وأن يقول له كن فيكون.

كان من دواعي خجله أن آدم قد أكل من شجرة المعرفة، كونه لم يكن يعرف عاقبة تصرفه، لو أنه يعرف من المؤكد ما كان يقدم على ما أقدم عليه، ولكن يبدو أنّ القانون الآلهة الرحيم لا يحمي غفلته كما هو خصيصة القانون البشري، أوليس القانون يطرح نفسه على النور، ومن يقدم عليه يكون مخطئا ويجب محاسبته على قدر تجاوزه، وهذا ما لم يتم، لذلك عاقبه الله على مجرى التاريخ ولا زلنا ندفع الثمن، وبقي الخطأ خطأ دون تصحيح أو تمحيص، وكأنه مهما فعلنا نحن البشر من أجل تصحيحه، لا مجال لتزكيته لأن يكون غير ذلك، ومن هذا الخطأ ولدت الأديان الكثيرة. بعضها مات لعدم كفاية الأدلة الكافية على أنها سماوية، وبقيت منها ثلاثة أديان وهي: اليهودية والمسيحية والإسلام. كل هذا التراكم المعرفي من أجل أصلاح الخطأ ولكن دون جدوى، حتى من ترميمه، وهذا يؤدي إلى عدم معاقبة الأجيال؟ كون الله لا يضرّ بالبشر في نهاية المطاف، وإلا ما كان الأمر بحاجة إلى هذا ليعذّب البشرية إلى هذا الحدّ وباستطاعته أن يخلص البشرية من الخطأ.

آدم كان صغيراً بكل المقاييس مقارنة بالله الذي هو كبير، كيف يحاسب ناقصاً؟ كل هذه القرون، بإشارة منه يستطيع أن ينهي أشياء كثيرة، ويريح الإنسان من خطأ اقترفه منذ فجر التاريخ. ولكن هذه الهفوة لم تنته بعد، ما زالت على غاربها تتكاثر الأخطاء دون حلول. وهنا وقع الإنسان في مأزق كبير من إلاه ينسج له دائماً فكرة الخطأ وعدم قبول توبته، إلا بالإيمان الصالح، ودون أن يتدخل في مسائل إلهية، وكأن الله ليس رحيماً أو غفوراً، على الرغم من أن الشيطان طرد من لدنه لعدم سجوده لآدم. وكانت له حجته التي لا تقارع، في هذا المجال. العنصر الأكبر لا يسجد للأصغر، وهذا لا يجوز في منطق الفكر الحديث. وإن لله يرجع إليه تسمية الأمور، عاقب الشيطان بناء على جملته هذه، كما لو أن الله حاسب أصغر منه مرة أخرى نتيجة هفوة، وأصبحت خطأ جسيماً يحاسبه مدى تاريخ البشرية جمعاء ربط مصيره بمصير الإنسان؟!. وأصبح الإنسان والشيطان في كفة واحدة، من حيث أن كليهما قد طردا من جنته وحرما معاً من رحمته. الأول عليه أن يبحث عن التوبة غير المجدية، والثاني شهّر به إلى الأبد. وإلا لماذا لا يقبل توبته إلا بالعمل الدائم ودون أن يستخدم عقله؟ ونحن نعلم جيداً أن الأعمال غير العقلية ليست لها قيمة تذكر؟

وحيث أن الله أنكر فعل المعرفة وبدله بفعل الإيمان، أي لا تفكّر كما فكّر آدم ذات يوم، أو كأنه يريد أن يستقلّ بذاته، وهذا غير وارد في منظور الآلهة، أن تضع مصيرك في يد الإيمان وتمضي، وهكذا حرّم على الإنسان أن يخوض غمار التفكير.

ولما كانت الأديان بحاجة إلى برهان دنيوي، احتاج مرة أخرى إلى عقل ادم ـ وكأنهما أصبحا في مستوى واحد هذه المرة مع الله ـ أن تؤمن بالله الواحد هنا الإيمان لوحده لا يكفيه، بل على العقل أن يبرهن على وجود الله كما قال انسيلم، وهنا يطرح السؤال ذاته:

لماذا يحرّم الفكر على الإنسان، ويعود إليه عند إثبات وجود الله؟!.

لماذا علماء اللاهوت بحاجة إلى العقل، في الوقت الذي هو فعل منكر عند الله؟ وهكذا يفهم أن فعل المعرفة نفي لوجوه. وكأن الله يحب الجهل. وهذا ليس جائزاً حسب الآيات التي أجاز العلم فيها على كثير من الأشياء.

الإيمان يعني أن تترك العقل جانباً، ودون الخوض في مضماره، والإيمان يعني ممارسة على أرض الواقع، وهنا احتاج إلى فعل المعرفة الذي ابتغاه ادم لئن يفتح للبشرية طريقاً دون الإيمان. قد يكون هذا الكلام غير صحيح في الوهلة الأولى، والإنسان بطبعه ينـزع إلى الجديد دائماً.

يقول تيوبالدوس: ” منذ “أوغستين” مروراً بـ “انسيلم”، وعلماء اللاهوت السكولاستيكي وحتى الأساتذة الذين درسوا اللاهوت للشابّ لوثر …. من الأكيد أن اللاهوت كان في نقطة انطلاقه. أو في نواته المركزية درس للوحي. المصدر الأول للحقيقة اللاهوتية، ومبدؤها، ولكن فيما بعد ولشرح هذه المعطيات الأولية وللاقتناع بتلك الحقيقة والدفاع عنها ضد خصومها، لجأ ذلك اللاهوت إلى العقل ونشاطه المغامر، وهكذا ارتبط الإيمان بالعقل والعقيدة والعلم في تركيب متماسك…. بين العقل والإيمان الذي يبدأ” بالسيطرة على عقول الآخرين، كي يصدقوا أن الوحي هو مجبول بالعقل، وأشد الأماكن ظلمة بالنسبة للإيمان فإنّ العقل ينيره وبدون الكثير من الجهد. هكذا نحن أمام الكيل بمكيالين، إن أردته فهو لك، وان لم ترده فهو حرام على من يستخدم العقل في مجال الوحي.

آلا يتبادر إلى الأذهان: لماذا هذا الخطأ بخطأ من أهل الإيمان يسترشدون بالعقل المعاقب؟ كل هذه الأديان تصب على الرأس عقوبات جمة نتيجة خطأ صغيرٍ؟ كان بالإمكان ألا يعتبر مشكلة لو أنها وضعت في مكانها الصحيح، علماً أن الله كشف عن ذاته عبر ذلك الخطأ. ولولا الأخير لما كان الله أصلاً في أذهان البشر.

إذاً فعل المعرفة غير مرغوب فيه حتى لو أنها تكشف بطريقة ما عن بايجابية معينة، ورغم أنه في يومنا هذا، تعتبر المعرفة أصل البلاء في كثير من البلدان التي حكوماتها ذات لون واحد، والأحزاب والجماعات التي تخاف على ذاتها، والمنغمسة في جهالتها التي تلف وتغلف مصلحتها الذاتية، وبالضبط اقتصادها وتيموسياتها. لذلك تلجأ إلى كبح جماح المثقفين والكتاب وكمّ أفواههم وأقلامهم، وتفتح لهم أبواب السجون والمنافي أو تلجأ إلى التشهير بهم بين العامة إن اقتربوا من الخط الأحمر، وهذا الخط هو الإيمان بحد ذاته، إن أناطوا الكشف عن نواياهم وبلائهم على أقوامهم وشعوبهم. والخطأ جزء من الحقيقة كما أسفلنا. علماً أن الأديان أزاحت الخطأ من مضماره فناقشت أشياء ذات صلة بمواضيع أخرى، فنرى أن الخطيئة الثانية وقعت على المرأة وعدم المساس بها واعتبارها بمثابة الحيوان الذي يجب أن يوطَأ أو يركب، وانزاحت من قائمة الإنسانية بتينك الكلمتين، فالمواصفات تدل على مكانة الموصوف، وهدا ليس خطأ بل يجب أن تعتبر جريمة بحق المرأة الأم والزوجة والأخت، وهنا دخل القائمون في الخطأ، ولم تتم محاسبتهم وكأنهم ليسوا من نسل آدم. وتتوالد الأخطاء من الطرفين المدافعين عن الله، أي عن الإيمان والمدافعين عن العقل، وكأنهم يضعون أخطائهم محلّ أخطاء مقترفة من قبل ادم. والخطأ نعرف أنه خطأ أينما ورد. كان من الممكن أن يعاقب آدم لوحده فقط على تصرفه كي يغفر له، وحينها لم يبق شأن للبشرية بهذا الخطأ. وبعد ذلك لم تكن البشرية بحاجة إلى كل هذه الأديان ومغزى وجودها، التي ناقشت الهفوة قبل أن تصبح خطأ، كل هذا العدد من الأنبياء والرسل والكتب وكل هذا الظلم لشعوبهم الذين لم يؤمنوا بما أتوا من قبلهم من اجل خطإ صغير. لَمَا يُدَهْدِهُ الجُعَلُ خير من الذين ماتوا في الجاهلية[2]، أليس هذا ظلماً، وما شأن الذين ماتوا في الجاهلية ولم يبلغوا الإسلام؟؟.

وأعتقد أنّ الأديان التي نزلت على أقوام غير أسوياء بالنسبة إلى الحضارة الإنسانية في ذلك العصر، خذ مثلاً اليهودية لم يكتب لها النجاح كون أن جميع اليهود كانوا مضطهدين لدى مصر الفرعونية، والمسيحية ردة فعل على دين قومي يهودي، أما الإسلام؛ فقد كان العرب في الجاهلية يئدون البنات، والقبائل تتقاتل فيما بينها بدون بسبب، ولم يكن للمرأةا وضع مشابه للرجل، والأديان لم تناقش هذا الوضع أبداً، بل أكدت على مسألة الخطأ الذي نحن بصدده فقط، ومن ثم فإنّ الأديان نزلت لا لإصلاح خطإ، بل لتقويم الوضع البائس القائم. فلو أنها جاءت لإصلاح خطأ لكان من الممكن أن يقوّي ويعزز مكانة العقل، لأن عليه المآل والمخرج من مأزق الخطأ. ليس هذا فحسب بل يمكن أن نقول: بأن الذين لم يؤمنوا كأنهم يقولون دعنا نفكر بعقولنا.

من المسائل الكبرى تنشأ الفلسفات لا من أمور صغيرة، هنا يبدو وكأننا نرمي الأديان بأحجار، وليس هذا مقصدنا، وإنما المشكلة كلها هي لماذا تصبح الهفوة خطأ دون مناقشتها، فالناس الذين ينشرون الخبر، إنما يضع أوهامهم الذاتية ويصيغونها من جديد، وهذا الخبر يصبح وكأنه جديد، من كثرة انزياحاته المتوالية التي لا تجدي نفعا.

وكأن الأديان تقول للعامة: اتركوا عقولكم جانباً: أبواب الراحة والجنس والأمان مفتوحة لكم، ومن يفكر عليه أن يبحث عن اله آخر.

ما أضعف هذا المخلوق وما أقواه في الوقت نفسه، إنه موضوع لذاتين مختلفتين نوعياً، الله والشيطان، كل منهما يمارس أفكاره على هذا الموضوع، والحالة هذه فهو يربط بينهما ويجعل منهما ذاتين واقعتين بكل ما تحمله الكلمة من المعنى. الله خير، والشيطان شر، وكل منهما مطلق في أعماله، وكان على الرابط أن يكون كذلك، لو كان الأمر هكذا لما احتاج هذا الرابط إلى من يرشده، بكل الأحوال هناك نقص هائل في بنية الرابط في نظر الأديان الثلاثة، ولكن خالق الخير خلق الرابط ومعه آداة تدينه، كي يكون للشيطان مركزاً، ألا وهو كلّ مشتهيات الحياة وغرائزها التي تكون من أعمال الشيطان، فحينما أقدم الرابط على أكل شجرة المعرفة طُرد من الجنة مثل الشيطان. وهذا التناقض لا يحل، طالما الله لم يقض على الأسباب التي تجعل الشيطان شيطاناً. فيبدو أن الله خلق الشيطان بتمام وكمال دون أي نقص أو تناقض في جوهره، طالما أن الله خير كان عليه أن يعمق مواضيع معرفية كي يكون الناس على دراية بما يفعلون، ويكون ذلك على حساب ردع الشيطان من الإقدام على تصرفات ليست في صالح الله والإنسان. وكأن الله والشيطان يحاربان عبر الإنسان أو أنه ساحة معركتهما.

هذا التناقض الأزلي أوقع الموضوع- الذي أصابه انفصام – في طامة كبرى، فهو يحمل تناقضين في جوفه: اله الخير، وشيطان كأحد مخلوقاته التي استعصت عليه مباشرة ووجهاً لوجه، ولهذين التناقضين نافذة واحدة مطلة على فسحة واحدة لممارسة حربهما الأزلية على جسد الرابط، وجدير بالقول إن الله وهو أقرب إلى الرابط أبدع أعمالاً في نفسية الرابط من مشتهيات الحياة التي هي فريسة للشيطان في نفسدية(نفسي، جسدي) البشرية، ومن ثم شارك الشيطان في احد أعماله الإلهية ويفتك بالإنسان كي يبعده عن الخير، يبلغ الشيطان مآربه، والمطلوب من الرابط أو الموضوع أن يصبر ويعمل ويجهد كي يتدارك الخطأ المقترف منذ فجر التاريخ. لكن أشد الطلبات استعصاء على الفهم أن يكون الناس مجبرين على فعل الخير عبر أعمالهم في سياق مجال عمل الشيطان المخلوق والمطرود من الله، عبر قمعه للغرائز وعدم إشباعها. والأنكى من كل ذلك يمنعه أن يحتكم إلى عقله، وهو من صلب الأخلاق التي تبعده عن الشيطان، فالأخلاق التي نمارسها قاعدتها الرئيسية هي العاطفة التي لا يستطيع أحد أن يركن إليها للوصول إلى برّ الأمان، علماً أنّ العاطفة تدخل في مجال عمل الشيطان، وهي في جزئها الكبير مرتبطة بعملية جنسية تمنع التفكير عن طريق العقل كي يبتعد الإنسان من الحرام أي الزنى.

عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أوّل شيء خلقه الله القلم ثم خلق النور وهي الدواة ثم قال هل أكتب قال وما أكتب، قال اكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل وقال وعزّتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك ممن أبغضت[3]. والعقل[4] أحسنهم عملاً وإن الشيطان ليفر من العاقل، وما يستطيع أن يكابده، يا بني ما عبد الله بشيء أفضل من العقل. قال حدثنا وهيب قال أخبرنا الجريري عن أبي العلاء عن طرف أنه قال ما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من العقل.

إذا العقل الذي نحن بصدده يربط الإنسان بواقعه دون أن يكون متصلاً مع فعل الخطاب، كونه واقعيا أكثر مما ينبغي، ويأتي بعد الإيمان، أي بعد اللاتفكير.

{{الهوامش:}}

[1] -سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة-ترجمة حسن حنفي

[2]-في قاموس لسان العرب: باب دهدة وهو حديث

[3]-كتاب الاذكياء في ذكر فضل العقل الباب الاول لابن القيم الجوزي. كتاب الالكتروني بموسوعة الشعرية ص /8/

[4] – عقل العَقْلُ: الحِجْر والنُّهى ضِدُّ الحُمْق، قاموس لسان العرب

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق