الهويات القاتلة في عصر الأصولية الدينية

في الوقت الذي يعيش فيه العالم الإسلاميّ مرحلة من هيمنة الفكر الأصوليّ وصعود الهويات الدينية والطائفية، وما خلقه ذلك من استقطابات اجتماعية وسياسية أنتجت هويات متعارضة تلوذ بالمقدّس في مواجهتها لبعضها وفي تحشيد جمهورها وجهادييها، يطرح البعض أفكارا من قبيل التقريب بين الأديان أو بين الطوائف عبر رجال الدين، بل صارت معظم المؤسّسات الدينية، تلعب أدوارا رسمية وغير رسمية في تشجيع “الحوار” و”التعايش” ويتصدّر منابرها رجال الدين وممثلو الإسلام السياسيّ والزعماء الطائفيّون في دعوات التعايش والتحاور بل والوحدة أحيانا. وإنّ هذه الظاهرة في الحقيقة ليست سوى تعبير آخر عن هيمنة النفاق السياسي والاجتماعي في المنطقة، وعن ميل نحو التعاطي السطحيّ مع المشكلات البنيوية وعن البحث عن حلول ترقيعية لها. إنّ صعود الهويات الدينية والطائفية يعني فيما يعنيه، بروزا للمقولات اللاعقلانية، وهيمنة للمقدّس الميتافيزيقيّ، وتعصّبا للدين يحوّله من صفته كمعتقد إلى هوية جوهرانية متعالية على النقد أو التشكيك أو المساءلة العلمية، وبالتالي فإنّه صعود مقترن بالإذعان لمقولات ومواقف وتصوّرات غير قابلة للجدل أو للحوار، وهي إن كانت قابلة للتعايش فإنّه تعايش معنيّ بتقاسم النفوذ، وبالهدنات الظرفية، وبالعزلة المغلّفة بقبول متحايل للنسبية الثقافية ضمن نظم أيديولوجية ترتفع إلى مستوى المطلق. ولكن، كما أنّ تقاسم النفوذ يبدو مستحيلا في عصر لم يعد بإمكان أحد فيه أن يضع سورا أمام الكلمات العابرة للحدود والمتدفّقة في الفضاء الافتراضيّ، فإنّ التعايش يبدو مستحيلا بذات القدر لأنّ الهويات الدينية والطائفية، غالبا ما تحمل طابعا تبشيريّا وتتقمّص دورا رساليا، وتدور سردياتها حول انبلاج الحقيقة المطلقة أو الخلاص أو القيامة التي نادرا ما تقبل بأقلّ من السموات والأرضين مساحة نهائية للنفوذ.

إنّ الأصولية الإسلامية الجديدة انبنت على إعادة تعريف للهوية الاثنو- ثقافية، استدعاه فشل -في الكثير من أرجاء العالم الإسلامي – بناء الدولة/الأمّة على النمط الأوربيّ الحديث، ولذلك أزيحت تدريجيا مقولات الأمّة القومية التي لم يكن لها من نصيب قويّ للازدهار خارج إطار النخب الثقافية والسياسية، والتي شوّهها فساد تلك النخب وارتباطها بنظام الهيمنة العالميّ، لتحتلّ مكانها مجدّدا مقولات الأمّة الإسلامية وحاكمية القرآن ومرجعية الكتاب والسنّة، ثم لتنطلق حملة واسعة لإعادة أسلمة المجتمع، وهي حملة سهّلها تواطؤ النخب السياسية مع رجال الدين والأصوليين، عبر ترك المجتمع الذي يئنّ من الفقر والجهل والمرض مساحة حرّة لهيمنة الخطاب الثقافيّ للأصوليين، مقابل أن تحتفظ تلك النخب بالسلطات السياسية، إنّها تسوية رأينا مقاربات لها بأشكال متعدّدة، لكنها كادت أن تصبح سياقا مهيمنا على علاقة السلطة السياسية بالأصولية الدينية في منطقتنا، لاسيما وأنّ السلطة ميزت بين أصوليين يهدّدونها فاشتبكت معهم، وأصوليين يتواطئون معها تخلّت لهم عن عبء التنشئة الثقافية والاجتماعية ثمنا لتخلّيهم عن رغبة الهيمنة، وكان المجتمع المدني، بما يمثّله من خطّ دفاع أخير عن قيم الحداثة السياسية والاجتماعية، هو الضحية الأساسية لهذه التسوية، فقد وجد نفسه محاصراً بين سلطة ديكتاتورية قامعة للرأي المعارض، وسلطة دينية قامعة للحرية الفكرية، ومجتمع يزداد تزمّتا وتتراجع فيه قيم التسامح.

أخذت ظواهر الأسلمة المتصاعدة للمجتمع تتجلّى في انتشار كاسح للحجاب كمّا ونوعا، وإطلاق اللحى بين الشباب، والانتقال إلى الزيّ التقليديّ، وانتشار تداول الكتب والأشرطة الدينية، وتزايد أعداد الأدعياء ورجال الدين وتزايد مواردهم المادية، وكلّ هذه الظواهر كانت في جوهرها تعبيرا عن أولوية الهوية الدينية وانبعاث لمقولاتها، وكانت مزامنة لتحوّلات جوهرها إبطال ما أنجزته الحداثة، فقد وجدت الأصولية الدينية في الحداثة خصمها الأيديولوجيّ الأساسيّ، ولذلك سعت للانقضاض على ما كان قائما من مظاهره، وهو انقضاض حصل بطريقة ضمنية عندما تمّ تعزيز كلّ مظاهر التمايز عن الآخر “الغربيّ” كنوع من “الرجوع إلى الذات”، وبطريقة صريحة عبر أسلمة القانون والمؤسّسات. هكذا مثلا تراجعت مساحة الفنّ والمسرح والغناء والأدب الراقي، لتحتلّ مكانها حلقات الذكر والجلسات الحسينية ومحاضرات الأدعياء، وبعض أشكال الفنّ الهابط الذي عبّر ضمنيا عن تقلّص، وأحيانا اختفاء، مساحة الفنّ الراقي. كما ازدادت القوانين المضيّقة على حرية الفكر وتلك التي تحمل طابعا تكفيريا، واتسعت مساحة اللامفكّر به، كما انحدرت أهمية العلوم الاجتماعية والجامعات بوصفها مراكز للتحديث والعقلانية. لم يقتصر الأمر على تحريم الدراسات والأبحاث الجديدة وتكفيرها، بل تمّ نبش الماضي وصارت الأحكام تصدر بأثر رجعيّ على كتابات قديمة لأنها كانت بنت مرحلة انتعشت فيها الحداثة وقبل بها البحث العقلاني والأدب الحرّ ولو جزئيا، أُهدر دم سلمان رشدي، وأصبح نزار قباني فاسقا، ومنعت رواية حيدر حيدر التي ألّفها في السبعينات من دخول القاهرة، صار طه الحسين كافرا وكتاباته خطرا على الأجيال الجديدة، طعن نجيب محفوظ وقتل فرج فودة وحُكم على أبو زيد بالردّة واتُّهم سيد القمني بالإلحاد. لم يعد الدين بأيّ شكل من الأشكال معتقََدا، صار مقدّسا بذاته، صار مرادفا للقراءة الأصولية له، صارت نسخته الاجتماعية أكثر تزمّتا من نسخته الرسمية. بل إنّ الأصوليين أخذوا معهم فكرهم إلى الجاليات الإسلامية في الغرب، وهي جاليات يعاني أفرادها من أزمة هويّة حادّة بفعل الاصطدام بقيم المجتمع المضيف فضلا عن الاغتراب الثقافي وغالبا العوز الاقتصادي، وصرنا نجد اليوم بوادر مهادنة لهم من بعض النخب السياسية والثقافية الغربية، تكاد تمنحهم تسوية شبيهة لتلك التي حصلوا عليها في البلدان العربية، عبر التصديق على فكرة أنّ نقد الإسلام هو عنصرية، وأنّ المسلمين يجب أن يحصلوا على معاملة “تفضيليّة” من حيث “احترام” رموزهم الدينية وعدم النيل منها، فظهر في الغرب من يصبّ جام غضبه على رسّام الكاريكاتير الدنمركيّ لا على المتشددين وأجهزتهم الدعائية، وخلف هذا التسامح هنالك عنصرية خفيّة لا تدركها سطحية الأصوليين وسذاجة عقولهم، إنّها عنصرية ترى المسلمين أقلّ أهلية بحيث يستوجب معاملتهم على قدر عقولهم !!

إنّ جميع تلك التحوّلات انصبّت باتّجاه إعادة إنتاج الهوية الاجتماعية كما يُعَرّفها الأصوليّون، اتّجهت لنبذ منظومة قيم الحداثة والعقلانية واستبدالها بقيم لاعقلانية ومقولات ميتافيزيقية، فالديمقراطية كفر لأنّها اعتداء على حاكمية الله، والبحث العلميّ لا ينبغي أن يشكّك بالمقولات الدينية، فلا يمكن للمؤرخين ادّعاء وجود تاريخ غير ذلك الذي أتت به بطون الكتب الدينية مهما كان ضعيفا أمام تقنيات البحث التاريخيّ الحديث، النبيّ الذي عاش في بطن الحوت، وذلك الذي شقّ البحر هي حقائق ثابتة وغير قابلة للمساءلة، بل إنّ هناك من صار يعلن رفضه لبديهيات توصّل لها العلم مطلع عصر التنوير الأوربي، كدوران الأرض حول الشمس، صار على المؤسّسات أن تتكيّف مع كون المرأة ناقصة عقل ودين ومع حرمة خلوتها بالرجل، وعلى القانون أن يتكيّف مع نقاب المرأة وما يعنيه من إنكار لهويتها، صار علينا أن نقبل سردا للتاريخ يقوم على حوادث ومواقف وأساطير لا تضيف معرفة بقدر ما تنتج مزيدا من النسخ الأصولية وعقلا منعزلا عن عصره.

الهويات الجديدة هي بالضرورة هويّات قاتلة، لأنّها أخذت تنتج أجيالا لا تستطيع أن تدرك العالم خارج إطار المقولات الأصولية، لا تقدر أن تعزل الدين في حيز منفصل عما هو اجتماعيّ وسياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ، وهي أجيال لا يتاح لها التفكير خارج البنية العقلية الأصولية، فلا تجد ملاذا إلا عبر مزيد من الأصولية. فعندما تقتنع أنّ هذه هي هويتك، يصبح الذود عن الهوية فعلا أخلاقيا ساميا، وربّما كذلك الموت لأجلها، لاسيما إن كان موتا ممهورا بوعود الجنّة والقرب من الله. لذلك تداعى الشباب الذي لا يستطيع أن يؤجّل لقاء ربّه، الذي أخذه الشوق لنبيّه، إلى التجمّع في كلّ مكان تحتدم فيه خطوط المواجهة مع الآخر، سواء كان آخر دينيا أم آخر طائفيا، سيان، فالنسخة الأصولية لا تتقبّل تفسيرا آخر للحقيقة المطلقة غير ذاك الذي أودعه الله في كتبها ومراجعها، ولأنّ الله واحد، وأحكامه واحدة، فإنّ أيّ تفسير آخر لماهيته، لطبيعته، لإرادته، هو إشراك أو كفر أو زندقة. الأصولية مطلق أيديولوجيّ لا يقبل النسبية إلا حيثما يعجز عن أن يغيّرها، والأصوليّ هو كائن يخوض مباراة صفرية مع آخر ما، ولا يهادن بقية الآخرين إلا لأنّه لا يستطيع أن يخوض المباراة ضدّهم جميعا في آن واحد. هكذا أنتجت الأصولية هويات قاتلة، لا لأنها شيطنت الآخر فقط، وأعني به كلّ آخر ممكن، بل وأيضا لأنّها في عصر لا يمكن لأحد فيه أن يبني حوله سورا يعزله عن العالم، أو أن يدّعي أن لا وجود للآخر، ولذلك، فإنّها لا تستطيع أن تقاوم محرّكها الرساليّ إذ تتقاسم العالم مع الكفرة والمرتدّين والملحدين والزنادقة، لا بدّ للرسالة من أن تكتمل، ولا بدّ للأرض من أن يرثها عباد الله الصالحون، ولا بدّ لقيامة الحقّ من أن تقوم، ولا بدّ للآخر من أن يختفي…

لذلك، أن يكون الأصوليون ورجال الدين روّادا للتقارب، والتعايش، والحوار، في مجتمعات هم روّاد تعصّبها وتزمّتها ولاتسامحها، هو نفاق لا سبيل لمقاومته عبر التفريق بين رجال دين معتدلين وغير معتدلين، فعندما تكون الأصولية فكرا مسيطرا، والهوية الدينية أو الطائفية مهيمنة، لا قيمة اجتماعية لمن لا يساير الفكر المهيمن ولا يقترب من العقل السائد. دون ذلك تصبح دعوة رجال الدين إلى التعايش طقسا من طقوس التقيّة أو ربّما العلاقات العامّة، أو أنّها في أصلها دعوة لوضع الحدود بين أصولية وأخرى، ولقبول هدنة بين هويات تكره بعضها، لكنها لا تستطيع أن تقضي على بعضها، هدنة لتواصل كلّ جماعة تلقين الكراهية للأجيال القادمة بانتظار زمن ينتصر فيه “الحقّ” على يد الشعب المختار، أو يد خير أمّة أخرجت للناس، أو الفرقة الناجية، وينهزم العدوّ فلا يجد مكانا يلوذ به، فحتى الحجر سينبئ عن الكافر الذي يختفي وراءه. إنّ المستقبل الأصوليّ لا مكان فيه للآخر، ولذلك فإنّ مستقبل الإنسانية هو ذلك الذي لا مكان فيه لأصولية مهيمنة، فنحن الذين لا نبحث عن حياة أخرى غير تلك التي نعرفها ونريدها أن تكون أفضل، ليس أمامنا إلا أن نواجه العقل الأصوليّ، الذي لا بدّ أن يندثر عندما لا يعود قادرا على أن يقدّم ملاذا للخائفين من مواجهة معضلاتهم الحقيقية… تلك التي لا جواب سماويا لها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق