الهويات الوطنية العربية تواجه تحديات كبرى / بشير موسى نافع

ليس من السهل فهم ما يعنيه فاصل زمني في سياق تاريخي لا نعرف على وجه اليقين، ولا حتى بقدر معقول من التكهن، متى بدأ ومتى سينتهي. ولكن الإنسان بطبيعته يلجأ تلقائياً إلى التحقيب، ليستشعر على الأقل أن ثمة نهاية ولو رمزية، وبداية أخرى قد تحمل شيئاً من الأمل. عربياً، قد لا يحمل العام الجديد سوى المزيد من الترقب القلق والخوف، وينبع معظم هذا القلق والخوف من المخاطر التي تتهدد وحدة المجتمعات والكيانات الوطنية العربية.

افتتح العام بالانفجار الإرهابي الذي استهدف رواد كنيسة قبطية بمدينة الاسكندرية وأدى إلى مقتل عشرين مواطناً مصرياً وجرح العشرات. وبالرغم من أن البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية المصرية أكد على طبيعة الانفجار الانتحارية، فربما من المبكر القطع بما حدث فعلاً. ما يمكن القطع به أن مثل هذا الهجوم المخطط بدرجة عالية من التعقيد، تقنياً وعلى مستوى الزمان والمكان، هو شأن غريب على الحياة المصرية، حتى بالنظر إلى فترة تصاعد العنف المسلح في عقد التسعينات. ثمة عقل خلف هذا الهجوم يدرك تعقيدات ملف الأقباط في مصر، ويعمل على تفجير الوضع الطائفي في مصر. مثل هذا الاعتداء الإرهابي ما كان سيثير في بلد آخر الحساسيات التي أثارها هذا الحادث، حتى بدا أن كينونة مصر الوطنية في موضع الشك، وليس فقط أمن وسلامة مدينة أو مقر عبادة. والسبب خلف هذا واضح، وإن يحجم كثيرون عن التطرق إليه؛ فمصر تعاني بالفعل ومنذ عقود من وطأة ملف داخلي ثقيل هو الملف القبطي. الدولة العربية التي توصف عادة بأنها الأكبر والأكثر تماسكاً، الدولة التي اكتسبت هوية وطنية قبل أي دولة أخرى في جوارها الإقليمي، تعيش حالة متفاقمة من التفكك الوطني منذ زمن.

في مصر اليوم، بات عدد متزايد من المصريين يعرف نفسه من زاوية الانتماء الديني أو الطائفي قبل الهوية الوطنية، وفي أحيان أخرى حتى بمعزل عن الهوية الوطنية كلية. وفي حين تشكل الكنيسة القبطية في عهد البابا شنودة عازلاً يزداد صلابة بين الأقباط والفضاء الوطني العام، تعجز الدولة وحزبها الحاكم، حزب الأكثرية الساحقة في البرلمان المصري، عن إفساح مجال كاف لتمثيل الأقباط في الحياة السياسية. أما ما يعرف بمطالب الأقباط فليس من محاولة لطرحها على النقاش العام باعتبارها قضية وطنية مشروعة مثل أي ملف وطني آخر كالتعليم أو التنمية. والمدهش أن ليس ثمة محاولة للتعامل مع هذه الأزمة، لا من قبل الدولة المصرية، ولا من قبل مجتمع المثثقفين وأهل الرأي. بدلاً من حوار وطني صريح وواضح، ما تشهده البلاد مؤخراً ليس أكثر من تدافع آراء وجدل عصبي، لا يكاد طرف فيه أن يسمع الطرف الآخر. ولذا، فلابد أن تستدعي صحوة المشاعر الوطنية (إلى جانب ردود الفعل الطائفية)، التي أطلقها هجوم الاسكندرية قلقاً أكثر مما تستدعيه من اطمئنان. فقد بدا المصريون وكأنهم يشكون في مستقبل كيانهم الوطني، بالرغم من أن الحادث مجرد اعتداء إرهابي نادر، محدود، وانتهازي، ومكشوف، ما كان له أن يقوض ثقة وطن من حجم مصر وتاريخها بنفسه.

ويفتتح العام بالاستفتاء على جنوب السودان، الذي أصبح من المؤكد في شمال السودان وجنوبه، وداخل السودان وخارجه، أن نتيجته ستكون انفصال الجنوب. بعد عقود من توسع نطاق الخارطة العربية، بانضمام دول أخرى لإطار الجامعة العربية، سيجد العرب أنفسهم أمام أول انشقاق جغرافي، أمام تغيير للخارطة العربية التي يتعلمها طلاب المدارس، واضطرار المؤسسات التعليمية العربية إعادة النظر في كتب التدريس. على نحو من الأنحاء، وبالرغم من اللوم الذي يوجه لحكومة السودان، التي لا ينقصها اللوم منذ سنوات، كان انفصال الجنوب حتمياً. فمشكلة الجنوب تعود كما هو معروف إلى لحظة الاستقلال السوداني ذاتها، وإلى أن الدولة الجديدة ولدت وهي تحمل معها أسئلة لا أول لها ولا آخر حول إمكانية أن تنجح في بناء وتنمية هوية وطنية جامعة تضم فئاتها الإثنية والدينية. ولكن ما زاد الأوضاع سوءاً أن دولة الاستقلال، بكافة أنظمتها ربما، لم تدرك حقيقة وحجم التحديات التي كانت تواجهها؛ وبدلاً من أن تعزز من الأبعاد الوطنية للدولة الحديثة، فاقمت من قوى التشظي والانقسام. وطوال أكثر من نصف قرن، دفع السودان ثمناً باهظاً للحفاظ على حدود دولة الاستقلال، سيما في ثلثه الجنوبي، إلى أن انفجرت أطراف السودان الأخرى في وجه المركز. ولكن المشكلة الآن لم تعد انفصال الجنوب واستقلاله وحسب، بل وعواقب ما يمكن أن يحمله هذا الاستقلال لمستقبل السودان.

فمن ناحية، تدرك النخب الجنوبية أنها ستقود هي الأخرى دولة متعددة الأعراق والأديان، وأن العلاقات بين القبائل الجنوبية الرئيسية ومجموعات الجنوب الدينية والسياسية لم تكن دائماً مما يساعد على بناء كيان وطني متماسك. ومن ناحية أخرى، وبالرغم من التصريحات الإيجابية المتكررة من كافة الأطراف مؤخراً، فإن الانفصال لن يكون 'نظيفاً'، إن صح التعبير. والحقيقة أن العالم لم يعرف انفصالاً نظيفاً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، على أية حال. ثمة نزاعات حدودية في الأفق، وتداخلات بشرية ليس من الواضح كيف ستتعامل معها حكومة الخرطوم، وحكومة جوبا القادمة. كما أن المحيط الإقليمي يزدحم بدول الجوار الطامعة في توطيد موطىء قدم سياسي أو اقتصادي لها في دولة ستكون في أمس الحاجة للمساعدة، ومفتوحة الحدود على جوارها كله. وليس من المستبعد أن يرى البعض في الجنوب، أو ربما حتى في الشمال، أن اندلاع الصراع بين الشمال والجنوب يصب في مصلحة بناء هوية وطنية متماسكة في الجنوب، مؤسسة على الخوف والشعور بالتهديد، أو في مصلحة التفاف أكبر قطاع من الشعب في الشمال حول الطبقة الحاكمة في الخرطوم. وقد يدفع انفصال الجنوب إلى تصعيد مطالب بعض القوى الدارفورية السياسية نحو المطالبة بالاستقلال، طالما أن حالة الجنوب قدمت شاهداً بارزاً على رغبة ودور واستعداد القوى الدولية لتقسيم السودان. وإلى جانب ذلك كله، فقد يتحول انفصال الجنوب إلى مصدر تهديد ليس لاستقرار السودان وحسب، بل ولأمن مصر كذلك.

ويعيش لبنان منذ اغتيال الرئيس الحريري حالة من الحرب الأهلية المؤجلة. خلال الشهور القليلة الماضية، ومنذ سربت تقارير تفيد باحتمال أن توجه لجنة التحقيق الدولية الاتهام في مقتل الحريري لعناصر من حزب الله، ولبنان يزداد توتراً. أحد الوجوه الأكثر إيجابية أن الأزمة اللبنانية شهدت خلال الفترة القصيرة الماضية جهداً سورياً سعودياً كبيراً لتهدئة التوتر ونزع فتيل الأزمة. ولكن أحداً لا يعرف على وجه اليقين المدى الذي وصلته جهود الدولتين العربيتين الأكثر تأثيراً في الشأن اللبناني. كما أن من غير الواضح ما إن كان لهذه الجهود من أثر على مواقف القوى الدولية ذات الاهتمام. التفاهم الأمريكي – الفرنسي الذي لعب الدور الرئيسي في زرع بذور الأزمة اللبنانية قبل أكثر من ثماني سنوات، ينعكس اليوم في الإصرار على أن تأخذ لجنة التحقيق والمحكمة الدوليتين مجراهما، مهما كانت العواقب والنتائج. وفي حال صدر قرار اتهامي ضد عناصر من حزب الله، حتى وإن كان النزاع في نطاقه اللبناني قد حوصر، فمن المشكوك فيه أن يمر القرار الاتهامي بدون وقع سياسي، وربما ما هو أبعد من الوقع السياسي، على الوضع اللبناني.

في اليمن لا ينبع التهديد الذي يواجه وحدة البلاد من تعدديته الطائفية، بل من العبء الثقيل الذي يلقي به الاستقطاب السياسي والاقتصادي على وحدة الشمال والجنوب. وربما ليس من المبالغة القول أن مستقبل اليمن بات معلقاً بخيارات الرئيس اليمني وإرادته، في الوقت الذي يفسح التداعي في بنية الوحدة اليمنية لانتشار المجموعات الإرهابية في طرفي البلاد. أما في العراق، حيث يتمتع الإقليم الكردي باستقلال واقعي في شمال البلاد، وترتفع في أوساط السياسيين القوميين الأكراد الدعوة لإقرار الحق في تقرير المصير، يتوقف تماسك الجسم العربي للعراق على سياسات المالكي وحكومته الثانية. كان انكشاف الهوية الوطنية العراقية قد بدأ منذ اللحظة التي التقت فيها مصالح قوة الاحتلال والقوى السياسية العراقية الطائفية والقومية، ومن ثم إقامة نظام الحكم العراقي الجديد على أسس طائفية وإثنية. ولكن المشكلة التي تزداد تعقيداً في العراق أن الطبقة العراقية الحاكمة ترفض أن ترى عواقب بناء الدولة في تضاد مباشر مع الشروط الأولية لوجود الدولة الوطنية الحديثة واستقرارها.

تكاد حالة فقدان اليقين والاستقرار الوطني تطال أغلب الدول العربية، سواء على خلفيات سياسية، أو اقتصادية، أو طائفية دينية. وليس من الصعب تحسس الترقب القلق والخوف من المستقبل الذي يتخلل عدداً متزايداً من الدول العربية وشعوبها. تواجه المجتمعات العربية تعقيدات الانتقال الطويل من نظام الملل، الذي حافظ على السلم العثماني الطويل، إلى نظام الدولة المركزية الحديثة وقيم المواطنة، التعقيدات التي لم تستطع هذه المجتمعات وأنظمتها السياسية حلها. بمعنى من المعاني لم يلد هذا الانتقال من خيار اجتماعي – سياسي حر، ولم تصاحبه ثقافة تسويغ جمعية، توفر له الحماية والتقدم السلس. وقد لعبت السيطرة الاستعمارية، من جهة، وحدود التجزئة المفروضة، من جهة أخرى، دوراً كبير في تعثر عملية الانتقال هذه. لفترة من الزمن، ساعد التفاؤل الكبير الذي صاحب الاستقلال الوطني وأحلام التنمية والازدهار على تخفيف وطأة أعباء الانتقال الصعب وتحدياته. ولكن تلاشي هذا التفاؤل بمرور العقود، وانكشاف عجز الدول الوطنية عن تحقيق وعود الاستقلال، وضع المجتمعات العربية وجهاً لوجه أمام المتطلبات بالغة الصعوبة لاستقرار الكيانات والهويات الوطنية.

كل الهويات المركبة، الهويات فوق الأولية، بما في ذلك الهويات القومية والوطنية، هي مشاريع غير ناجزة؛ بمعنى أن ليس ثمة لحظة يمكن فيها القول أنها قد وصلت ذروة نموها ونضجها. تعيش الهويات المركبة في سياق صحي، يعمل على توكيدها وتعزيزها، أو تتعرض تلقائياً للتراجع والانهيار. والخشية، أن المجتمعات العربية تسير بخطى متسارعة نحو مناخ من التشظي والانكسار، لن تتحرر منه بدون مشاريع وطنية طموحة وكبيرة.

 

عن جريدة القدس العربي 6/1/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق