الوجه الآخر للإرهاب والحرب ضده: أطفال يتدربون على “الرجولة”

في أحد المنتديات الإسلامية على شبكة الإنترنت، يعرض أحد المتدخلين صورة لمن يزعم أنهم “مجاهدو” “فتح الإسلام” في لبنان. خمسة رجال ملثمين يقرؤون القرآن. الرجل في صدر الصورة، منهمك بدوره في القراءة. بيسراه، يحمل القرآن ويسند سلاحه. بيمناه، يشد إليه طفلا صغيرا يحدق بالمصور وعدسته على ما يظهر، وتبدو على وجهه الصغير معالم الدهشة والفضول.

تعليق المتدخل على الصورة – بغض النظر عن صحتها ونسبتها إلى جماعة “الفتح الإسلام” من عدمه: “ألا ترى يا “الهطق” في ذلك جمالا؟ أنا أراه جميلا جدا جدا جدا … حتى ينتهي المداد وينقطع النفس. انظر كيف يعلمون الأطفال على الرجولة”.

نهاية شارع ( 29 أيار) من جهة ساحة (السبع بحرات) في دمشق، قرب بنك سوريا المركزي، وقبالة بنكين خاصين يتسمان بالفخامة، وإلى جانب إحدى شركات الطيران ذات المدخل الرخامي الواسع، تعرفت إلى كثيرين من أصدقائي الصغار.

في المكان حيث وصفت، تقبع محكمة أمن الدولة العليا الاستثنائية. وفي المدخل المذكور، مشهد يتكرر أسبوعيا منذ سنوات. يتراكض فيه أطفال صغار، أو يتقافزون من على سوره قليل الارتفاع، أو يتناولون الشيبس والبسكويت. هم يفضلون هذه المساحة الصغيرة- وعادة ما تكون مكتظة بأهالي المعتقلين إلى درجة كبيرة- لأن الشمس تتأخر قليلا في الوصول إليها صيفا، بينما يمكن الاحتماء في زواياها إذا انهمر المطر شتاء.

الأغلبية العظمى من المعتقلين المحالين إلى هذه المحكمة، هم من أولئك المتهمين بحمل الفكر السلفي الوهابي، وإن كانت لا توجد إحصائيات دقيقة عن أعداد هؤلاء، فالمعروفون منهم بالنسبة للمنظمات الحقوقية يعدون بالمئات.

عودة إلى الصغار، الذين لا تبدو على معظمهم، غالبا، معالم النعمة. أمهاتهم، عادة، يرتدين الجلباب ويسدلن المناديل على وجوههن. جداتهم وأجدادهم وبقية أفراد العائلة، في لباس ريفي تقليدي، وآباؤهم..على الطريق.

لسبب ما أجهله، يصعب استمالتهم بابتسامة أو قطعة حلوى. يبدون غارقين في عالمهم الخاص، غير عابئين بمن أو بما حولهم. يتجاهلون أسئلتي عن أسمائهم وألعابهم – على الأقل في بداية معرفتي بهم- وكأنهم لا يسمعونها.

فجأة، يركض الجمع مسرعا عدة أمتار، إلى أن يصل إلى الحاجز البشري للشرطة العسكرية. يخلّف الكبار الصغار وراءهم. يتنبهون بسرعة إلى ذلك، فيلتفتون إليهم منادين بأسمائهم. يقترب الصغار، مندهشين ومرتبكين، بينما تتلقفهم الأيدي وترفعهم على الأكتاف، والأيدي تشير إلى سيارة السجن الكبيرة، “بابا جاء، نادي على بابا”. بالمناسبة، غالبا ما يُرفع الأولاد على الأكتاف، بينما البنات يتركن متشبثات بجلابيب أمهاتهن.

بعض الأطفال، ينادون على آبائهم لحظة وصولهم وسوقهم إلى داخل المحكمة، ثم ينفجرون بالبكاء. آخرون، يستمرون في النداء الذي تذهب أصداؤه ضمن ضجيج الكبار وصراخهم. غالبا ما يحصل نوع من الاحتكاك بين العائلات وأفراد الشرطة، لمنعهم من الاقتراب أكثر، فتنفجر الأمهات بالصراخ والدعاء والعويل، ويتنحى الرجال جانبا، أو يحاولون إسكات النساء، بعنف أحيانا، ويضيع الأطفال بين خشونة العسكر ونواح الأمهات وغضب الآباء، فينفجرون في بكاء مذعور.

إحدى المشاهد التي ما فتئت تؤرق ذاكرتي، عندما قام أحد الآباء وقد اعترته حالة هستيريا شديدة، بعد أن منع مع الآخرين من زيارة أخيه في المحكمة·، قام بحمل طفل أخيه المعتقل، وبدأ يهزه بعنف وهو يبكي – أي العم- و يصرخ في وجهه :انظر هذا الظلم، كل هذا ظلم، تعلّم أن هذا ظلم”. والأم تشد الطفل من جهة، والشرطة تحاول إسكات العم وتدفع الجميع بخشونة للابتعاد عن المكان من جهة أخرى. أما ابن الثلاثة أو الأربعة أعوام، فلا داعي لوصف حالته وبكائه وتعابير وجهه.

على الأطفال أن يعتادوا ذلك. ذلّ أمهاتهم وعائلاتهم، الحرمان من زيارة آبائهم، وعوضا عن ذلك رؤيتهم يساقون بالجنزير من سيارة كبيرة إلى باب المحكمة، وأشياء كثيرة أخرى، من شأنها أن تصنع منهم “رجالا” في المستقبل!.

مفردات مثل الظلم والعدالة و الديمقراطية، لا يندر سماعها في مثل تلك اللحظات. مع أن من أتحدث عنهم، ينحدرون في معظمهم من بيئات ريفية مغرقة في الفقر والتهميش، وتتلون بالطابع الإسلامي المحافظ، المنكّه أحيانا قليلة، بنكهات السلفية الوهابية الوافدة إلى تلك المناطق مؤخرا، والتي على الأغلب تنحصر في أوساط الشباب – وزوجاتهم في حال كانوا متزوجين، دون آبائهم وأمهاتهم.

لكن وبشكل دائم، ليس تحت سمع عناصر الشرطة والأمن على أية حال، تختلط تلك المفردات بأخرى ذات طابع ديني. فيغدو الظالم عدو الله، وتتلى الأدعية والابتهالات بكف يده عن المظلومين ومعاقبته. وهذه اللغة طبيعية جدا، حتى في الأوساط المدينية المحافظة، وليس فيها إلا فيما ندر، ما ينم عن تعصب ناجم عن معتقدات خاصة، كالدعاء على “الكفار” الذين هم بنظرهم، السلطة التي قامت باعتقال الشبان. إلا أنها، وفي الظرف الذي تقال فيه، تخلق جوا مشحونا بالمعاني الدينية، يعطي لحدث الاعتقال وتداعياته بالنسبة للأطفال، أبعادا أخرى ليست قليلة الأهمية.

يختلف طفل المعتقل على خلفية إسلامية متشددة، عن مثيله ابن المعارض أو المثقف أو الناشط الحقوقي. يحظى هذا الأخير بالاهتمام والرعاية ولو بالحدود الدنيا، أقله من أوساط المعارضة والمجتمع المدني، ويدرك لا ريب مما يقال ويجري حوله أن والده يعامل كمناضل وبطل..الخ (هذا الحديث ينطبق على معتقلي ما بعد عام 2000 فقط، وهو ما يختلف جذريا عنه ما قبل هذا التاريخ. انظر عوالم المعتقلين السابقين للكاتب ياسين الحاج صالح). أما الأول، فوضعه يختلف إلى حد كبير. فسبب اعتقال والده، يبقى ملتبسا لديه. يتكتم الأهل على ذلك أو يجاهرون به، لكنه يبقى ضمن إطار المحظور الخوض فيه أمام الآخرين، وقد لا يجد الطفل حتى مرور وقت طويل، مبررا لأحاديث الكبار الهامسة وسخرية زملاء الدراسة وسوى ذلك.

لدى العائلات التي تنحدر من الطبقة المتوسطة وتتمتع بوضع مادي جيد أو ما دونه بقليل، تلاحظ عادة سوية أكبر من الوعي في التعامل مع أطفالها. العديد من العائلات، تخبر الأطفال أن آباءهم مسافرون إلى خارج سوريا. والسعودية، هي الوجهة المفضلة للآباء عادة!. كما تتجنب الحديث عن الموضوع أمام الصغار، وفي بعض الحالات، لا تصطحبهم إلى المحاكمات إياها.

يصعب معرفة ما إذا كانت تلك الخدع قد انطلت على الأطفال أم لا. إحدى الجدات تقول، بأن حفيدها ابن السبع سنوات، يعلم في قرارة نفسه أين والده، لكنه “يساير كذبنا”. فهذا الطفل يزور والده، المحكوم بالسجن سبع سنوات، كل شهر في سجن عسكري يعج بمظاهر العسكرة، وليس أقلها عناصر الشرطة المرتدين زيهم الخاكي، وهو ما لن يمر على طفل في السابعة من عمره.

تقول الجدة ” نخبره أننا سنزور والده في السعودية، وتعليقه الوحيد، أنه لا يحب السعودية هذه ولا يريد أيا من الهدايا التي نعشمه بها لدى عودة والده”.

يحمل هذا الطفل عبئا مهولا في قلبه الصغير. وكأنه يعلم كل شيء، ويحترم في الوقت نفسه لعبة الكبار. عندما سألته ماذا ينوي أن يصبح حين يكبر أجاب “أي شي”. سألته إن كان يفضل مجالا معينا، كالطب على غرار معظم الأطفال، أجاب، “لا، ولا شي”. سألته إن كان يرغب بهدية أحضرها له في المرة القادمة فقال “لا، ما بدي شي، ما بحب شي”. والحلوى؟ “ما بدي شي، ما عبالي شي، ما بحب شي”.

والحقيقة، أنها كانت المرة الأولى التي أصادف فيها طفلا يعلن عدم محبته لأي شيء وملله من كل شيء وبتلك التعابير النزقة والمتألمة على الوجه، على ذلك النحو!. تذكرت حينها الصورة إياها، حيث يُصنع الرجال!.

في البيئات الأكثر فقرا وتهميشا، والتي ينحدر منها معظم معتقلي التيار الإسلامي، يبدو الأطفال أكثر وضوحا في تأثرهم بما يجري من حولهم. فهم بداية على علم بمجريات الأمور منذ بداياتها الأولى.

إحدى الصغيرات التي تبلغ من العمر الآن تسع سنوات، أخذت تصف لي لحظة اعتقال والدها منذ خمس سنوات، وكأن ذلك جرى بالأمس فقط. لا أعلم، هل إلمامها بكل تلك التفاصيل ناجم عن تذكرها إياها بالفعل، على صغر سنها آنذاك، أم أنه يعود في جزء منه إلى سماع أحاديث الكبار.

طفل آخر في الثامنة من عمره، جميل الملامح ورقيقها، يريد أن يكبر ليصبح “مجاهدا” ويحارب الكفار. وإذا سألته من هم الكفار، يجيب “أميركا”. لكنه في الوقت نفسه، يكره كل شخص يرتدي بزة عسكرية، حتى أنه يكره شرطي السير، فهؤلاء في نظره، هم من اعتقلوا والده منذ سنتين.

تقول الأم أنه يعاني من “حالات غضب وحزن”، “مع أنني أحرص على أن لا نتكلم أمامه عن والده وما حدث معه على الإطلاق، لكن لا أعرف كيف يعرف كل شيء”!.

يختلف الأمر بالنسبة لأطفال آخرين من البيئة نفسها. تحدثني إحدى الأمهات عن أطفالها وكيف كانوا بعيد اعتقال والدهم، يعودون باكين إلى البيت كل يوم، وقد أخذ أقرانهم يلاحقونهم ساخرين و”منشدين” “وهابيين إرهابيين”!.

لكن فيما يبدو، كلما كانت الأم أقل “وعيا” بأمور المعتقد وتفاصيله، كانت أقدر على مساعدة أبنائها لتجاوز جانب من محنتهم. فهذه الأم، التي اعتقل زوجها ضمن مجموعة من الأشخاص، لا يبدو عليها “التفقه” بالدين. كما أنها تصر على أن زوجها اعتقل تعسفا ولا علاقة له بالفكر المتشدد ولم يبد منه ذلك يوما في سلوكه اليومي، حتى أنها لا تسدل المنديل الأسود على وجهها – وهو أمر مستبعد بالنسبة لزوجات حملة الفكر المتشدد-، وهي تحرص على دراسة أبنائها ومستقبلهم رغم أنها لا تقرأ ولا تكتب.

رغم الإحساس الكبير بفقد الأب الذي يعبر عنه أطفالها، ورغبتهم في الحديث عن والدهم أمامي، إلا أنهم يبدون أكثر “طفولة” من أقرانهم الذين وصفتهم سابقا. محمد يريد أن يصبح طبيبا وأخته تريد أن تصبح طبيبة وأخوهما الصغير، لم يحدد بعد رغبته فيما يريد أن يكون عندما يكبر.

“للحرب على الإرهاب” ضحاياها الصغار، وبشكل مزدوج. في المرة الأولى هم ضحايا البيئة التي وجدوا أنفسهم ضمنها، فجعلت من واحدهم، ولم يتجاوز بضع سنوات من عمره، يحلم بأن يصبح “مجاهدا” في المستقبل. والمرة الثانية، ضحية ممارسات أمنية تغرق في القسوة العبثية والممارسات الانتقامية، حتى لكأنها “تعجن” الطفل “مجاهدا” للمستقبل، أو على الأقل، تسرق منه أغلى ما يملك، طفولته بأبعادها كافة.

حكومات العالم، في “حربها ضد الإرهاب”، خاصة تلك التي تتاجر بهذه الحرب، ومثلها ولو اختلف الأسلوب، حملة الفكر المتشدد العنفي، يتدخلون بشكل مباشر أو غير مباشر، لـ”تعليم الأطفال على الرجولة”، حتى إذا ما أصبحوا “رجالا”، شنت عليهم حربا شعواء. “يا ليتهم يبقون أطفالا أبدا”، قالت لي إحدى الأمهات.

الأغلبية العظمى من المعتقلين على خلفية إسلامية، وبعد الأشهر الأولى من اعتقالهم في أفرع الأمن المختلفة، ينقلفون إلى سجن صيدنايا العسكري تمهيدا لمحاكمتهم، والزيارة في هذا السجن ممنوعة منذ سنوات، ولا تتاح لغير المحكومين. وبالتالي يتعذر على الأهالي زيارة أبنائهم في غير أيام جلسات المحكمة المتباعدة، ولدقيقتين فقط على أن تشمل الزيارة فردا واحدا أو فردين في أفضل الأحوال من العائلة. وقد تمتد الفترة التي يقضيها المعتقل حتى يصدر حكم بحقه ما بين السنة ونصف وثلاث سنوات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق